القاهرة ـ «القدس العربي»: من تجليات «طوفان الأقصى» التي لا تنتهي أنها أسقطت عن العرب فرية علقت بهم مفادها، أنهم «ظاهرة صوتية» ففي لحظة نادرة من تاريخ مقاومة الشعوب لنيل حريتها يضرب الشعب الفلسطيني أروع الأمثلة في معركة البقاء، فيما يتعرض لأبشع المذابح وحروب الإبادة التي لم تفلح في إجباره على الرحيل من أرض أجداده، بينما تجبر مجرد «صفارة» قرابة ستمئة ألف إسرائيلي على الهروب، مخلفين وراءهم خرافات إسرائيل الكبرى، وتحقق النبوءات التي لا مكان لها سوى في مخيلة سفاكي الدماء في واشنطن وتل أبيب. كلما مرت ساعة من زمن الحرب تتكشف الحقيقة التي تقض مضاجع نتنياهو وبايدن وذيولهما في المنطقة، من خدم المشروع التوراتي، أولئك الذين يصر القدر على فضحهم تباعا، فها هو دينيس روس أكثر الدبلوماسيين الأمريكيين معرفة بحكومات الشرق الأوسط، يعترف أخيرا: «إسرائيل ليست وحدها في الاعتقاد بضرورة هزيمة حماس. في الأسبوعين الأخيرين، تحدثت إلى مسؤولين عرب في أنحاء المنطقة أعرفهم منذ فترة طويلة، كلهم دون استثناء قالوا لي إن من المهم تدمير حماس في غزة، وأكدوا أنه إذا خرجت حماس بصورة منتصرة فإن ذلك سيكرس أيديولوجية الرفض التي تدعو لها، وسيدعم إيران والمتعاونين معها ويضع حكومات المنطقة في موقف الدفاع.
وبالقرب من الأحداث أصدر الأزهر الشريف بيانا بشأن الأحداث التي يعيشها أهل غزة في الفترة الأخيرة، وقال الأزهر في بيانه: «تحية طيبة من عند الله مباركة للمقاومة الفلسطينية، وأهل غزة الأبرياء رمز العزة والصمود، وأطفالها ونسائها الصابرات، تحية طيبة لكم وأنتم تواجهون بأجسادكم الناحلة وصدوركم العارية هذه النيران، يرسلها عليكم جيش إرهابي انتزع الله الرحمة من قلبه، وتجرد من كل معاني الأخلاق والإنسانية، واستباح شتى الجرائم الوحشية؛ من قصف للمستشفيات، وتدمير المساجد والكنائس، وقتل الأطفال والنساء ومراسلي الصحف والمواطنين الأبرياء، الذين لا حول لهم ولا قوة». وأضاف: «تحية لكم أيها الأبطال وأنتم تواجهون بإيمانكم البوارج وحاملات الطائرات وقاذفات الصواريخ وتتصدون لها من منصة الإيمان بالله غير خائفين ولا متذللين». وتابع البيان: «أيها الأبطال: استمدوا قوتكم من قرآنكم الكريم، واستعينوا بقول الله تعالى: «ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين». وأكد الأزهر أنه يسجل بكل اعتزاز وتقدير بالغ الموقف الرجولي الشجاع والشهم الذي وقفه أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، وهو يدعو، غير خائف ولا مجامل، إلى ضرورة وقف العدوان على الضعفاء والمستضعفين في غزة، تحية لك أيها الرجل الشجاع وأنت تصدح بكلمة الحق والعدل. ويشجِّع الأزهر موقف كل أحرار العالم الذين لم يلتزموا الصمت، وخرجوا لإدانة هذه المجازر الوحشية التي تُرتكب في غزة، وطالبوا بوقف العدوان الصهيوني ووضعِ حَدٍّ لقتل الأطفال والأبرياء..». ومن نشاط العاصمة: على هامش إسبوع القاهرة السادس للمياه، التقى الدكتور هانى سويلم وزير الموارد المائية والري، آلان ميسونييه مدير معهد البحر الأبيض المتوسط للمياه. وأشار الدكتور سويلم، إلى دور معهد البحر الأبيض المتوسط للمياه في مجال تعزيز التعاون المائي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، مع الحرص على مواصلة التنسيق والتعاون بين الوزارة والمعهد في مجال المياه، خاصة مع تشابه رؤى وسياسات الوزارة مع سياسة المعهد في ما يخص التوسع في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، والتوجه لتحلية المياه للإنتاج الكثيف للغذاء.
إدراك الحقيقة
أخيرا أدرك الشعب الفلسطيني أن الدول العربية قد تخلت عن دعم قضيته، وأن على كل فلسطيني أن يتحمل مسؤوليته في الدفاع عن قضيته وتحرير أرضه مهما يكن الثمن.. أضاف فاروق جويدة في «الأهرام»: أمام حالة الانقسام بين الدول العربية وأمام العواصف التي تعرضت لها دول عربية مثل العراق وليبيا وسوريا والسودان واليمن، وجد الشعب الفلسطيني قضيته ضمن واقع جديد يواجه مخاطر الاحتلال والتقسيم، وعودة أشباح الماضي في صور جديدة.. كانت معركة غزة والرئيس الأمريكي يرسل قواته وحاملات طائراته استكمالا لاحتلال العراق وسوريا وليبيا، وكان الدعم الغربي لإسرائيل عودة للاستعمار القديم.. لا شك في أن صمود غزة أعطى درسا قاسيا لإسرائيل وأمريكا، وأن الشعب الفلسطيني، أكد للعالم أنه قادر على أن يجعل من موقف رجاله حديثا للعالم كله.. لقد حاول الرئيس بايدن أن يدخل التاريخ ويبدو أنه دخله من أبوابه الخلفية ومعه نتنياهو لأن مذبحة غزة ستكون آخر صفحة سوداء في تاريخهما. الشيء الغريب هو محاولات الفصل بين حماس وغزة، رغم اننا امام شعب واحد وأرض واحدة ودم واحد، وأن شهداء حماس هم أبطال الشعب الفلسطيني، وأن أطفال الشعب الفلسطيني هم أبناء حماس.. تقسيم الشعب الفلسطيني جزء من مؤامرة تستهدف هذه الأمة.. إن ما حدث في غزة عودة للوجه القبيح للغرب، ويجب أن نستوعب الدرس قبل فوات الأوان.. أن يحشّد بايدن بوارجه وتأتي جيوش إنكلترا وفرنسا تعبث في مياهنا فهذه مؤامرة جديدة.. كانت بطولة غزة عودة القضية لأصحابها، وهم أحق وأجدر بالدفاع والموت في سبيلها، وشكرا لمن لم يشارك أو حتى يشجب.. إن إبادة الشعب الفلسطيني في غزة جريمة لن تسقط بالتقادم وسوف تبقى وصمة عار في عصر استباح كل القيم الإنسانية.
لا يصدق
لم يتخيل رفعت رشاد في «الأهرام» أنه سيعيش يوما في القرن الواحد والعشرين والغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية الذي يدعي التحضر والتمدن يعطي الضوء الأخضر لإسرائيل بإبادة الشعب الفلسطيني، التي تتجلى مظاهرها في المجزرة التي تقوم بها إسرائيل صنيعة هذا الغرب ضد المدنيين العزل، تقتل الأطفال والنساء وتهدم المستشفيات ودور العبادة وتزيل من على وجه الأرض بأسلحة أمريكية محرمة دوليا أحياء بأكملها دون أن ينتفض هذا الغرب المتحضر ويطلب وقف هذه المجزرة، بل ويتسابق معظم زعمائه للحضور إلى إسرائيل دولة الاحتلال الوحيدة في العالم الآن، ليعلنوا مساندتهم لها والوقوف إلى جانبها ضد هذا الشعب الأعزل المسجون في قطاع غزة من جانب إسرائيل بعد أن حولته إلى سجن كبير وحرمته من كل مظاهر الحياة، ونسوا أن هذه الدولة هي التي تحتل أرض هذا الشعب. ولأول مرة في تاريخ إسرائيل منذ إنشائها يهرع في الوصول إليها في وقت واحد كلُ من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جو بايدن ووزير دفاعها ورئيس هيئة الأركان ووزير الخارجية بعد أن سبقتهم حاملات الطائرات الأمريكية والبريطانية والبوارج الحربية وطائرات أمريكية محملة بالعتاد العسكري لإسرائيل وكأنهم في حرب عالمية، ولم تهتز شعرة واحدة لدى الرئيس الأمريكي بعدما تم قصف مستشفى المعمدان في قطاع غزة وقتل كل من فيه من المرضى والمصابين والأطفال قبل أن يصل إلى المنطقة بساعات.
إلى زوال
المهم لدى الرئيس الأمريكي كما أخبرنا رفعت رشاد هو التأكيد لإسرائيل على حقها في الدفاع عن نفسها بأن تقتل كل المدنيين الفلسطينيين، لأنهم ليسوا في حسابات الغرب مع أنهم يدركون أن الضغط يولد بشكل طبيعي الانفجار، وهو ما تمارسه إسرائيل مع الشعب الفلسطيني الذي تحتل أرضه وتذيق كل فرد فيه شتى أنواع العذاب – وإذا انتفض وقتل بعض المدنيين عندهم ردا على ما يحدث لهم من العدو المحتل ـ يهرع الغرب ويتهم من قام من الفلسطينيين بذلك بأنهم إرهابيون، ونسوا جميعا عشرات الآلاف من القتلى الفلسطينيين طوال السنوات الماضية، وتستبيح إسرائيل ويؤيدها الغرب بعدها في قتل أكثر من 8 آلاف مدني فلسطيني في غزة وحدها خلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقط نصفهم من الأطفال ومعهم ما يقرب من 20 ألف جريح حتى الآن. وكأن هؤلاء المدنيين الفلسطينيين لا قيمة لهم مقابل مدنيي إسرائيل، ويزيد الرئيس الأمريكي زعيم الدولة التي تؤمن بالحرية والتقدم وحقوق الإنسان من قوة مساندته لإسرائيل لتفعل في المنطقة ما تشاء ومع العرب ما تشاء وتقتل من الفلسطينيين ما تشاء وتسلب أرضهم وعرضهم كما شاءوا ليقول إن «إسرائيل لو لم تكن موجودة في هذه المنطقة لاخترعنا فيها إسرائيل ووقفنا على جانبها». ولننتظر ما ستأتي به الأيام المقبلة، والذي قد يكون الأسوأ وبعد تجاوزه لا بد أن نفيق جميعا كعرب مما نحن فيه، وأن نعيد حساباتنا في كل شيء وفي مستقبلنا في هذه المنطقة وإلا سنكون إلى زوال.
حرب كبرى تقترب
شبح حرب إقليمية محتملة تقترب، تعد الولايات المتحدة المسؤولة عنها من وجهة نظر عبد الله السناوي في «الشروق»: هكذا يطرح السؤال، بشأن مصير القضية الفلسطينية والمنطقة والنظام الدولي، أول مفارقة في المأزق، الذي يحكم حلقاته على الأدوار الأمريكية، أن إداراتها المتعاقبة دأبت في العقود الأخيرة على التأكيد على أنها بصدد الانسحاب من الشرق الأوسط بكل أزماته المزمنة والمستجدة لصالح التوجه إلى الشرق الآسيوي، حيث الصراع على النفوذ والمصالح والمستقبل محتدما مع الصين. رغم ذلك الرهان الاستراتيجي تكاد أن تستغرق الآن في حرب غزة، حيث الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يحتدم بالسلاح مجددا. ثاني مفارقة، أن إدارة جو بايدن لم يعهد عنها، عكس الإدارات السابقة، أي اهتمام بملف الصراع يتجاوز سطحه إلى عمقه. ولا حرصت على أن يكون لديها مشروع، أيا كان نوعه ومدى خطورته، لتسوية القضية الفلسطينية، كما طمح رؤساء أمريكيون عديدون. ولا عملت على تصفيتها على النحو، الذي حاولته إدارة سلفه وغريمه دونالد ترامب بما أطلق عليها «صفقة القرن». مع ذلك فإنها تنخرط سياسيا وعسكريا في حرب غزة بأكثر مما أقدمت عليه أي إدارة أمريكية في الحروب العربية الإسرائيلية السابقة. ثالث مفارقة، التراجع الفادح في مستوى كفاءة الإدارة السياسية الأمريكية لأزمات الشرق الأوسط. الارتباك باد في خطابها والشكوك تضرب صلاتها مع حلفائها التقليديين. الأسوأ أنها لا تعرف المدى الذي يمكن أن تذهب إليه بالتورط المباشر في حرب إقليمية تقول إنها لا تريدها. لم يكن الانحياز المطلق لإسرائيل جديدا على الولايات المتحدة منذ صعودها إلى قيادة النظام الدولي إثر الحرب العالمية الثانية، لكنه بدا هذه المرة على درجة كفاءة منخفضة في إدارة الصراع، الذي يوشك أن ينجرف إلى حرب إقليمية مدمرة تضر بالمصالح الأمريكية قبل غيرها.
ستتسع بالتأكيد
لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وفق ما يرى عبدالله السناوي تغيب عن الإدارة الأمريكية أي تصورات لما قد يحدث في اليوم التالي. «إن أي استراتيجية عسكرية تتجاهل الخسائر البشرية في غزة قد تأتي بنتائج عكسية». الأسوأ بالنسبة لإدارة «بايدن» أن الصف الأوروبي الموحد خلفها بدأ يتشقق. بتعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي لم يخف انحيازا مماثلا، فإنه «سوف يكون خطأ أن تنفذ إسرائيل تدخلا بريا واسع النطاق». رابع مفارقة، أن الدعم العسكري والاستخباراتي وإمدادات السلاح وإرسال حاملتي طائرات وبوارج حربية إلى شرق المتوسط، والشراكة في التخطيط والإعداد، وصل إلى حدود غير مسبوقة. مع ذلك تخشى الإدارة الأمريكية عواقب الحرب ولا تطمئن إلى جاهزية الجيش الإسرائيلي لخوض حرب برية طويلة مكلفة في شوارع وأزقة وأنفاق غزة. وفرت حماية كاملة لجرائم حرب بشعة بحق المدنيين الفلسطينيين.. وادعت في الوقت نفسه حرصها على إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة. كان ذلك محض ادعاء لتجنب الانتقادات المتصاعدة في العالم تحت وطأة المشاهد المروعة في غزة، حيث استشهد حتى هذه اللحظة أكثر من (8) آلاف فلسطيني أغلبهم من الأطفال والنساء، وأصيب أكثر من (20) ألفا آخرين. إنها حرب إبادة تتحمل الولايات المتحدة مسؤوليتها السياسية والأخلاقية. مانعت الولايات المتحدة في استصدار قرار دولي من مجلس الأمن يقضى بوقف إطلاق النار بذريعة أنه يصب لصالح «حماس» فيما تبنت المجموعة العربية توجها مختلفا يقترب من الموقفين الروسي والصيني. فى الجمعية العامة تلقت هزيمة سياسية باستصدار قرار دولي غير ملزم بهدنة إنسانية بأغلبية (120) دولة. يستلفت الانتباه هنا أن روسيا لقيت هزيمة مماثلة في الجمعية العامة عندما عجز مجلس الأمن عن استصدار قرار دولي بإدانة تدخلها في أوكرانيا. نحن الآن أمام هزيمة عكسية، وهذه أوضاع تؤشر إلى تغييرات مقبلة بحسابات المصالح المتنازعة في الشرق الأوسط، وفي بنية النظام الدولي. سابع مفارقة، أن الخيارات الأمريكية، التي تفتقر إلى أي تبصر بالنتائج والتداعيات، أفضت إلى ردات فعل عكسية بين الحلفاء الإقليميين المفترضين، كمصر والأردن وتركيا أخيرا. وهذه مسألة أقرب إلى النزيف الداخلي في أوزان دولة كانت عظمى.
غزة تفضحنا
الأيام تتشابك وتتحد مع الليالي، والموت في غزة لا يتوقف ووجوه الأطفال كم تخبرنا خولة مطر في «الشروق» تذرف الدم كثيرا، والوجع المتنقل بين ساق بترت وعين خلعت ويد قذفت بعيدا فراح يبحث عنها المسعفون بين الأنقاض، وصور لحياة كانت هنا مليئة بالفرح والحب والكثير من الدفء. الأيام طويلة جدا بالنسبة لنا والليل أكثر طولا والشمس تأتي مثقلة فخلفها تطفو مشاهد الموت المتنقل بين شارع وحارة ومستشفى ومدرسة وكنيسة وتجمع سكني.. إذا كانت أيامنا تبدو أكثر طولا من الأربع والعشرين ساعة، فماذا عنهم وهم يعرفون أنهم في مرمى صاروخ أو قنبلة أو قذيفة، بل كل أدوات الموت «الحديثة جدا؟».. ماذا عنهم؟ ماذا يقول الأب لابنه والأم لولدها الصغير وهو يسأل «ماما ما كل هذا الضجيج؟ أنا خائف» ويلتصق بصدرها ليحتمي به من هول المقبل؟ هذه المشاهد التي لم نعتدها، رغم أننا متسمرون نتابعها بكثير من الخوف عليهم، على أهلنا وأحبتنا في غزة، تتسابق الأسئلة التي لا أجوبة لها فكلنا يسأل «ما العمل؟» أو ماذا نستطيع أن نفعل أو كيف نوقف هذه الإبادة؛ هي ليست حربا ولا معركة ولا فريقين متنازعين على قطعة أرض أو سلطة، بل هي إبادة مع سبق الإصرار والترصد ضد شعب لم تستطع كل آلات الموت والخوف أن تبعده عن أرضه.. يعود السؤال «ماذا نستطيع أن نفعل؟ كيف نساعد أهل غزة؟ كيف نوقف الموت؟» على أيدي دعاة الحضارة وحقوق الإنسان والمدنية! ونحن ندرك أو أيقنا أنهم لا يقتلون أهلنا في غزة، بل هم يريدون الموت لنا جميعا من النيل إلى الفرات ومن النهر إلى البحر ومن مراكش للبحرين، فماذا علينا أن نفعل؟ الإجابة هي الأصعب بعضنا تظاهر واعتصم وهذا مهم جدا ليقول للقائمين على الأمر هنا قبل البعيدين في واشنطن وباريس وبرلين وطبعا في ما يسمى تل أبيب، أننا لسنا مع التطبيع ولسنا مع فتح العلاقات مع النازيين الجدد ولسنا مستعدين أن نقبل بأن نصبح مادة للتدريس في كتب التاريخ، أو ربما مادة في الأنثروبولوجى حيث تتربع كثير من الشعوب الأصلية الآن رغم وجودها بيننا، بعد أن أبيدت على يد المستعمرين القدامى والجدد.
أمة صوتية
ترى خولة مطر أن أهم أداة لمقاومة الصهاينة هي دحض روايتهم، بل أكاذيبهم فلا تصدقوهم أبدا أبدا. وثانيها أن لا نعيد نشر ما لا نعرف مدى مصداقيته من صور وروايات، فالأفضل أن لا ننشره، بل أن نمحيه من هواتفنا وأجهزتنا المتطورة! وثالثها أن لا نستمع كثيرا للمثقفين والليبراليين الذين يتبجحون بأنهم أكثر عقلانية وفهما ومعرفة من أي بشر آخرين، فهم من أكثر الفيروسات خطورة بيننا فاحترسوا منهم وابتعدوا عنهم ولا تتركوا لهم الفرصة لينشروا الخوف من الهزيمة، ويرددوا روايات الدجال أفيخاي أدرعي وغيره، حتى أن لم يكونوا مدركين لذلك. لا تنسوا أن كل ما يدفعه أهلنا في غزة فقط ليعيدوا لنا كرامتنا وعزتنا. ألم يقل منذ سنين أننا أمة صوتية؟ ها هم المقاومون البواسل في غزة يعملون بصمت شديد حتى كثر من يريد أن يروج نظريات المؤامرة المتراكمة في أدراج الأجهزة والمخابرات.. ألم يكثروا من أننا «ناقصو عقل وفكر» ها هم رجال غزة ونساؤها يكسرون كل قببهم الحديدية ويفاجئونهم، رغم كل ما يملكون من عدة هم وأصدقاؤهم وكثيرون ممن هم محسوبون علينا! ما يمكن أن نفعل الآن ربما هو أن نعض على الجرح طويلا، فيما أهل غزة هم الجرح الغائر في ضمائرنا.. وأن نرفع من راياتهم ومعنوياتهم وأن نقول لهم إننا معكم بعضنا بالكتابة وآخرون بنشر الرواية وكثيرون بالمقاومة عبر المسيرات والعرائض، ولا ننسى أن بعد غزة سيكون علينا الكثير من العمل وهو في مجمله ربما تخليصنا، أن نتطهر من كثير من رواياتهم وشوائبهم ومن يسكنون بيننا ويأكلون معنا ويشربون وهم في حقيقة الأمر أكثر عداء لنا لا كأفراد، بل كشعوب من ذاك الصهيوني الغاصب.. غزة وأهلها سيعلموننا كثيرا من الدروس علنا نتطهر.. أطفال غزة يواجهون الصاروخ المقبل ببراءتهم وابتسامتهم فلماذا يبقى الخوف سيد أي موقف لنا؟ سنغتسل من الخوف والخنوع والسكون والاكتفاء بلقمة العيش المغمسة بكثير من الذل والمهانة.
هروبا من البكائيات والمراثي
يرشدنا مصطفى عبيد في «الوفد» عما ينبغي علينا فعله بعيدا عن البكائيات والمراثي، وهروبا من الولولة الدائمة، ولعن ضمير العالم الغائب الناعس على الوحشية والهمجية الصهيونية، يجب التفكير في إجراءات عملية لمواجهة ما يحدث في فلسطين من قتل وتشريد وتهجير. لا أتحدث عن حرب، فذلك هو الطرح السهل للمتثاقفين العرب الذين يجلسون في مقاعد الفرجة، يدخنون، ويثرثرون، ويوزعون الخيانات، ويشككون في النوايا، ثم ينؤون بأنفسهم عن غبار أي معركة. ببراغماتية أفكر في الإجراءات العملية الممكنة، سياسية ودبلوماسية، وإعلاما وحشدا وضغطا، وتفاوضا تحت هدف وحيد هو وقف العدوان على الفلسطينيين، ووضع حد لعمليات الإبادة المتعمدة. نحن في حاجة أولية لتوثيق المذابح ونشرها بلغات غير العربية لنؤثر في شعوب العالم، فمشكلتنا منذ عقود أننا نخاطب أنفسنا فقط، ونتحدث إلى بعضنا بعضا، ولا نلتفت لهذا العالم الفسيح المتنوع المتمدد الذي لا يعرفنا. قولوا لي كم فيلما عالميا تم إنجازه عن المأساة الفلسطينية؟ وكم مفكرا عالميا (بخلاف الاستثنائي إدوارد سعيد) طرح القضية على حقيقتها أمام العالم الغربي؟ كم رواية لروائي عربي له ترجمات باللغات الأخرى قدمت القضية أو خلفياتها على وجه الحقيقة؟ لقد كتبت إسرائيل حكايتها الكاذبة وروجتها بأفلام عظيمة، وإبداعات ساحرة، بينما اكتفينا نحن بالفرجة وتأنيب العالم الغربي على موقفه، رغم أننا لم نقدم له روايتنا عن المأساة. ما يمنعنا من أن نفعل كما فعلت إسرائيل في الهولوكست، بعمل قوائم لمجرمي الحرب، وعقد محاكمات صورية لهم في المؤسسات الشعبية مثل النقابات والاتحادات، واعتبار جرائمهم لا تسقط بالتقادم، وملاحقتهم والتشهير بهم في كل مكان يذهبون إليه؟ لو كنت صاحب قرار في أي دولة عربية لسافرت إلى كل عاصمة غربية بدءا من واشنطن، إلى لندن، وباريس، وموسكو داعيا وضاغطا ومفاوضا من أجل السلام.
إن ربط مصالح العالم العربي بالعالم من خلال الموقف من السلام في الشرق الأوسط هو ربط منطقي ولازم، من وجهة نظر مصطفى عبيد خاصة لو تجاوز الخطاب حدود النخب الغربية واتسع ليشمل المجتمعات. لو كان لدى سلطة لانفتحت على يهود العالم في كل مكان عدا إسرائيل، داعيا إياهم للتبرؤ من تكرار الهولوكست النازي على أيدي الصهاينة ضد الفلسطينيين، ولأثبت لهم عمليا أن ممارسات إسرائيل تسيء إلى الدين اليهودي السماوي، بما فيه من قيم عظيمة. لو كنت ثريا عربيا لمولت حملات إعلانية في «واشنطن بوست» و»التايمز» و»لوموند» وكبرى صحف العالم، وفي مواقع التواصل الاجتماعى، لمخاطبة منظمات السلام ومؤسساته ومجتمعاته لبذل كل جهد من أجل وقف المذابح ضد الأبرياء. فليس صحيحا أن الغرب كله شر، وأن حكوماتهم وشعوبهم سواء في التوجهات والسياسات، إيمانا بأن الرهان على المجتمعات المدنية في الغرب كثيرا ما يؤتى ثماره. يجب أن نراهن أيضا على المؤمنين بالسلام في إسرائيل، ونستهدفهم بخطابنا القائم على أن الأمن لن يتحقق أبدا لأجيالهم القادمة إلا بإعادة الحق إلى أصحابه، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وأن هذا لن يكلفهم شيئا، وسبق أن قارب التحقق بالفعل في مفاوضات كامب ديفيد الثانية، لولا استفزازت من بعض أطراف التفاوض الإسرائيلي. وأتصور أننا في لهاث دائم من أجل تقديم مساعدات غير مسبوقة لفلسطين وشعبها وأهلها، تتجاوز فكرة دعم الفصائل والحركات إلى تنفيذ المشروعات التنموية مباشرة، والإنفاق على الصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية في مناطق الحكم الذاتي، تحت لواء سلطة شرعية واحدة تمثل الشعب الفلسطيني، وتمثل مصالحه الحقيقية. والآن وغدا ودوما.. يجب أن ننصر كل مظلوم، وندعم كل مكروب، وندعو لكل مقهور، ونوظف كل قوانا من أجل الحق.
المصلحة تحكم
لم تكشف حرب غزة فقط عن المعايير المزدوجة في تعامل القوى الكبرى مع إسرائيل وفلسطين، وعن التمييز بين المدنيين في الدولة العبرية ونظرائهم في فلسطين، إنما أيضا وفق ما أشار إليه عمرو الشوبكي في «المصري اليوم» عن تمييز آخر بين جماعات التشدد، من القاعدة، مرورا بطالبان، وحتى حركة حماس، وفق حسابات مصلحية لا علاقة لها بالمواقف المبدئية التي يتم على أساسها تقييم هذه الجماعات. والحقيقة أن الولايات المتحدة وضعت «أسوة غير حسنة» في التمييز بين حركة طالبان وحركة حماس، في مفارقة صارخة، فالأولى، التي شاركت «القاعدة» في اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية، لم تصنفها جماعة إرهابية، حتى بعد أن حاربت أمريكا على مدار 20 عاما، وقتلت مئات الجنود الأمريكيين، أما حماس، التي لم تحارب الولايات المتحدة، ولم تقتل جنودها، لكنها واجهت حليفتها «المقدسة» إسرائيل، فاتخذت أمريكا موقفا منها أشد عدائية من موقفها من حركة طالبان، وصنفتها جماعة إرهابية. واللافت أن أمريكا قد أقرّت، بعد 20 عاما من احتلالها أفغانستان، بأنها لا يمكن أن تستمر، رغم كل المحاولات التحديثية، التي حاولت فرضها على المجتمع الأفغاني، وإنفاقها حوالي تريليون دولار، وفق تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن، من أجل إعادة تأسيس جيش أفغاني جديد وأجهزة أمنية ومؤسسات إدارية «شكلها حداثي» كما استوردت نخبا أفغانية متعلمة تعليما غربيا متميزا، وحاولت زرعها في البيئة الأفغانية، وفرضها على قيادة البلاد، وفشلت، وتقبلت النهاية المحتومة لأي سلطة احتلال، وهو الانكسار والهزيمة.
قوة شر
فعلت واشنطن دوما عكس مبادئ الخير والعدل مع سلطة احتلال غاشم كإسرائيل، حيث تنفق الملايين على تطوير سلاحها لقتل وقمع الفلسطينيين، وضاعفت – منذ اتفاق أوسلو للسلام – أعداد المستوطنات في الضفة الغربية ومعها أعداد المعتقلين، واستهدفت المدنيين، ونغّصت عليهم معاشهم اليومى. تابع عمرو الشوبكي كلامه: في الحالة الأولى لم تصنف أمريكا طالبان، التي حاربتها وقتلت المئات من جنودها كحركة إرهابية، أما في الحالة الثانية فصنفت أمريكا حماس، قبل عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، كحركة إرهابية، وتجاهلت مسؤولية سلطة الاحتلال عما يجري في الأراضي المحتلة، إلا بعض التصريحات الطيبة، التي ترى أهمية السلام وحل الدولتين، وتركت إسرائيل على الأرض تنسف كل مقومات السلام. لقد كالت الولايات المتحدة بمكيالين تجاه حركتين متشددتين وفق أهواء السياسة وحساباتها، ولم تطالب طالبان مثلا بتعديل توجهاتها العقائدية، خاصة موقفها من المرأة، قبل تسليم الحركة حكم البلاد، إنما تركت لها البلد تحكمه بما هي عليه من أفكار، لأنهم اقتنعوا أن مآل أي سلطة احتلال هو الانسحاب وترْك أهل البلد يحكمون بلادهم بأنفسهم، مهما كان الرأى فيهم. يقينا لا يمكن أن تستمر سياسة الكيل بمكيالين إلى ما لا نهاية له، ولا يمكن أن نصنف تنظيمات وجماعات تحمل السلاح في وجه محتل بأنها إرهابية، ويجب أن تكون المعايير التي جعلت أمريكا لا تعتبر طالبان إرهابية هي نفسها التي تحكم التعامل مع حماس.
لم يخش أمريكا
نتحول نحو الجدل الذي أثير بسبب الشهادة التي أدلى بها صاحب المنصب الأممي وتابعها الدكتور وحيد عبد المجيد في «الأهرام»: مصدومُ، يا للهول، من تحريف بعض تصريحاته. السكرتير العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أفزعه غضبُ إسرائيل، لأنه قال كلمة حقٍ بعد ما يقربُ من ثلاثة أسابيع من بدء المجازر. كل ما قاله، وأثار غضب المُعتدين، هو كلامُ في القانون الدولي، الذي يُلزمه منصبُه الذي يتقاضى عنه راتبا ضخما، بأن يُطالب باحترامه. قال إن ما حدث في 7 أكتوبر/تشرين الأول لم يأت من فراغ، وإن الشعب الفلسطيني خضع على مدى 56 عاما لاحتلال خانق، وذكَّر بما يُفترضُ أنه بديهى قائلا: يجب ألا يكون أحد فوق القانون. ما الخطيئة التي ارتكبها إذن ليهرع طالبا رضا الغاضين، فيبدو كما لو أنه يعتذر ضمنا عن كلمة حق، ويُذكُر بأنه بدأ بحديث عن أن لا شيء يبررُ هجماتٍ مُروَّعة قامت بها حماس. لم يهرع غوتيريش لإدانة قتل 35 موظفا في الأمم المتحدة على الأقل خلال الغارات الإسرائيلية. دعك من آلاف الأطفال الذين استُشهدوا في هذه الغارات، وغيرهم من النساء والرجال، في مجازر يأنفُ من مثلها وحوشُ الغابة الأكثر رحمة. لم يشجعه أن الغاضبين لم يجدوا دولة واحدة تؤيدهم في الهجمة التي شنوها عليه، أو في مطالبتهم باستقالته. لا يكفي هذا كله. المهم هو رضا الصهاينة الذين منع الأمريكيون أي قرار أُممي يوقف مجازرهم، وكرَّسوا خروج مجلس الأمن من الخدمة بعد ما ثبت مُجدَّدا أنه لم يعد موجودا في الواقع. ولم يكف هؤلاء، بدورهم، أن مجمل مواقف من ينبغي عليه أن يعبر عن الضمير الدولي تعني ضمنا أن مئتين ونيف من المحتجزين بكرامتهم في غزة أهم وأرفع مقاما من آلاف الفلسطينيين الذين يفقدون حياتهم، ومن أكثر من مليونين مُنع عنهم أدنى مقومات الحياة. لمَ كل هذا الخوف؟ أمن أجل منصب بات للأسف مثل عدمه، فضلا عن أن الخائف يقتربُ من نهاية فترته الثانية! رحم الله الراحل الكريم الدكتور بطرس غالى رحمة واسعة. فقد ضحى بالفترة الثانية في هذا المنصب من أجل موقف مع الحق، ولم يخش أمريكا الأكبر من إسرائيل، وإن لم يعد واضحا اليوم من أكبر مٍن مَن.
كارثة «النهضة»
نقلت سعاد طنطاوي في «الأهرام» تحذير الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري من خطورة الممارسات الأحادية غير التعاونية التي تقوم بها الحكومة الإثيوبية، في ما يتعلق بملء وتشغيل سد النهضة التي تشكل خرقا للقانون الدولي واتفاق إعلان المبادئ مع مصر والسودان في 2015. وقال إن استمرار هذه التصرفات يشكل خطرا وجوديا على أكثر من مئة مليون مواطن على أرض مصر، وأن تشغيل السد المبالغ في حجمه، يمكن أن يكون له تأثير كارثي. وتابع وزير الري قوله خلال تصريحات ادلى بها على هامش المؤتمر الدولي المعني بقضية المياه «أسبوع القاهرة السادس للمياه» الذي انطلق مؤخرا، إنه في حالة استمرار تلك الممارسات على التوازي مع فترة جفاف مطول قد ينجم عن ذلك خروج أكثر من مليون ومئة ألف شخص من سوق العمل، وفقدان ما يقرب من 15% من الرقعة الزراعية المصرية، بما يترتب على ذلك من مخاطر ازدياد التوترات الاجتماعية والاقتصادية، وتفاقم الهجرة غير الشرعية، كما يمكن أن تؤدى تلك الممارسات إلى مضاعفة فاتورة واردات مصر الغذائية. وقال إنه تم البدء ببناء السد الإثيوبي منذ أكثر من 12 عاما على نهر النيل دونما تشاور ودون إجراء دراسات وافية عن السلامة أو عن آثاره الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على الدول المتشاطئة، وتستمر عملية البناء والملء، بل والشروع في التشغيل بشكل أحادي.