كي لا يصب غضب صور الكاريكاتور في المصلحة الصهيونية!

حجم الخط
0

كي لا يصب غضب صور الكاريكاتور في المصلحة الصهيونية!

د. أسعد عبد الرحمنكي لا يصب غضب صور الكاريكاتور في المصلحة الصهيونية! سادت العالمين العربي والإسلامي موجة عارمة من الغضب نتيجة نشر إحدي الصحف الدنمركية صورا كاريكاتورية مسيئة إلي النبي (صلعم) وسط جدل لا يكاد ينتهي بين الادعاء بأن ذلك إنما تم في إطار حرية التعبير المقدسة في أوروبا، والقول بأن التعرض للرسول الكريم بمثل تلك الرسوم يعتبر إهانة لأكثر من مليار مسلم. وفي هذا السياق، كنا نتمني لو أن الاحتجاجات علي هذه الرسوم المسيئة بقيت سلمية حضارية واقتصرت علي المسيرات الشعبية والمقاطعة الاقتصادية التي تؤلم الغرب أكثر من أي شيء آخر. ذلك ان الأعمال العنيفة التي طبعت بعض الاحتجاجات هي بدون شك أعمال مؤسفة رغم ان حالة الغضب والاحتقان التي تسود العالمين العــربي والإسلامي شديدة ومتراكمة منذ أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2000 وما أعقبها من تداعيات. وما كاد غضب الجماهير العربية والمسلمة يهدأ نسبيا حتي فوجئنا بإعادة نشرها في عدة صحف غربية، وحتي عربية، بما ينبئ بأن المسألة ليست هفوة إعلامية قام بها صحافي مغمور أعقبها باعتذار عابر، وإنما قد تكون حملة هادفة بأكثر من معني و/أو مدبرة، الأمر الذي سيؤدي إلي تصاعد حدة الغضب الجماهيري المسلم واتساع نطاقه مع تداعيات قد تحمل معها نتائج وخيمة سواء علي الصعيد المباشر أو الاستراتيجــــي. وهذه هي المحاذير التي يجدر بالعقلاء من الجانبين التنبه لخطورتها والعمل عاجلا علي تطويقها قبل أن تستفحل. إن الإساءة للرسول العربي في الدنمارك والنرويج تأتي ضمن سلسلة مواقف عدائية قديمة/جديدة تجاه المسلمين! وهنا نستذكر أن من أوائل حلقات هذه السلسلة تقديم الدعم الإعلامي والحماية لأشخاص تعمدوا الإساءة لمشاعر ملايين المسلمين مثل سلمان رشدي، ثم استفحلت الظاهرة بعد أحداث ايلول (سبتمبر) بالولايات المتحدة، مع إذكاء مشاعر العداء ضد المسلمين هناك والنيل من حرياتهم وقضاياهم في غير مكان وما صاحب ذلك من اعتداءات متكررة علي المصحف الشريف وتدنيسه. كل هذه الأحداث المتراكمة تذكي حالة الغضب لدي المسلمين. وفي هذا الإطار، فإن موقف قادة الحكومات الأوروبية المحايد بذريعة حرية التعبير يُكذبه واقع أن القانون الجنائي في دول أوروبا قاطبة يطال كل من ينتقد السياسة الإسرائيلية، مثلما أن اتهامات معاداة السامية جاهزة لوصف كل من يتجرأ علي التشكيك بالمحرقة أو التقليل من ضحاياها. فكلنا نعرف ماذا حصل مع الفيلسوف الفرنسي المسلم روجيه غارودي حيث قامت السلطات في فرنسا (مهد الحرية والمساواة والأخوة) بمصادرة جميع نسخ كتابه المعروف الخرافات المؤسسة لدولة إسرائيل ومنعت نشره وتوزيعه، ولم تكتف بذلك، بل غرمته وحاصرته. بالإضافة إلي ذلك، قامت الحكومة النمساوية قبل نيّف وعشرين عاما بسجن الكاتب المعروف ديفيد إيرفنغ بتهمة إنكار المحرقة… وغير ذلك كثير!إن كل متابع يعرف حالة الهرولة التي أصابت الدول الأوروبية للالتفاف علي محاكمة مجرم الحرب أرييل شارون، والمس عندهم، ولو بشكل عرضي، بالشخصيات الإسرائيلية أو بكل ما يمس إسرائيل يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، ولكن التعرض للرسول (صلعم) بطريقة مهينة ووصمه بالإرهاب لا يعتبران جريمة وإنما حرية تعبير!!!! إن إصرار بعض الإعلام الغربي علي الصدام مع الدين الإسلامي يؤشر إلي نوايا خبيثة لا علاقة لها بحرية الرأي التي يستخدمها البعض للتغطية علي تعمد الإساءة والسعي إلي تعميمها. كذلك، فإن امتداد الهجمة لتشمل صحفا غربية عديدة تمثل قمة التحدي والاستفزاز، مما يوحي بأن هناك من يعمل لاطلاق شرارة صراع الأديان والحضارات التي بشر بها دهاقنة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ومفكروهم قبل سنوات من خلال صموئيل هنتنجتون وصحبه. وفي هذا النطاق، فإن ما يجري يخشي أن يخرج عن نطاق السيطرة. وقد أسهم موقف الفاتيكان الحصيف والواضح بالحد من حدة الاحتقانات. فقد أعلن الفاتيكان ان الحق في حرية التعبير لا يشمل الحق في إهانة المعتقدات الدينية ودعا إلي توفير جو من الاحترام المتبادل للتعايش بين البشر وتشجيع السلام. وقال الكاردينال الإيطالي أكيلي سيلفسترين الذي كان رئيس جمعية الكنائس الشرقية في الفاتيكان أن حرية التهكم التي تمس مشاعر الآخرين تتحول إلي إهانة وأن الذي قام برسم الكاريكاتورات المسيئة هو رجل ليس عنده أي إحساس بالمقدسات وقد مس الوتر العميق والحساس جدا لدي مئات الملايين من المسلمين في العالم . والغريب أن الولايات المتحدة التي كانت رائدة بإثارة مشاعر العرب والمسلمين، قد سارعت (بسبب تدين نصف مجتمعها) إلي إدانة هذه الرسومات واعتبرتها مسيئة إلي مشاعر مئات الملايين من المسلمين.ورغم اعتراف وزارة الخارجية الأمريكية والعديد من المؤسسات الدينية والمسيحية بالإساءة التي لحقت بالمسلمين جراء الرسوم الكاريكاتورية، واصلت بعض الدول الأوروبية استخفافها بمشاعر المسلمين ورفضت الاعتذار عن إعادة نشر بعض صحفها لهذه الرسوم بحجة حرية التعبير، حيث تصدرت المستشارة الألماينة أنجيلا ميركل تلك الحملة!! ومن جهتنا نقول: إن الغضب العارم الذي يسود مدننا وعواصمنا (وعموم العالم الإسلامي) لا يجب أن يقتصر علي إدانة هذه الممارسات المسيئة بل يجب أن يصب أيضا في اتجاهات أخري سلمية أهمها عدم الانسياق وراء دعاة صراع الأديان أو صراع الحضارات ، دون إغفال المطالبة برفع سقف الحريات في الدول العربية والمسلمة كي لا تقوم أنظمتها بتفريغ شحنات الغضب هذه في اتجاهات أخري تصب في النهاية لمصلحتها، ولعل أخطر ما يستهدف القضايا العربية (ومن ضمنها قضية فلسطين) جرف أوروبا بخاصة، والغرب بعامة، بعيدا عن هذه القضايا، بل والارتماء أكثر في الحضن الصهيوني الإسرائيلي و/أو في الحضن الأمريكي الصهيوني المتمسيح (ولا نقول المسيحي!) بدعوي التأسيس لهوة لا تجسير لها بين العالمين المسيحي … والإسلامي وتكريس مقولة ان الشرق شرق … والغرب غرب … ولن يلتقيا رغم القواسم الحضارية والأخلاقية التي تجمع المسيحية مع الإسلام، ناهيكم عن المصالح المشتركة التي تربط أوروبا بالعالم العربي.كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية