كيف يعبر الأدب الحدود؟

دُعيت في منتصف هذا الشهر إلى مؤتمر في كلية الآداب في جامعة القاهرة يحمل عنوان «كيف يعبر الأدب الحدود ؟» كنت المتحدث الرئيسي في المؤتمر وكانت كلمتي بعد الافتتاح. كان لقاء رائعا بعدد رائع من الأساتذة والمعيدين والطلاب والسيد رئيس الجامعة وعدد من الضيوف الأجانب يضيق المقال عن ذكر كل أسمائهم. وطلبوا مني أن يكون حديثي عن أعمالي، خاصة «ثلاثية الإسكندرية» لكنني قدمت للحديث بهذه الأفكار التي أثارها الموضوع في نفسي.
«الأدب والفكر عموما يتنقلان منذ التاريخ القديم في العالم بدون حاجة إلى جيوش. ففي حضارة قديمة مثل الفرعونية كانت هناك «رحلة سنوحي» في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، بعد أن فرَّ من مصر، هو الذي يعرف أن هذا العالم المحيط به لا يتوقف عند الحدود البرية أو البحرية، حتى عاد وحُفرت قصته على الحجر. الأمر نفسه في العصر اليوناني، فهيرودوت لم ينتظر حتى تكون هناك امبراطورية يونانية، إذ جاء إلى مصر وعاد ومثله بعض الفلاسفة، ويقال إن افلاطون كان منهم، وكل هذا قبل أن يبدأ الإسكندر الأكبر غزواته إلى آسيا وإفريقيا. فالإنسان الذي رأى فوقه سماء وحوله فضاء، فكّر علميا وأدبيا في امتلاكه فضلا عن كون المغامرة مثمرة ورائعة. تستطع أن تجمل هذا الطموح في الشوق للعلو فوق الوجود، الذي وصل إلى رحلات متخيلة إلى بلاد ومدن لا يعرفونها، ولم يصلوا إليها كما هو الحال في ملحمة جلجامش السومرية التي كان وراءها بحث جلجامش عن الخلود.
بعد ذلك تزاوجت الحضارات رغم الحروب، ولسرد ذلك نحتاج إلى وقت طويل، لكن يمكن إجمال الأمر في أن من وفدوا إلى بلاد أخرى في العصورالقديمة وحتى العصور الوسطى والحديثة، لم يتوقف أمرهم على العلماء والعسكريين، فهناك أدباء وفنانون تابعوا رحلتهم إلى الأندلس، أو وُلدوا بها وكتبوا هناك أشعارا رائعة وكتبا في الفلسفة، ولم يكن أولهم ابن زيدون في شعره، ولا ابن حزم صاحب كتاب «طوق الحمامة» وهو كتاب رائع في الحب، ولا طبعا ابن رشد في الفلسفة. وبعد انهيار الوجود العربي في الأندلس صارت هذه الأعمال وغيرها ملهمة لأوروبا، وساهمت في تشكيل أدبها. الذين وفدوا إلى مصر في العصر الحديث مع الحملة الفرنسية أو بعدها عادوا إلى بلادهم ومعهم لوحاتهم الفنية أو كتبوا كتبًا، روايات أو شعرًا، ونشروها في بلادهم والأسماء كثيرة، واستمر الأمر فوفد إلى مصر والعالم العربي على سبيل المثال، المئات من المفكرين الفرنسيين والإنكليز وعادوا إلى بلادهم بدرر أدبية مثل «ألف ليلة وليلة» التي تُرجمت وصارت جزءا من تراث العالم، ومضت الدراسات الشرقية المختلفة التي اهتمت بالأدب والشعر والتراث، والحديث طويل، بل وفد إلى مصر الآلاف من اليونانيين والأرمن والأكراد والإيطاليين والشوام وطبعا اليهود الموجودين على طول التاريخ، الذين فرّوا من المذابح الأوروبية في العصر الحديث، الذين جاءوا بشكل طبيعي في عمل أو إقامة. كل هؤلاء كتبوا بلغاتهم أعمالا لا يتسع لها الوقت ومنهم كفافيس وداريل، وعبرت أعمالهم إلى العالم، وكذلك البير قصيري الذي كتب بالفرنسية. كانت مصر أم الدنيا ليس لقدمها لكن لاتساعها للجميع.

تتسع حركة الترجمة من اللغات الأوروبية والشرقية الآن بشكل لم يحدث على طول التاريخ، فلم يتوقف الأمر عند أوروبا وأمريكا وروسيا، بل امتد ليشمل الصين واليابان والهند، وطبعا أمريكا اللاتينية وإسبانيا.

ننتقل سريعا إلى عصرنا هذا، قلّ اهتمام العالم بالأدب المصري الحديث إلا حالات نادرة، لكن ظهر في مصر مستشرقون مثل ديفيد جونسون ديفيز منذ الأربعينيات، واهتم بترجمة الأدب العربي والمصري خصوصا، ووقف الأمر تقريبا عند نجيب محفوظ حتى حصل على جائزة نوبل عام 1988 وبعدها انفتح العالم للترجمة من الأدب المصري والعربي، واحتفت به دور نشر مثل غاليمار وسوي وآكت سود في فرنسا، وطبعا الجامعة الأمريكية في القاهرة ودور نشر إنكليزية مثل البنجوين وغيرها، وهنا نتوقف قليلا لأن الأدب العربي قفز قفزة كبيرة في كل البلاد العربية، وصارت ترجمة الأعمال الأدبية أمرا طبيعيا، وإن ظلت أكثر عند بعض الأعمال الشهيرة التي حققت رواجًا وسمعة في بلادها، والأمر مستمر.
على الناحية الأخرى تتسع حركة الترجمة من اللغات الأوروبية والشرقية الآن بشكل لم يحدث على طول التاريخ، فلم يتوقف الأمر عند أوروبا وأمريكا وروسيا، بل امتد ليشمل الصين واليابان والهند، وطبعا أمريكا اللاتينية وإسبانيا. صارت ترجمة الأدب من العالم إلى اللغة العربية شيئا رائعا، وهناك دور نشر صار هذا هو عملها الأكبر في مصر وغيرها. صار العالم صغيرا، وظهرت مؤسسات تدعم الترجمة من اللغات الأجنبية واللغة العربية، وصارت جائزة مثل البوكر العربية تفتح الباب واسعا لترجمة الفائزين.
نلاحظ هنا أن هذا كله يحدث بعيدا عن الحكومات العربية، بل بعيدا عن الجامعة العربية التي كانت في بداياتها تدعم الترجمة من اللغات الأجنبية، لكن من يقوم بذلك الآن هي مؤسسات المجتمع المدني.
مهم هنا أن نعود لنشير الى وجه آخر رائع فمنذ عصرمحمد علي في مصر وعصر أسرته الذي امتد إلى عام 1952، حين كانت البعثات إلى أوروبا يعود أفرادها من الأدباء والمفكرين ليترجموا أو يكتبوا عن أعمال لا نعرفها ذلك الوقت في بلادنا، مثلما فعل طه حسين في الأدب اليوناني، وإذا مشيت مع المبعوثين في تلك الفترة لن ينتهي الحديث عما كتبوا عنه من أعمال أدبية أو عما كتبوه هم. ظهرت دراسات نقدية جديدة عند أسماء عظيمة مثل محمد مندور ومحمد غنيمي هلال عن الآداب العالمية، وظهر طموح كبير لترجمة روائع الأدب والفكر العالمي، كما نجد عند عبد الرحمن بدوي صاحب الروائع المئة، التي كان علي رأسها «دون كيخوتة». أما إذا تحدثنا عن عبور الفنون الأخرى إلينا مع البعثات أو المعايشة للجاليات، فلن ننتهي، وعلى رأس ذلك الحركة السيريالية المصرية في الفن والشعر، واتصالها بالحركة السيريالية في أوروبا. وهنا نتوقف لنقول إنه في السلام كما في الحرب انفتحت روح الإنسان على طموحه القديم لامتلاك الوجود الذي صار الآن أسهل لا يحتاج إلى غزوات.
في السنوات العشرين الأخيرة أصيبت بلاد عربية عظيمة بكوارث وراءها السياسة فهاجر عشرات الكتاب إلى أوروبا، ومن هناك كتبوا وتُرجمت بعض أعمالهم، وهذا هو الوجه الآخر للحروب. فالخراب الذي يتسع صار هناك من يتمسك بالحياة ليكتب عن هذا الخراب وتعرف أعماله خارج الحدود. ويعيدنا هذا إلى حالات الهروب الكبير لأدباء وفنانين من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية لتصبح أعمالهم في بقية أوروبا أو أمريكا علامات رائعة في الأدب العالمي.
إذن يمكن إيجاز الأمر في الآتي:
روح الإنسان التي منذ نشأ على الأرض وهي تنظر إلى السماء والفضاء وتدرك أن العالم أكبر مما حوله والمغامرة في معرفته رائعة.
الغزوات ومن جاء معها أو بعدها.
الخراب والديكتاتورية في بلاد عظيمة في التاريخ أوروبية وعربية.
البعثات الدراسية في العصورالحديثة، سواء من العالم العربي إو إليه
المجتمع المدني ودوره الكبير الآن في نقل الآداب المختلفة.
ثم نضيف التطور التقني الذي حدث في العالم فبعد أن كان متسعا يتشوق الإنسان إلى معرفته صار الآن موبايل أو تابلت أو لاب توب بعد التطورالهائل الذي حدث في الميديا ويمكن أن تمتلكه في يديك. والسؤال هل يقف الأمر عند طموح القراء أو الكتاب ليعرفوا آداب غيرهم من البلاد الأخرى؟ الإجابة أن هذا هو السبب الظاهري البسيط والإجابة الأعمق هي الرغبة القديمة للإنسان أن يمتلك العالم ويقيم لنفسه قصورا من خيال من كل الدنيا ليتحمل ما حوله من خراب.

٭ روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية