في مقال بعنوان “الصهيونية والتشويهات” (“هآرتس”، 5/7) زعم البروفيسور يهودا باور أن الطموح للتطبيق الكامل لحق عودة ملايين الفلسطينيين إلى أرض إسرائيل/ فلسطين، الذي هو حق مثلما يظهر من تأييد حركة الـ (بي.دي.اس) للتطبيق غير المتسامح لقرار الأمم المتحدة 194، أحد طلبات حركة المقاطعة – يعبر عن موقف لاسامي. صديقي د. رائق زريق الذي انتقد في رده هذا الزعم، سواء الجانب الفكري – المفاهيمي أو الجانب الأخلاقي – السياسي (“هآرتس”، 11/7) أكد بأنه يشعر بأنه ملزم بصفته فلسطينياً بالرد على مقال باور. وأنا أيضاً أجد نفسي ملزماً بالرد على ادعاء باور، لكن هذا من خلال موقف مختلف، كيهودي صهيوني في مصيره، وباحث في تاريخ الصهيونية في مهنتي.
في حين يعتبر باور تأييد العودة الجماعية للاجئين الفلسطينيين إلى داخل حدود دولة إسرائيل مظهراً للاسامية، فإن نظرة تاريخية عميقة في تاريخ الصراع الصهيوني – الفلسطيني تؤدي بصورة حتمية إلى استنتاج آخر.
حسب هذا الاستنتاج، مطالبة الفلسطينيين بحق العودة الجماعية للاجئين هي في الحقيقة تجسيد لروح الصهيونية، أو انعكاس دقيق تقريباً لروح الصهيونية المركزية التي سادت خلال فترة وجود الصهيونية كحركة قومية. العفو: مثلما أن حلم العودة غير المحدود للفلسطينيين إلى المنطقة التي تقع بين البحر والنهر يعني تحويل اليهود الإسرائيليين من أكثرية إلى أقلية، فإن الحركة الصهيونية في السابق منذ بدايتها وبمختلف تياراتها، أرادت تحويل العرب الفلسطينيين من أكثرية إلى أقلية من خلال خلق أكثرية يهودية في أرض إسرائيل عن طريق الهجرة غير المحدودة. إضافة إلى ذلك، مثلما أن التفسير النظري والعملي للتطبيق الكامل لحق عودة الفلسطينيين هو سلب حق اليهود الإسرائيليين في دولة قومية، فإن الحلم الديمغرافي الصهيوني خلال معظم فترة ما قبل قيام الدولة، مثل السياسة الفعلية الصهيونية حتى الآن، سلب بقوة حق العرب الفلسطينيين بدولة مستقلة في البلاد.
باور يشرح، سواء في المقال أو في رسالة رد لهيئة التحرير على مقال زريق (“هآرتس”، 19/7) بأن التمسك بحق العودة يعتبر لاسامية، لأن تطبيقه المفروض خلافاً لإرادة الأغلبية اليهودية في إسرائيل، هو أمر ممكن فقط بعد إبادة اليهود الإسرائيليين. ولكن الثورة الديمغرافية المفروضة في أرض إسرائيل – فلسطين حدثت مرة واحدة في الماضي غير البعيد، عندما نجح اليهود الصهاينة في حرب الاستقلال/ النكبة في تجسيد حلم الأكثرية اليهودية. صحيح أن الحديث لم يكن يدور حول إبادتهم، بل حول طردهم واجتثاثهم القسري ومنع عودة 700 ألف مواطن فلسطيني، ولكن على أي حال، هذه الخطوات كانت قائمة بشكل واضح على منطق التطهير العرقي. وإزاء ذلك، هل كان باور مستعداً لوصف الصهيونية ما قبل العام 1948 كحركة مناوئة للعرب وكحركة تهجير في جوهرها، كما يعتبر تأييد الـ (بي.دي.اس) لتجسيد حق العودة كـ “تهديد لاسامي وإبادة شعب؟”.
يمكن الافتراض أن لا. حيث يشير باور وبحق “آباء الصهيونية توقعوا مساواة كاملة في الحقوق للأقلية (الأقليات) التي تعيش في دولة اليهود، هذا بالطبع بعد أن يتم تحقيق الأكثرية اليهودية في أرض إسرائيل التاريخية. ولكن في الوقت نفسه، حلم المستقبل لحركة بي.دي.اس يتحدث عن دولة فلسطينية ديمقراطية تسود فيها المساواة، ستقام في فلسطين التاريخية بعد تحقيق حق العودة. كما أن صهاينة كثيرين قبل 1948 أيدوا التطلع العنيف في أساسه لتحقيق أكثرية يهودية من خلال تخيلهم دولة يهودية مستقبلية تسود فيها المساواة والديمقراطية في أرض إسرائيل الكاملة، وهكذا العناصر الديمقراطية في الـ (بي.دي.اس) يؤيدون المبدأ العنيف في أساسه لحق العودة الجماعية للاجئين الفلسطينيين، في الوقت الذي يحلمون فيه بدولة كل مواطنيها الفلسطينية في فلسطين الكاملة.
من المفهوم ضمناً أن مسألة الصورة المدنية لدولة إسرائيل بعد تطبيق حلم العودة الجماعية للفلسطينيين، يهم اليهود الإسرائيليين مثل الاهتمام بقشرة الثوم، فمثل أي شعب طبيعي يريد الحياة، هم يعارضون مجرد فكرة تحويل الأكثرية إلى أقلية في وطنهم. هذا بالضبط مثلما كان حال العرب الفلسطينيين قبل النكبة – ومثل أي شعب طبيعي يريد الحياة، لم تهمهم نماذج الديمقراطية متعددة القوميات التي رسمها زعماء صهاينة بارزين لدولة الأكثرية اليهودية المستقبلية، بل عارضوا النوايا العلنية للصهيونية في تحويلهم من أكثرية إلى أقلية في وطنهم.
ومثلما أن العرب الفلسطينيين في عهد الصهيونية كحركة قومية، ناضلوا بشكل مصمم ضد الثورة الديمغرافية الصهيونية، فاليهود الإسرائيليين أيضاً يتوقع أن يناضلوا بلا هوادة ضد الثورة الديمغرافية الفلسطينية التي تتجسد بمبدأ العودة غير المحدودة. بناء على ذلك، إذا كانت الحركة الوطنية الفلسطينية ستواصل التمسك بهذا المبدأ، حينها فإن الصراع الوطني الدموي بين الإسرائيليين والفلسطينيين سيستمر في حصد مزيد من الأرواح. ومن غير المستبعد أن الجهات الفلسطينية المعتدلة نفسها التي كانت مستعدة في عملية أنابوليس للتنازل عن فكرة العودة الجماعية إلى داخل حدود إسرائيل مقابل عودة محدودة لـ 120 ألف لاجئ فلسطيني خلال عشر سنوات، يعرفون ذلك جيداً.
الوقوف إلى جانب المساواة في القومية الصهيونية والقومية الفلسطينية في بعض الجوانب الرئيسية للروح الوطنية مثل مبدأ الهجرة اليهودية غير المحدودة ومبدأ العودة الجماعية الفلسطينية، أمر مهم من أجل استخراج من سلوك إحداهما علامات تحذير تجاه سلوك الأخرى. ولا يقل عن ذلك أهمية فكرة أن مجرد الاعتراف الصادق بالتشابه التاريخي بين الحركتين القوميتين المتصارعتين والمرتبطتين بحبل سري بقطعة الأرض الواحدة التي تتقاتلان عليها، يمكن أن تزيل العداء والتوتر بين الشعبين. لذلك، من شأن هذا الاعتراف أن يضعف الشعور بالعدالة الحصرية لكل واحد منهما. وبهذا نبدأ بشق الطريق من أجل المصالحة المأمولة. وكي يحدث ذلك، أحد الشروط المطلوبة من الطرف الإسرائيلي هو التوقف عن رؤية حق العودة كتعبير عن اللاسامية.
بقلم: دمتري شومسكي
هآرتس 30/7/2019