كي لا نعيش خريفا دائما

حجم الخط
1

هناك في الخريف ثمة أسرار، وفيه آيات النهاية والبداية، وعلامات الكنوز المدفونة في باطن الأرض والمطمورة في أعماق المحيطات. أن نلحق بركب الخريف المنطلق إلى وجهته، فتلك نعمة. وأن تصطادنا أفخاخه، وتعلق أقدامنا في براثنه، فتلك النقمة التي نعمل على تفاديها ليل نهار.
مع نهاية أيلول- سبتمبر ، تبدأ الأرض حكاية أخرى، وتباشر الاستعداد لاستقبال ضيفها الجديد. فتنزع الأشجار عنها أوراقها، وتنطوي الأغصان على نفسها، وتتوارى الشمس خجولة وراء الغيوم المتقطعة، وتكمل أسراب النمل تجهيزاتها لموسم شتوي قد اقترب، وتتململ بعض الحيوانات لدنو سبات طويل هي مقبلة عليه. تصطبغ الدنيا باللون الأصفر، وتأخذه من أوراق شجيرات موزعة فوق أراضي البسيطة. يخيَل للناظر أن النهاية قد حلت، والساعة قد أزفت، والستائر سيتم إسدالها قريباً إعلاناً لانتهاء المسرحية بأكملها. فالممثلون بدأوا بحزم الحقائب، والهدوء يغازل الزوايا، والصمت المهيب يحيطها كإحاطة السوار بالمعصم. فالخريف يلامس معاني النهاية بطريقة او بأخرى، وله وسيلته في نبش الذكريات، وإزاحة اللثام عن قصص ومغامرات، ويراوح ذاك الآدمي مكانه، وقد يبقى مناظراً متأملاً في كل التفاصيل المختفية في روح النص.
مع كل ورقة تهبط من غصنها، هناك امتحان لصمود الشجرة، ومحادثة صامتة معها. حروف هذه المحادثة لا يفقهها إلا الطبيعة وأصدقاؤها وحلفاؤها ورهط من أعدائها. فالحال هو الوداع، وحلقات النهاية تضيق وتحكم سيطرتها على أنفاس من بداخلها. واقع مؤلم، ويتبعه أعاصير ورياح لا تبقي ولا تذر، وليال حالكات طويلة في ساعاتها، وسكينة في الأنحاء، وبعض رتابة في مجريات الأحداث. لكن الشجرة لا تستسلم ولا ترضى، وتجابه الصعاب بكل جد. هي تعلم في قرارة نفسها أن الخريف سيتبعه شتاء وبرد قارس، لكن الأمل هو ما تعتنقه، وما يحملها على المسير رغم العقبات. تكمل الرحلة، واليقين سمتها، والإيمان بقدرتها علامتها، والتصميم عنوانها. تبقى تحدث نفسها، وتشد من أزرها ببضع كلمات، وتداوي جروحها بذاتها، وتنتظر في أحيان كثيرة أشعة شمس، ولحظات سلام.
أرأيت إن واجهتك بعض مطبات، وشيء من عقبات، أتستسلم؟ أرأيت إن كنت شجرة، هل ستتكسر في وجه الريح؟! أرأيت إن عشت خريفاً بأكمله، هل ستتوه في سراديبه؟! كلما شارف أيلول على الانتهاء، هذه الأسئلة تحوم فوق كل رأس آدمي، وتهب كالريح المرسلة وتصطدم بخلايا رأسه وجسده، وتمشي في دمه، وتجول في شرايينه وأوردته حتى تدخل قلباً أتعبته مراحل عدة من دنيا يعيشها. والإجابات تختلف وتتعدد، منها ما هو سار ومنها ما هو صاعق، والفائز من أدرك نفسه، وفطن السر المحكي وراء هذا االكوم من الأسئلة. فالعلة تكمن في ارتضائنا لموسم الخريف، وفي قناعاتنا الدفينة التي قد لا نكون على علم بها أن الزمان متوقف هنيهات. الواقع أن عقارب الساعة ما عرفت وقوفاً ولا جموداً، والأرض ما فتئت الدوران حول الشمس، والحركة مستمرة شئنا أم أبينا. فأسراب الطيور ما زالت تهاجر وتتنقل بين الأراضي الشاسعة، وأوراق الشجر تموت، وسينمو غيرها من جديد، والأزهار ستفوح رائحتها وتملأ الآفاق، وسيأتي يوم يحل فيها محل العواصف الهادرة نسائم الربيع العليلة، وسيتفيأ الرفاق تحت ظل شجرة كانت بالأمس تعاني الأقسى والأمر. هذا هو الترياق، وهذا هو الكنز، والفصول الأربعة تتبادل مواقعها فيما بينها في مسرحية مفادها أن الكون سيعمر، وكل ثانية تحمل في ثناياها عوالم جديدة، وظروفاُ متغيرة. لكن ذاك الآدمي ما زال يعتقد أن هذا الخريف هو الأخير. فقليلاً من رأفة بأنفسنا، وكثيراً من حب لهذا الكون، وذلك من أجل غاية واحدة فقط، ألا وهي كي لا نعيش خريفاً دائماً.

حسام خطاب – الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية