قرار إسرائيل الخروج إلى حرب ضد حماس عقب مذبحة 7 أكتوبر ترافق بانتقاد من جانب خصوم وأعداء، بل وبتشكيك بمعارضة من جانب أصدقائنا الأمريكيين. وقد بعث هؤلاء إلى إسرائيل بخبراء عسكريين “أشاروا” لها ألا تخرج إلى حرب كونها بتقديرهم لن تفلح في إلحاق الهزيمة بحماس. ستتورطون في قتال بلا جدوى، هكذا حذروا، وستغرقون في الوحل الغزي، مثلما غرقتم في الوحل اللبناني قبل أربعة عقود، ومثلما غرقت أمريكا نفسها في الوحل في العراق وفي أفغانستان وقبل ذلك في فيتنام.
لم تأخذ إسرائيل بهذه المشورات، وخيراً فعلت. الحرب ضد حماس جلبت إنجازات ذات مغزى: الجيش الإسرائيلي يسيطر اليوم عملياً على معظم أراضي القطاع ولم يحصل فيه شيء – لا حركة مدنيين، ولا نقل عتاد وغذاء، وبالطبع لا أعمال ترميم وإعمار – دون إذن إسرائيل. الحقيقة أن مخربين قلائل وحتى خلايا إرهاب لا تزال تعمل في الميدان مثلما تعمل في الضفة، لكن حماس، كجيش منظم مع قيادات ومعسكرات ومخازن سلاح وكإطار سلطوي يدير الحياة في القطاع، هزمت وانهارت.
غير أن كل حرب تستهدف الحسم العسكري والانتصار السياسي، وهذا يتأخر بسبب تردد حكومة إسرائيل في اتخاذ قرارات حول مستقبل القطاع في اليوم التالي: هل تقيم فيه حكماً عسكرياً أم تنقله إلى السلطة الفلسطينية، أم تنسحب منه وتترك فيه فوضى تحت رعايتها وتعود حماس لتحكم القطاع مرة أخرى؟
هذا الواقع واقع إنجازات عسكرية يصعب على إسرائيل أن تترجمها إلى حسم سياسي، بسبب ادعاء أننا انتقلنا إلى مرحلة المراوحة على الطريق إلى الوحل الغزي بعد مرحلة القتال.
غير أن غزة ليست لبنان ولا حتى فيتنام؛ لأن الحديث عن حرب اللا مفر، ولا لأن الحديث يدور عن تهديد يقع على حدودنا، وليست مثل فيتنام البعيدة آلاف الأميال عن الولايات المتحدة. غزة حالة خاصة لأن القطاع لا يمنح عمقاً للإرهاب، بخلاف لبنان مثلاً الذي يمكن لحزب الله فيه أن يقاتلنا في ظل الاعتماد على عمق جغرافي في بلاد الأرز نفسها، وأيضاً في أراضي سوريا والعراق وحتى إيران. غزة تشبه منطقة الضفة التي لا عمق جغرافياً للإرهاب فيها لتفرض علينا تحدياً أمنياً، أو تهديداً استراتيجياً كما عشية 7 أكتوبر.
كل هذا لا يقنع الأمريكيين. هم الآن يعارضون عملية في رفح، ويعلقون جهدهم على خطة سلام أخرى لهم، هذه المرة في صيغة وقف نار وإنهاء الحرب في غزة، لإقامة دولة فلسطينية وإحلال السلام على الأرض في الشرق الأوسط.
الشيطان يكمن في التفاصيل. كيف يمكن إحلال السلام أو إنهاء النزاع بينما حماس تحكم في رفح، وحين يتوقف القتال ستحاول العودة للسيطرة على القطاع كله؟ وماذا عن حزب الله وإيران؟ البعيدة يبدو كل شيء وردياً ومتفائلاً من واشنطن.
غير أنه لا حاجة للمرء لأن يكون خبيراً عظيماً كي يعرف أن لا شيء سيخرج من كل الخطط الأمريكية، ونهايتها أنها ستلقى في سلة مهملات التاريخ، مثل خطط سابقة لتسوية النزاع سعت واشنطن لدفعها قدماً. هكذا كانت “خطة ألفا” في الخمسينيات وكان أساسها نزع النقب من إسرائيل وإسكان اللاجئين فيه مقابل السلام، عبر مبادرة روجرز (1969)، وخطط جيمي كارتر في السبعينيات، ومشروع ريغان في الثمانينيات، وانتهاء برؤيا الرئيس أوباما وخطة دونالد ترامب في العقد الأخير.
للأمريكيين نوايا طيبة، لكنها ساذجة وذات ميل لرؤية الأمور عبر نظارات وردية تجعلهم يؤمنون بأن نزاعاً دموياً دينياً – قومياً يمتد إلى أكثر من مئة سنة يمكن حله بتلويحة يد وبنية طيبة.
لكن هذا لا يعني أن إسرائيل تستطيع مواصلة جر الأرجل والتصرف وكأنها تملك زمن العالم. فالامتناع عن اتخاذ القرارات في المستقبل قد يفلت من أيدينا ثمار إنجازات الجيش في ميدان المعركة.
أيال زيسر
إسرائيل اليوم 25/3/2024