كيف يمكن للسودان الاستفادة من الاهتمام العالمي بقضية دارفور؟
د. عبدالوهاب الافندي كيف يمكن للسودان الاستفادة من الاهتمام العالمي بقضية دارفور؟ هناك حقائق أولية لا بد من إثباتها بين يدي حديثي هذا عن الورطة والفرصة في أزمة دارفور. وأولي هذه الحقائق هي أن الأزمة الإنسانية والأمنية في دارفور حقيقة ماثلة. وثانيها هو أن الحكومة السودانية لا تملك لا الإمكانيات المادية ولا القدرة السياسية علي علاجها بمفردها. وثالث هذه الحقائق هو أن العالم كله في حالة استعداد حالياً لتقديم الدعم للحكومة ولأهل دارفور لمعالجة هذه الأزمة، مما أدي إلي خلق فرصة تاريخية لا بد من استثمارها لصالح السودان ككل ولصالح أهل دارفور خصوصاً.عدم قدرة الحكومة علي معالجة أزمة دارفور يعود أساساً لافتقارها للإمكانيات اللوجستية للسيطرة علي هذا الإقليم الشاسع الذي يفتقر إلي مقومات البنية التحتية. وهذا هو تحديداً السبب الذي أدي إلي الأزمة الحالية، التي نتجت عن عجز الحكومة عن التصدي لحركة تمرد محدودة واضطرارها للاستنجاد بالميليشيات القبلية التي عاثت في الأرض فساداً. وقصة العجز الرسمي عن معالجة أزمات دارفور قديمة، تضيع فيها الحدود الفاصلة بين عدم الكفاءة وسوء النية. ونكتفي للتدليل علي ذلك بمحطات قليلة، بدءاً بمجاعة عام 1973 ـ 1974 التي تعود إليها جذور معظم المشاكل الحالية. وكانت تلك المجاعة قد ضربت أيضاً منطقة السهل الإفريقي (التي شاع تسميتها بمنطقة الساحل) في غرب إفريقيا، وأيضاً منطقة القرن الإفريقي. وفي حين تحركت دول السهل لإنشاء آليات للتصدي للأزمة بالتعاون مع المجتمع الدولي، فإن إساءة الحكومة الإثيوبية لمعالجة تلك الأزمة كانت السبب الأهم في تفجر الثورة التي أطاحت بحكم الامبراطور هيلاسيلاسي. أما حكومة النميري فقد نجت من نفس المصير رغم أنها تجاهلت المشكلة، بل واجتهدت في التغطية عليها، حتي أنها قامت بحظر مجلة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم لأن المجلة نشرت تقريراً عن المجاعة أعده وفد الاتحاد الذي قاده السكرتير الثقافي وقتها حسن مكي.تكرار الرئيس النميري لسوء معالجته للمجاعة التالية في عامي 1984 ـ 1985 ألحقه بهيلاسيلاسي، رغم استجابته المتأخرة للضغوط الدولية والسماح بالإغاثة. في عام 1991 كنت شخصياً طرفاً في حوار داخلي في الحكومة السودانية حول خطر المجاعة في دارفور وأنحاء أخري من البلاد، حين رفضت الحكومة مرة أخري إعلان المجاعة وفتح الباب لمنظمات الإغاثة العالمية لدخول البلاد. وكانت حجة من رفضوا ذلك هو التخوف من الأجندة الخفية لمنظمات الإغاثة. وقد كان يقود هذا الخط، كما هو متوقع، قادة الأجهزة الأمنية الذين كانوا يعتقدون وما زالوا أن في السودان أسراراً تحتاج لمن يجتهد في كشفها. وكان هناك أيضاً الخط الأيديولوجي الذي يقوده الشيخ حسن الترابي ويرفض فكرة المعونات من منطلق الإباء وسياسة الاعتماد علي الذات التي يري أن المعونات تقوضها. وبحسب علمي فقد كنت الوحيد وقتها الذي جادل بأن من غير المنطقي أن نرفض المعونات الدولية في وقت كان السودان يتعرض فيه للحصار وقطع المعونات التنموية. وقلت حينها إنه لو لم تكن هناك مجاعة لوجب أن نخترعها حتي يفتح ذلك الباب لتدفق المعونات علي فقراء السودان الذي هم في أمس الحاجة إلي هذه المعونات. وأضفت أن منظمات الإغاثة والمنظمات الإنسانية تمثل الضمير الإنساني في الغرب، وهي حليف طبيعي لدول العالم الثالث ضد الامبريالية الغربية. وقد انتهي الأمر بقبول المعونات ولكن بعد أن تعرض الكثيرون للابتلاء والتهجير، والموت أحياناً. وأذكر وقتها أن الحكومة واجهت إشكالاً في ترحيل المعونات إلي دارفور بسبب انعدام الأمن في الطرق، حتي أن سائقي الشاحنات كانوا يرفضون نقل البضائع إلي دارفور مهما كان الثمن، فساهم انعدام الأمن إلي الأزمات الاقتصادية ليضاعف محنة أهل دارفور.تلك الأزمة تفاقمت حينها ولم يكن في دارفور تمرد أو صراع قبلي محتدم كالذي نراه اليوم. ومن نافلة القول ان العجز الذي منع الحكومات المتعاقبة من بسط سلطانها علي الإقليم في وقت السلم يتضاعف في زمن الحرب. وأذكر أنني في زيارتي اليتيمة لمدينة الفاشر في صحبة رئيس الوزراء وقتها السيد الصادق المهدي في عام 1988 سمعت من نائب قائد المنطقة العسكرية الذي اصطحبني في جولة في المدينة أن الشرطة المسؤولة عن حماية الحدود وقتها كانت تملك سيارة واحدة كانت معطلة وقتها، بينما كان المهـربون وقطاع الطرق يمتلكون أحدث السيارات رباعية الدفع، إضافة إلي أشد الأسلحة الأوتوماتيكية فتكاً. وكنتيجة لذلك فإن التصدي لمنتهكي القانون كان أشبه بإلقاء النفس في التهلكة. ولا شك أن تجهيزات القوات الأمنية قد تحسنت كثيراً في السنوات الماضية، ولكن التحديات قد تضاعفت أيضاً.الجديد أيضاً هو أن المجمتع الدولي أصبح طرفاً في الوضع القائم في دارفور سواءً أحضر في الإقليم عسكرياً أم لم يحضر. فكما هو الحال في الجنوب، فإن الاهتمام الدولي لن يسمح بأن ترتب الأمور في دارفور بحسب توازن القوي الداخلي فقط، بل سيتدخل لصالح هذا الطرف أو ذاك. وهذا يمثل في ذاته انعكاساً لاختلال داخلي في التوازن، إذ أن الحكومة حين عجزت عن الحسم العسكري في الجنوب، طفقت تستعين بالوسطاء والمراقبين. وقد تجسد هذا العجز المركب في الاتفاقيات نفسها التي لا تقوي الحكومة المركزية، بل تكبلها بقيود متراكبة، تبدأ من سلطات واسعة للأقاليم تكاد تبلغ حد الكونفدرالية في الجنوب، وتمر بحق النقض والفيتو للشركاء، ثم بالرقابة الأممية ذات الصلاحيات الواسعة، ولا تقف عند حد المفوضيات التي تكاثرت تكاثر الفطر، وسلبت الحكومة كثيراً من صلاحياتها. كل هذا يعود إلي عدم ثقة الشركاء في الحكومة، وفقدان الحكومة للسند السياسي والشعبي الذي كان يسمح لها بالدفاع عن شرعيتها وسلطانها.التدخل الدولي في دارفور يمكن في حده الأدني أن يبلغ ما بلغه في الجنوب من دمج بين الاستقلال الذاتي للإقليم والرقابة الدولية المكثفة وحق النقض للشركاء، وقد يصل في حده الأقصي إلي الوجود العسكري المباشر الذي يهمش الدولة تماماً ويعيد صياغة السلطة في الإقليم علي أسس جديدة. ولكن هناك أيضاً فرصة تاريخية للوصول إلي حل ثالث، وهو استخدام الدعم الدولي المعروض لتقوية الدولة وتعزيز سلطانها في الإقليم وتعزيز التوافق بين أهله. ولعل الاستهداء هنا بالحالة اللبنانية التي جاءت إليها القوات الأممية بتفويض محدد لدعم السلطة الشرعية حتي تبسط نفوذها علي كل الأراضي اللبنانية بواسطة الجيش الوطني تكون مفيدة في هذا الخصوص.للاستفادة القصوي من زخم الاهتمام الدولي بدارفور لا بد من طرح مشروع متكامل يبدأ بإدخال كل القوي السياسية في دارفور في إطار اتفاق سياسي شامل، ووضع خطة لإعادة تشكيل قوات الجيش والشرطة في الإقليم بما يطمئن الجميع إلي حياديتها في الصراعات القائمة والتزامها القانون. ثم بعد ذلك يمكن أن تطلب الحكومة الدعم الدولي بما يتناسب مع هذه الأهداف وبما يدعم سلطان الدولة واحترام القانون والشرعية والسيادة. ويشبه الوضع في هذه الحال الوضع في الجنوب حيث جاء المدد الدولي لدعم الاتفاق وتعزيز المؤسسات الشرعية التي تم إنشاؤها بموجب الاتفاق وليس لمنازعة هذه المؤسسات سلطانها أو الحلول محلها. وبنفس القدر فإنه قد يكون من الحكمة بالنسبة للحكومة السودانية أن تستفيد من الظروف الدولية المؤاتية للحصول علي دعم دولي لفرض الأمن والطمأنينة وإطلاق التنمية في إقليم ظل يفتقد كل ذلك لأكثر من أربعة عقود، بدلاً من أن تدخل في معارك مع الداخل والخارج من أجل الدفاع عن سيادة لا تملكها وسلطة هي إلي الوهم أقرب. إننا ندرك أن القضية هي غاية في التعقيد، خاصة لأن تركيبة سلطة الإنقاذ تعاني من خلل أساسي ظلت تعالجه بالهروب إلي الأمام عبر عقد صفقات مع الداخل والخارج علي حساب السيادة والمبادئ بحيث تراكمت عليها الاستحقاقات واجبة السداد، وضاق أمامها مجال التحرك. كما أن التعبئة التي لجأت إليها الحكومة قد تصبح عقبة مزدوجة في طريق الحل، لأنها تجعل من الصعب علي الحكومة القبول بحلول وسط، دون أن تكون مفيدة لها في معركتها القادمة التي لن تكون علي الأرض في دارفور، وإنما في أروقة الدبلوماسية العالمية. فمن المستبعد أن ترسل الأمم المتحدة قوات إلي السودان دون إذن الحكومة، ولكنها ستراكم عليها الضغوط السياسية والاقتصادية وتشجع الانقسامات في داخلها. هذه الضغوط شجعت وقد تشجع فصائل التمرد علي عدم التعاون، كما أن ورطة الحكومة قد تجرئ المعارضة في الداخل علي استغلال الفرصة لاستلهام سيناريو لبناني آخر، هو سيناريو 14 آذار (مارس) الذي قلب الأوضاع هناك عبر تحرك الشارع. ولكن رغم ذلك فإن الطريق الأقصر هو أن تترك الحكومة افتعال الصراعات مع الأمم المتحدة وأن تتجه نحو التعاون علي شروطها هي. وهذا يتطلب كثيراً من الحنكة والدبلوماسية الخلاقة التي لم تكن نقطة القوة لدي الحكومة في السابق، ولكن هذا لا يمنع أن تكون هناك مرة أولي. كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن9