كيلا تمرّ على الشعر ولا تعرف ماذا قرأت

حجم الخط
3

سرّ قراءة الشعر أن تشعر بأنكّ تمكّنت من أن تلتقط المعنى العابر السريع. أن تشعر بأنكّ أصبته، كمثل ما تصيبُ طلقةٌ. كمثل ما يحدث ثقب في الرأس، أو أن تشعر بأنك تغوص، أو تهوي، فجأة، بين كلمتين، مدركا أنك ستعود وترتفع مغطتبا بما عدت به من هناك، من الأسفل. ذلك معنى أُنقذ، إذ ليس قليلا ذلك الاحتمال بأن تُكمل القراءة تاركا الشعر مختبئا في موضعه، من دون أن ينفتح لك. لذلك، وأنت تتنقّل بين تلك المقطّعات الصغيرة، التي قد لا يتعدى بعضها الجملة الواحدة، ينبغي أن تحذر من أن تمرّ على الشعر تاركا إياه حيث هو، إقرأ مرّة ثانية ما كنت قد أنهيت قراءته لتوّك. فما ظننت، في تلك المرة الأولى، أنه يشبه شيئا سبق لك أن قرأته، وعرفته، ليس هو كذلك.
عليك أن تتوقف قليلا إذن، وتعود إلى قراءة ذلك المقطع الصغير لتعرف أن هناك شيئا في تلك الكلمات الأربع أو الخمس: «صوتكَ/ الممتلئ بقبلة/ لم نتبادلها». يكفي أن تتساءل عن هذه القبلة، هل حدثت؟ هل ما زالت تحدث طالما أن ذلك الصوت، صوتَه الممتلئ بقبلة، لن يكف عن الترجُّع؟ ثم ما هي القبلة إن لم يسبقها ذلك التوق الذي ينتظرها ويؤلّفها؟ والقبلة تبقى، تاركة وقعها في مكانه، وهي توجع أيضا: «أجمل من القبلة/ مكانها قبل أن تزول/ مكانها الذي يوجعك/ بعد أن تزول».
هي كلمات قليلة توصل فكرة أو نبضة، في أحيان لا ينغلق ذلك عند ما يسمّى «الخبر»، كما في قاعدة النحو العربي، لكي يكون هناك معنى. في مقطّعات «الهايكو» الياباني يفتح الخبر أفقا بدل أن يختتم المعنى. وإذا ما أردنا العودة إلى الخبر النحوي، نقول إن ما نقرأه في مقطعات «غابة اليدين» هو «خبر شعري» يفتح، هو أيضا، ولا يغلق.
كلمات قليلة إذن يتشكل منها ما لا يكفي وصفُه بأنه فكرة شعرية. كلمات تخرج كما يخرج النَفَس، وكما تنبض النبضة. لسنا هنا في قصيدة يحرص كاتبها على أن يبقي أجزاءها مترابطة، أو يجهد في ألا تشذّ عن إيقاعها، أو أن تظل ملتمّة على بنيتها، إلخ… لسنا في عمل شعري مؤلَّف جامعا أجزاءه بعضها إلى بعض. نحن هنا في الخاطرة العابرة، في الدهشة التي تسعى إلى أن توقفنا عندها، وليس أن نستأنف، من بعدها، ما سيرد في القصيدة وما يؤلّف مبنى جماليا، ثم، هل إننا نقرأ القصائد عادة كما نقرأ قصة أو مقالة، محتفظين بالانفعال نفسه، في ما نحن نستمر في القراءة؟ أم أننا نبحث في جسم القصيدة عن مواضع الشعر متفرّقة فيه، مبثوثة هنا وهناك كمثل جزر صغيرة تفرّقت في غير نظام.

المقطّعات الصغيرة في «غابة اليدين» أجرت بنفسها ذلك الانتقاء، مستبعدة ما ليس شعريا في القصيدة.

المقطّعات الصغيرة في «غابة اليدين» أجرت بنفسها ذلك الانتقاء، مستبعدة ما ليس شعريا في القصيدة. «أملك الحديقة/ والأجمل أنني أملك/ نافذة تطلّ عليها». هما حديقتان إذن تمتلكهما الشاعرة، ربما هما الحديقة ومنظر الحديقة. أو هما الحديقة من بُعد والحديقة من قرب، أو الحديقة في ذاتها والحديقة التي انضمت لها النافذة لتكونا معا شيئا واحدا. في خاطرة أخرى تقول: «إلى أسمائك الأخرى تذهب/ وأنا/ إلى قصيدتي أجيء». هو يتعدّد متوزّعا في الخارج فلا يعود واحدا، أما هي فتنكفئ ملتمّة على ذاتها، على نواتها الصغيرة. هنا الداخل والخارج مندمجان مع التشتت والانكباب ومتساوقان معهما. وأنا أعرف أن ما وصفت به ذلك المقطع الصغير ليس هو كلّ محمولِه، هناك أشياء باقية، كثيرة أو قليلة، تظلّ عاصية على أن تُقال.
في تعريف لما هو الحبّ نقرأ أن الحب هو: «أن تفكّك الصخرة المكابرة/ من دون أن تُريق دمها». ذاك هو الحب المعجز، الفعل المستحيل، أن تكون فيه الحطّاب والحطبة، المقتصَّ والمشفقَ، أن تسعى في زعزعة كيان وتحرص في الوقت ذاته على تفادي إيذائه. ليليان يمين تضع قدما قوية في عالم الفراشات والغيم والورد والعصافير والظلال. أنظروا إلى هذه القسوة والإيثار الذي يكاد يقترب من فعل القتل: «أصدق ما في الحاقد غيرته/ ذلك الكائن التائه الروح/ يصيّرك أجمل».
٭ مجموعة ليليان يمين تحمل عنوان «غابة اليدين»، وهي صدرت عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» في 204 صفحات- 2019.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية