كي لا ننسى!

حجم الخط
0

أهازيج من الأغنيات والأفراح تهز المكان، كوكبة رائعة من مناضلاتنا الفلسطينيات يتنسمن الحياة وفرح اللحظة، دموع الأمهات والأطفال، الصغار الذين كبروا والرضع الذين يتحسسون وجه أم غاب عنهم لسنوات طويلة. وتغرق الأغنيات في لحظات اللقاء تغيب وجوه السجانين وصليل السلاسل وعتمة الليل وانتظار ساعات العد.

ملامح الرحلة تقترب اكر فأكثر صورة الأب الذي غاب وإلام التي غادرت في رحلة الرحيل، الآن نستعيد بعضا مما كان ولكن ليس كل ما كان، الآن نصحو على زقزقة العصافير وأشعة الشمس التي غابت في عتمة الزنازين ونجدول لروتين جديد من إفطار في الصباح وكأس شاي أو قهوة مع من نحب، فلذات أكبادنا وأمهاتنا، وشوق لحبيب يوثقه رباط مقدس.

الآن تكتمل لحظة الحقيقة، أخوات يفارقن أخوات، دموع حزن على فراق رفيقات ومناضلات كن الجسد الحامي في داخل زنازين الأسر ومناضلات غادرن الوطن في رحلة لا يعرفن متى تنتهي والشوق يحطم متاريس المسافات.

هل تسللت إلينا تفاصيل التجربة وآلامها، رغم أننا عايشناها بكلمات وخطب رنانة ورسائل تضامنية ومواقف داعمة، ولكن هل تسللنا إلى كل لحظة من لحظات الأسر عاشتها أسيراتنا الفلسطينيات وهن يتألمن وتقيد أيديهن بالسلاسل لحظة الولادة ويتعرضن لانتهاكات صعبة بالتفتيش المذل والاعتداءات من السجانين، هل عشنا معهم وهن يعلن الإضراب عن الطعام ويعانين من الإمراض والحرمان من الرعاية الصحية وحاجتهم لحضن أم يقويهم ويشد من عزيمتهم، هل عشنا معهم تجربة إنجابهم وتنشئتهم لأطفال داخل الأسر ومفارقات هذه التجربة التي تجعل من الصغير أسيرا وفي الوقت ذاته مؤنسا لوحشة الأسيرات الفلسطينيات.

إن أسيراتنا البواسل كن ولا زلن شواهد على طغيان المحتل، ولدت خصوصية تجاربهن من الألم والمعاناة وسوط الجلادين مدار سنوات طويلة، هل شعرنا ببؤس المعاملة التي تنتهك فيها كل نواميس الكون حين تجبر أسيراتنا الفلسطينيات على خلع ملابسهن والمعاملة المذلة أثناء ذهابهن للمحكمة والضرب والشبح والضغط النفسي، والظروف المعيشية الصعبة وخصوصا في أشهر البرد واكتظاظ الغرف بإعداد كبيرة وارتفاع الرطوبة والحرارة والأطفال الصغار الذين يولدون في الأسر وصرخة مكتومة لام مقيدة بسرير الولادة.

هل وصلت إلينا تجارب نساء مناضلات حملن لواء المقاومة داخل سجون الأسر وتحدين كافة الإجراءات التعسفية لإدارات السجون وسجلن ملحمة أخرى من ملاحم البطولة. التجربة قاسية والمطلوب أن نوثق للأجيال القادمة هذه التجارب كي لا ننسى ولنعلم كم هي قسوة المحتل وكم هي قوة الإرادة والصلابة التي تسلحت بها أسيراتنا الفلسطينيات في أقبية التحقيق وفي زنازين العزل والحرمان من ابسط الحقوق التي نصت عليه المواثيق الدولية كي لا ننسى أن كل قصة بطولة لأسيرة فلسطينية هي ملحمة إنسانية يجب أن نفخر بها كجزء هام من تاريخ مشرف لشعب عظيم تقدمت فيه النساء الفلسطينيات الصفوف في معركة التحرير والاستقلال.

ناريمان عواد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية