كيف يتوقف تصنيف المؤسسات الفلسطينية «بالإرهاب» على الرقم ستة؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

علاقة وثيقة بين الشركات الأمنية والاحتلال في استهداف المؤسسات الحقوقية

رام الله ـ «القدس العربي»: خلال أقل من شهرين أصبح للرقم (6) دلالة ورمزية مضاعفة عند الفلسطينيين، هناك ستة أسرى تمكنوا من الفرار من «سجن جلبوع» الإسرائيلي عبر عملية وصفت بـ«الخارقة» وهناك ست مؤسسات أهلية وحقوقية فلسطينية صنفتها دولة الاحتلال على إنها «إرهابية».
وإن كانت قضية الأسرى قد أغلقت أبوابها بتمكن دولة الاحتلال من إعادة الأسرى الستة إلى السجن، لكن قضية المؤسسات المدينة والحقوقية الفلسطينية الست ما زالت تتفاعل فلسطينيا وإسرائيليا وعالميا.
خلال الأسبوع الماضي اكتسبت القضية زخما كبيرا مع اتهام المؤسسات الست لجهات (لم تعلنها بالاسم) بالتجسس على عاملين وحقوقيين ونشطاء يعملون فيها عبر استخدام برنامج التجسس الشهير «بيغاسوس».
وفي آخر تفاعلات ملف التجسس على جهات فلسطينية أعلن أحمد الديك، مساعد وزير الخارجية الفلسطيني، الجمعة، عن أن إسرائيل تجسست أيضا باستخدام نفس البرنامج على هواتف ثلاثة دبلوماسيين فلسطينيين مكلفين بملف الجنائية الدولية، وهو ما عد بمثابة الفضيحة الثانية بعد فضيحة التجسس على مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية.
السؤال الأبرز الذي يطرح على الساحة الفلسطينية اليوم مفاده: كيف وماذا يجب ان يفعل الفلسطينيون كي لا يتحول الرقم من ست مؤسسات مصنفة بالإرهاب إلى مئة مؤسسة؟ ومبرر هذا السؤال الذي يتردد على ألسنة الحقوقيين والنشطاء هو تزايد شهية الاحتلال الإسرائيلي مع حكومة يمينية متطرفة على قضم الحقوق الفلسطينية حتى تلك التي تتوافق وتعمل وفق أسس القانون الدولي.

مطالب الحماية والتحقيق

ظهر الاثنين الماضي وعبر مؤتمر صحافي عقد في مدينة رام الله، في مقر مؤسسة «الحق» طالبت المؤسسات المدنية والحقوقية بإجراء تحقيق دولي شفاف ومحايد لمعرفة من هي الجهات التي قامت باستخدام برنامج «بيغاسوس» للتجسس على العاملين في المؤسسات الأهلية الفلسطينية وتحديدا تلك التي وصفتها إسرائيل بالإرهاب سعياً من الاحتلال لنزع الشرعية عن عملها وعزلها عن المؤسسات الشريكة وشبكات التضامن حول العالم.
رافق هذا المطلب العمل على حماية العاملين في هذه المؤسسات وتحديدا بعد ان أصدرت السلطات الإسرائيلية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، خمسة أوامر عسكرية منفصلة تقضي باعتبار المؤسسات الست «منظمات غير مشروعة» بموجب لوائح قانون الدفاع (الطوارئ) لعام 1945 والتي قد ألغتها بريطانيا قبل فترة وجيزة من انتهاء انتدابها بينما أعادتها إسرائيل بصورة غير قانونية لتنفيذ العديد من أعمال الاضطهاد ضد السكان الفلسطينيين المحميين.
وبحسب البيان الذي وقعت عليه المؤسسات الست فإن القرار الجديد يمنح الجيش تصريحا بملاحقة المؤسسات المصنفة «إرهابية» و«إغلاق مقارها» كما يحظر العمل الفعّال للمنظمات الفلسطينية ويعرضها لخطر الإغلاق القسري الوشيك ويعرّض موظفيها لخطر الاعتقال والاحتجاز التعسفي.
ويمثل القرار خطوة مقلقة تهدف إلى تجريم جهود هذه المنظمات وتقويض عملها في تعزيز إعمال حقوق الإنسان الفلسطينية، والسعي إلى المساءلة من خلال الآليات الدولية، وتشويه سمعة عملها الأساسي، وعزلها عن المجتمع الدولي، وفي نهاية المطاف تجفيف مصادر تمويلها.
المؤسسات المدنية والحقوقية الست هي: الحق، الضمير، مركز بيسان للبحوث والإنماء، اتحاد لجان العمل الزراعي، اتحاد لجان المرأة الفلسطينية، الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال/ فرع فلسطين.

التصنيف محاولة استباقية

الاعتقاد السائد لدى هذه المؤسسات بحسب الباحث أبي العابودي، مدير مركز «بيسان للبحوث والإنماء» يتمثل في أن القرار الإسرائيلي الصادر عن وزير الدفاع بتصنيف المنظمات الست بالإرهاب يوم 19 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، وفقاً لـ«قانون مكافحة الإرهاب» الداخلي الإسرائيلي الصادر عام 2016 جاء بعد أن اكتشفت مؤسسة «الحق» بتاريخ 16 تشرين الأول/أكتوبر الماضي اختراق برنامج تجسس إسرائيلي لهواتف نشطاء في المؤسسة.
ويرى العابودي أن هذا الفعل الإسرائيلي «جاء سريعا» بهدف التغطية على تجسسها على المؤسسات الفلسطينية الست، وهو يمثل انتهاكا جسيما بحق المجتمع المدني الفلسطيني، ومدافعين ومدافعات عن حقوق الإنسان يعملون وفق القانون الدولي.
وكانت منظمة «فرونت لاين ديفندرز» (FLD) قد كشفت يوم الاثنين الماضي من خلال تحقيق بالتشارك مع مؤسسة «سيتزن لاب» عن اختراق 5 أجهزة لموظفين يعملون في مؤسسات حقوقية فلسطينية، باستخدام برنامج التجسس «بيغاسوس» التابع لمجموعة NSO Group الإسرائيلية.
ورأت المؤسسات تزامن وقت صدور تحقيقات «فرونت لاين ديفندرز» مع التصنيفات الإسرائيلية بخصوص منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، حيث جاء بعد أيام فقط من بدء تحقيق «فرونت لاين ديفندرز» محاولةً للحيلولة دون الوصول لأدلة المراقبة والتغطية على أعمال التجسس السرية.
من أمثلة الحقوقيين الذين تم التجسس على هواتفهم المحمولة الناشط المقدسي والباحث الميداني والمدافع عن حقوق الإنسان في مؤسسة «الحق» غسان حلايقة، والباحث الميداني في مؤسسة «الضمير» المحامي صلاح الحموري، وكلاهما من القدس، إضافة إلى الباحث أبي العابودي من مدينة رام الله.
وكان الباحث الميداني في مؤسسة «الضمير» المحامي صلاح الحموري قد لاحظ وجود حركات غريبة في هاتفه بين تاريخ 17- 20 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، «مثل وجود أرقام تتصل عليّ وهي فعلياً لا تتصل، الكاميرا تفتح وحدها، والعديد من الحركات الغريبة».
وتابع المحامي الذي سحب الاحتلال منه الحق بإقامته في القدس بشكل رسميّ وصادر حقه في الحركة والسفر قبل فترة قصيرة، أن منظمة «فرونت لاين ديفندرز» تيقنت من وجود اختراق «بيغاسوس» لهاتفه، خلال شهر نيسان/ابريل الماضي.
الحموري يشدد على أن ما حصل معه هو عملية اختراق لخصوصيته، وانتهاك لخصوصية الآخرين أيضا، فاختراق الهاتف المحمول خاصته هو تنصت على جميع الذين تواصل معهم سواء كانوا دبلوماسيين، أو موكلين، أو محامين، وغيرهم.
الحموري أسوة بغيره من الذين كشف أنه تم التجسس عليهم يطالبون بإجراء تحقيق دولي من الأمم المتحدة، التي تمتلك لجنة خاصة متعلقة بحقوق الفرد، وأضاف: «سأرفع قضية في فرنسا أيضا، فأنا أحمل الجنسية الفرنسية».
وقد كشف التحقيق المتاح على موقع «سيتزن لاب» أن خمسة أجهزة تخص موظفين في المؤسسات الفلسطينية الست تم اختراقها خلال عامي 2020 و2021 وبين أن «أربعة من الهواتف المخترقة تستخدم شرائح اتصال إسرائيلية» وهي نتيجة تم التوصل إليها بعد فحص 75 جهاز أيفون لعاملين في المؤسسات الست.
ما حدث مع الحموري جرى مع الباحث في مؤسسة «الحق» غسان حلايقة حيث لاحظ وجود شيء غير معتاد على جهاز المحمول الخاص به، وبعد أن لفت نظر المؤسسة إلى ذلك وإجراء فحص للجهاز الخاص به تبين أن الجهاز مخترق منذ شهر تموز/يوليو 2020.
أما اختراق الجهاز الثالث الذي تم الكشف عنه فهو لجهاز أبي العابودي الذي تم في شهر شباط/فبراير 2021.
الباحث في مؤسسة «الحق» تحسين عليان أكد في تصريحات صحافية أن الجميع متخوف وقلق على أمن جميع العاملين، وخصوصا بعد صدور قرار الأمر العسكري قبل أيام والذي ينص على اعتقال ومصادرة كل ما له علاقة بالمؤسسات الست.

لم تنم طوال أيام

الباحث العابودي قال نحن إزاء برنامج تجسس يسمع المكالمات، ويتلاعب بالبيانات، ويقوم باتصالات عن صاحب الجهاز، ويقوم بعملية تشغيل الصوت والتسجيل..الخ، وفيه انتهاك كامل للخصوصية.
وما جاء في تقرير «فرونت لاين ديفندرز» الذي نشر في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر 2021 يفيد أن تحميل برنامج «بيغاسوس» التجسسي على جهاز أي شخص، فإنه يمنح المهاجِم الصلاحية الكاملة للدخول إلى الرسائل والبريد الإلكتروني والصور والميكروفون والكاميرا وكلمات السرّ والمكالمات الصوتية ولكل تطبيقات الرسائل وبيانات المواقع والاتصالات وجهات الاتصال، كما يمكن لهذا البرنامج التجسسي تفعيل كاميرا الجهاز والميكروفون الخاص به، وبالتالي التجسس على كل الاتصالات التي يقوم بها الشخص ونشاطاته.
وتابع العابودي حديثه: «هذا أمر مقلق للجميع، زوجتي لم تنم طوال ثلاثة أيام وهي تفكر بمسألة التجسس على هاتفي، إنها مسألة لا يمكن تخيلها».
وشدد العابودي (الذي يحمل الجنسية الأمريكية) أن منظومة الاحتلال لا تعترف بحقوقنا كفلسطينيين، ولا حصانة لأي فلسطيني حتى لو حمل جنسية أجنبية، فكوننا فلسطينيون فهذا يعني أننا معرضون لكافة أنواع الانتهاكات.
وتابع: «مع هذا البرنامج فالمواطن مستباح كليا، وهو أمر مدان وفق القانون الدولي، ويعبر عن انتهاكات متواصلة بحقنا».
وطالب بالبحث والتحقيق لمعرفة دور الاحتلال فيما جرى للمؤسسات وموظفيها، وما دور الشركة الإسرائيلية بهذه الأمر.
ووصف العابودي ما يجري بحق المؤسسات بـ«إرهاب دولة منظمة، ومحاولة مستمرة بانتهاك والسيطرة على المجتمع الفلسطيني وصياغته وإعادته هندسته بما يتلائم مع الاستعمار والاحتلال» واستطرد قائلا: «لن يخرسنا ولن يرهبنا الاحتلال، كمواطنين ومؤسسات وناشطين نتعهد بملاحقة من قام بالانتهاك. بكل الوسائل، لن نخرس ولن نسكت وهذا مؤكد».
واعتبر العابودي ما تعرض له النشطاء بـ«عملية تجسس واسعة وهي عملية استخباراتية تتم منذ زمن طويل، وهذا يعني أن هناك ميزانيات لها ومصادر بشرية وهي جريمة وفق القانون الدولي».

تحالف الشركات مع الاحتلال

وبحسب مؤسسة «الحق» فإنها في شباط/فبراير 2019 أرسلت تقريراً بخصوص «صناعة التجسس والمراقبة في إسرائيل» إلى مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير. وبالاستناد إلى جهاز المراقبة المستخدم في جدار الفصل العنصري الذي تشغله شركة إلبيت (Elbit) الإسرائيلية، ومشروع مراقبة 2000 (Mabat) في البلدة القديمة في القدس.
التقرير بدوره ألقى الضوء على العلاقات المتبادلة بين الجيش الإسرائيلي وشركات التجسس والمراقبة الإسرائيلية الخاصة.
وهو أمر تنظر له سحر فرنسيس مديرة مؤسسة «الضمير لرعاية الأسرى في فلسطين» بأحد أسباب استهداف المؤسسات الحقوقية والمدنية الفلسطينية، فهناك تحالف بين الشركات الأمنية ودولة الاحتلال في عملية الاستهداف.
وأكدت فرنسيس أن السلوك الإسرائيلي تغير نحو المؤسسات الحقوقية عندما توجهت هذه المؤسسات لمحكمة العدل الدولية، وعندما تركز الخطاب الحقوقي الفلسطيني على مسؤوليات الشركات الأمنية وارتباطها بالاحتلال وتنامي برامج السيطرة والتجسس، وهذا يظهر لنا أسباب استهداف المؤسسات الفلسطينية.
واعتبرت مديرة «الضمير» أن الجهد الحقوقي الفلسطيني على منظومات الرقابة على جدار الفصل العنصري والضم مثلا نجح هذا العام بأن تعلن الأمم المتحدة عن قائمة سوداء للشركات العاملة في هذا المجال، مؤكدة أن هناك مسؤولية تجاه الاستثمار والأعمال التجارية تتطلب منها أن تحترم حقوق الإنسان وتلتزم بالمعايير الدولية.
وجاء في بيان المؤسسات الست أنه في سياق الأعمال التجارية، فإن الشركات والأعمال التجارية لا تعمل في عالم خالٍ من حقوق الإنسان، إذ تٌقنن مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان واجبات الدول في حماية حقوق الإنسان ومسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان في سياق أنشطتها. وبحسب المؤسسات فإنه يتعين على شركات الأعمال أن تنفذ «السياسات والعمليات الملائمة لحجمها وظروفها» بما في ذلك «العناية الواجبة بحقوق الإنسان من أجل تحديد كيفية معالجة آثارها الضارة بحقوق الإنسان، والحيلولة دون حدوثها، والتخفيف من حدتها وتوضيح كيفية معالجتها». وذلك وفقاً للمبدأ (15) من هذه المبادئ التوجيهية المذكورة.
ومن هذا المنطلق، وبالاستناد إلى ذات المبادئ الممتدة من (17-21) تقتضي عملية العناية الواجبة بحقوق الإنسان أن تقوم الشركة بإجراء تقييمات سليمة ومنتظمة لأثر حقوق الإنسان، وأن يتم الإبلاغ عنها وإدماجها في مدونة قواعد سلوك الشركة، مع الإشارة هنا إلى ضرورة زيادة توخي الحرص الواجب في المناطق المتأثرة بالصراع.
وتابعت: «استخدام البرنامج الإسرائيلي للتجسس على المؤسسات الحقوقية والباحثين يؤشر إلى اتساع استخدام هذه البرامج والتطبيقات في كل العالم، حيث تقوم الدول بتوظيف برامج الرقابة تحت غطاء الأمن ومحاربة الإرهاب وهو أمر يقود إلى تكريس سياسات القمع والترهيب، وهي سياسات تدفع بتعجيل عملية تسليط الضوء على ماذا يجب ان نفعل لمواجهة هذا الانتهاك الخطير».
وطالبت الدول التي لديها عقود مع الشركات الأمنية التحقق من ناحية عدم مخالفتها التزامات ومسؤوليات حقوق الإنسان، مع ضرورة أنجاز تحقيق عميق حول أهداف ودوافع البرامج التي تنتجها الشركات الأمنية باسم التطوير التكنولوجية وهي أمور غالبا ما تستخدم لقمع لشعوب.

استراتيجيات ثلاث

وبحسب فرنسيس فإن المؤسسات الفلسطينية جميعها في خندق واحد، «صحيح أننا اليوم أمام ست مؤسسات لكن غدا سنكون أمام مئة مؤسسة، وهو ما يستوجب العمل على المستويات كافة لوقف هذه الهجمة».
وشددت على وجوب وجود مجموعة من الاستراتيجيات، الأولى قانونية (استخدام الخطاب الحقوقي العالمي) والثانية استراتيجية عملياتية من خلال حماية الجمعيات وموظفيها شعبيا، واستراتيجية ثالثة تسعى للتحرك باتجاه الاستمرار بمقاضاة ومحاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين لتحقيق العدالة دوليا وانجاز ما يجب القيام به من أجل تجريم الاحتلال.
وأكدت أن السؤال الذي يطرح بقوة هو: لمن السيادة اليوم؟ نحن إزاء مؤسسات فلسطينية، وبالتالي لا يجب التعاطي مع القرار بأي طريقة، وعلى البنوك والمجتمع ككل الإبقاء على كل أشكال العلاقة ما بين مؤسسات المجتمع المدني والحكومة الفلسطينية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية