لندن ـ «القدس العربي»: «قد يكون الأمر مسألة ذوق لكنني أعتقد أنه أنا، أفعل كل شيء في كرة القدم، إذ ألعب بالرأس بشكل جيد، وأنفذ الركلات الثابتة بشكل جيد، وأسدد بشكل جيد بقدمي اليسرى، وأنا سريع وقوي وأقفز، الذوق شيء واحد، سواء كنت تفضل ميسي أو بيليه أو مارادونا، فأنا أسمع ذلك وأحترمه، ولكن القول أن كريستيانو ليس كاملا هو كذبة. أنا اللاعب الأكثر كمالا، لا أرى أحدا أفضل مني وأقول ذلك من كل قلبي»، بهذه الكلمات الجريئة، تعمد ملك كرة القدم وهدافها الأول في كل العصور كريستيانو رونالدو، إثارة الجدل والقيل والقال حول صاحب اللقب الشرفي «GOAT» (الأعظم في التاريخ)، في مقابلة مع صحيفة «لاسيكتا» قبل يومين من احتفاله بعيد ميلاده الـ40، حاول من خلالها التأكيد على وجهة نظره القديمة، بأنه سيبقى اللاعب الأفضل والأكثر تأثيرا في تاريخ اللعبة الأكثر شهرة عالميا، حتى بعد نجاح غريمه الأزلي ليونيل ميسي، في فك هذا الاشتباك، بفضل تتويجه مع منتخب بلاده الأرجنتيني بكأس العالم قطر 2022، وما تبعه بحصول البرغوث على جائزة «الكرة الذهبية» كأفضل لاعب في العالم من مجلة «فرانس فوتبول» للمرة الثامنة في مسيرته، بخلاف انقسام الآباء والأجداد على الأفضل بين أسطورتي القرن الماضي دييغو مارادونا وبيليه، وبعيدا عن الجدال في موضوع الأفضل في التاريخ، الذي سيبقى محل خلاف إلى يوم يبعثون، دعونا نستعرض معا في هذا التقرير أسباب صمود صاروخ ماديرا في الملاعب وحفاظه على شغفه وتعلقه بكرة القدم بعدما كسر حاجز الـ40 من عمره، وبالأحرى بعدما حقق كل شيء في اللعبة وأثبت بما لا يدع أي مجال للشك أنه واحد من العظماء، وبالنسبة لمتابعيه وعشاقه المحترف الأعظم في تاريخ كرة القدم مع اقترابه من تخطي حاجز الـ1000 هدف.
صحيح يؤخذ على الدون غطرسته الملحوظة منذ كان مراهقا في صفوف مانشستر يونايتد، كلاعب كثير الثناء والمدح في نفسه، والأسوأ الانطباع المحفور عنه في الأذهان، بالنظر إليه على أنه لاعب أناني يبحث دائما عن الجوائز الفردية المرموقة ومصالحه الشخصية على حساب مصلحة الفريق والجماعة، لكن في المقابل، سيكون من الصعب الاختلاف على عقليته شبه العسكرية، باعتباره قدوة ومثال يُحتذى به في الانضباط والاجتهاد والتفاني والمثابرة وقل ما شئت من قاموس اللغة في هذا السياق، وفي رواية أخرى هوسه ليكون أفضل دائما وأبدا، بداية من رده القاسي على مدربه الأسبق في سبورتنغ لشبونة فرناندو سانتوس، حين أخبره الأخير بأنه ضعيف للغاية في ألعاب الهواء، ليأتي في اليوم التالي إلى ملعب التدريب قبل حضور زملائه، فقط ليتدرب على ضربات الرأس، وبعد انتقاله إلى مانشستر يونايتد عام 2003، أدرك أنه لا يحتاج فقط لتحسين أسلوبه الشامل، بل أيضا الاستثمار في قوته ولياقته البدنية، ليجني ثمار عمله الشاق، بتلك النقلة النوعية السريعة في مغامرته مع الشياطين الحمر وفي مسيرته بوجه عام، باعتراف زميل الأمس في «مسرح الأحلام» ريان غيغز، الذي استمر في الملاعب حتى عامه الـ40، لكن شتان الفارق بين بنيانه الجسدي في نهاية رحلته مع كرة القدم وبين الجسد الرياضي المثالي الذي يتمتع به هداف ريال مدريد التاريخي في نفس العمر في الوقت الحالي، حيث قال النجم الويلزي السابق: «في بداية مسيرته، لم يكن من الممكن أبدا أن تتنبأ به وهو يواصل تسجيل العديد من الأهداف، لقد كان موهوبا ولاعبا رائعا يثير حماسك، لكنه كان دائما في صالة الألعاب الرياضية وكان يفكر في مدى جودته، وكان مثلي تماما، يريد أن يكون أفضل في كل مباراة، لقد اعتنى بنفسه، بتناول الطعام الصحي، والحصول على الراحة التي يحتاجها لكي يعيش من أجل اللعبة، وحقا كان أفضل محترف لعبت معه على الإطلاق».
إرادة فولاذية
لم يكن غيغز، الشاهد الوحيد على عقلية رونالدو، المختلفة عن كل من مارس أو احترف كرة القدم، أيضا كارلو أنشيلوتي، كان يضرب أخماسا بأسداس، مما يراه من التزام وانضباط من هدافه في فترة وجودهما معا في الريال (ولاية أنشيلوتي الأولى)، مثل الحفاظ على عادته المقدسة بعد العودة من أي مباراة أوروبية، قائلا: «كنا نعود أحيانا من مباراة أوروبية وقد تكون الساعة الثالثة صباحا، لكن رونالدو كان اللاعب الوحيد الذي لا يذهب مباشرة إلى المنزل، بدلا من ذلك، كان يذهب إلى ملعب التدريب لحمام الثلج، للمساعدة في تعافيه»، وهي نفس الشهادة التي أيدها الدولي المغربي السابق والمدير الرياضي الحالي لنادي مارسيليا مهدي بنعطية، معترفا بأن رفاق الدون في يوفنتوس، كانوا يتعمدون الهروب منه بعد كل مباراة، بسبب طقوسه شبه المستحيلة على الجنس البشري، بالذهاب دائما إلى مقر التدريبات في منتصف الليل، بهدف الاستشفاء بعد سهرات عطلة نهاية الأسبوع ومعارك دوري الأبطال في منتصف الأسبوع، وفي نفس السياق، رغم إخفاق يوفنتوس في تحقيق المجد الأوروبي بعد شراء عقد كريستيانو من الريال مقابل 100 مليون يورو في صيف 2018، إلا أن هذا لم يقلل من تأثير الميغا ستار، سواء داخل المستطيل الأخضر أو خارجه، مثل توقيعه على 101 هدف من مشاركته في 134 مباراة، وهو ما ألهم الجميع من حوله للسير على خطاه، بخلاف المكاسب السريعة التي حققها النادي من الارتباط بالعلامة التجارية والرياضية «سي آر 7»، مثل عشرات الملايين التي أنعشت الخزائن من المبيعات التاريخية للقميص رقم 7، وفي عالم مواز، كانت حسابات السيدة العجوز في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، تستقبل عشرات الملايين من متابعي الدون في كل أرجاء المعمورة، وبين هذا وذاك، ساهم في تحفيز الجميع في غرفة خلع الملابس للحصول على جسد رياضي ممشوق مثله، وهذا باعتراف زميله السابق في «يوفنتوس آرينا» دوغلاس كوستا، الذي قال: «منذ وصوله إلى النادي، انخفضت نسبة الدهــون في جســم كل اللاعبين، غــالبا ما ترى رونالدو عاري الصدر وجسده رائـــع، إنه يحفز الجميع ونريد جميعا أن يكون لدينا جسد مثل جسده».
واحدة من الأمور، التي تفسر أسباب صمود رونالدو واستمراره في الملاعب حتى عامه الـ40، أننا نتحدث عن واحد من أكثر المؤثرين في صناعة كرة القدم، باعتباره الأيقونة والمثل الأعلى الذي يحلم الشباب والجيل الصاعد في السير على خطاه، والحديث عن تأثيره في أسماء بحجم إيرلينغ هالاند، الذي قال في يناير/كانون 2021: « إنه مصدر إلهام كبير لنا جميعا. انظر إليه فقط: الرجل آلة»، وبالمثل كان المدمر كيليان مبابي، يزين حوائط غرفته القديمة في منزل الطفولة بصور مثله الأعلى رونالدو، وهذا ما توقعه غيغز، أن يبقى زميل الأمس في الملاعب حتى عامه الـ40، كما فعل مدرب الدون السابق في الريال جيوفاني ماوري مع باولو مالديني، وأليساندرو كوستاكورتا وزلاتان إبراهيموفيتش، الذين استمروا في الملاعب لنفس السن تقريبا، الفارق أنهم ختموا مشوارهم في أحد الدوريات الكبرى، بينما صاروخ ماديرا، ينشط في الدوري السعودي، الذي يعد أقل تنافسية من الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى في القارة العجوز، ولو أن هذا لا يقلل من المجهود الكبير الذي يبذله النجم البرتغالي، واستمراره في ممارسة هوايته المفضلة بهز شباك خصوم فريقه الحالي النصر، على عكس نيمار، الذي فشل في تسجيل ولو هدف يتيم طوال فترة وجوده في نفس الدوري، والتي استمرت لنحو 18 شهرا، وذلك بسبب استسلام الساحر البرازيلي للعنة الإصابة، مقارنة برونالدو، الذي تجنب هذا الصداع في أغلب مسيرته الأسطورية التي تلامس الآن الربع قرن (23 عاما)، وبطبيعة الحال، إذا استمر وضعه الحالي كما هو عليه، كمحارب لا يكترث أبدا لعامل السن، فبنسبة كبيرة قد نشاهده مع منتخب بلاده في كأس العالم أمريكا الشمالية 2026، مثلما يحاول نيمار في الوقت الحالي، استرجاع النسخة الهوليوودية المحفورة في الأذهان عنه، وذلك بعد رحيله عن الهلال السعودي بالتراضي، ليبدأ مغامرة جديدة مع ناديه الأسبق في مسقط رأسه، سانتوس البرازيلي، والمثير للدهشة والاستغراب، أن صاحب الـ33 عاما، يؤدي بشكل ولا أروع للمباراة الثالثة على التوالي، باستعادة واضحة لسحره في المراوغة وبعثرة المدافعين بحيله المتنوعة في المواجهات المباشرة في الثلث الأخير للملعب، وذلك بعيدا عن نتائج الفريق غير المقنعة، آخرها الهزيمة أمام كورينثيانز بنتيجة 2-1 في دربي البرازيل الكبير، وهو ما شكل صدمة لجماهير الزعيم الهلالي، بعد اكتفائه بالمشـــاركة لمدة دقائق معدودة لمدة 18 شهرا، بداعي مشاكله مع الإصابة، ثم فجأة وبدون سابق إنذار، دبت فيه الحياة مرة أخرى بمجرد أن ارتدى قميص ناديه السابق، فهل يا ترى ستكون بداية لعودة النسخة المخيفة عن نيمار قبل أقل من عام ونصف العام على المونديال؟ أم مجرد شهر عسل مع ناديه القديم الجديد؟