لأن أراضيه تعدّ جسراً لنشاط عسكري ضد طهران… التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يهدد استقرار العراق

حجم الخط
0

صاروخ الكاتيوشا الذي انفجر قرب السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء في بغداد، التي تتركز فيها وزارات النظام العراقي والسفارات الأجنبية، حوّل مرة واحدة العراق إلى بؤرة جديدة لمسار التصادم بين الولايات المتحدة وإيران. برد أوتوماتيكي تم نسب إطلاق النار للقوات المؤيدة لإيران أو مليشيات شيعية تتركز قيادتها في محيط بغداد، التي أرادت كما يبدو إرسال رسالة للإدارة الأمريكية وللحكومة العراقية بأن لا تخضع للضغوط الأمريكية.
مثلما في العمليات السابقة التي نفذت ضد سفن سعودية في الخليج الفارسي، ففي هذه العملية لا توجد حتى الآن أي معلومات عن الجهة المسؤولة عنها، لكن من الواضح ضد من هي موجهة. الضغط الأمريكي يعمل في مسارين. الأول يرغب في فصل اقتصاد العراق عن اقتصاد إيران. وبذلك إغلاق الفجوة المتوقعة في العقوبات على إيران. وبالتالي محاولة تمكين القوات الأمريكية من استخدام الأراضي العراقية كمنصة إطلاق للهجمات ضد إيران في حالة انتقال المواجهة إلى مسارات عنيفة.
هذان موضوعان يثيران خلافاً سياسياً وسياساتياً في العراق، وهما يهددان استقرار حكومة عادل عبد المهدي، الذي يعتمد على ائتلاف معقد وهش من قوى شيعية وسنية وكردية، ومعظم أجزائه يرفض الطلبين الأمريكيين. إيران هي الشريك التجاري الأهم للعراق، والميزان التجاري بينهما يقدر بـ 12 مليار دولار. العراق يعتمد على التزود بالغاز والكهرباء من إيران، وهما منتجان يمكن لتجميد تزويدهما أن يخرج الجمهور إلى الشوارع مثلما حدث قبل بضعة أشهر في مدينة البصرة.
هذا الاعتماد الاقتصادي الذي يتضمن ديناً عراقياً لإيران بمبلغ 2 مليار دولار، وجد بعد بضع سنوات من حرب الخليج الثانية، وكان يمكن وقفه لو أن السلطات العراقية والإدارة الأمريكية تمكنتا من السيطرة على الاستثمارات الضخمة التي ضخها البنتاغون إلى العراق، من أجل تطوير البنى التحتية للكهرباء والماء وحقول الغاز الموجود بكميات كبيرة في الأراضي العراقية. ولكن جزءاً كبيراً من الأموال تدفق بدون إشراف إلى جيوب مقاولين وزعماء سياسيين ومقربين والأجهزة الحزبية، إلى أن تحول العراق الغني إلى دولة مفلسة بحاجة إلى قروض كبيرة من مؤسسات التمويل الدولية.
السعودية ساهمت أيضاً في الضائقة العراقية. بسبب قرارها المبدئي بعدم إقامة علاقات دبلوماسية مع العراق وإغلاق المعبر البري الذي يربط الدولتين، والنظر للعراق كدولة معادية، بسبب النظام الشيعي الذي يقف على رأسها وعلاقاتها التي أخذت في التعزز مع إيران. في العام 2016 قررت السعودية تغيير سياستها وفتحت سفارة في بغداد. وبعد تعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد بسنة تعمقت العلاقات بين الحكومتين. مع ذلك ما زالت السعودية بعيدة عن منافسة النفوذ الإيراني. إيران سارعت بعد الحرب إلى فتح سفارة في بغداد وقنصلية في اربيل، عاصمة الإقليم الكردي. وأوجدت علاقات وثيقة مع زعماء الحركات الشيعية والكردية، وأوصت رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي بتقريب السنة، وتعاونت في محاربة الدولة الإسلامية داعش وضخت ملايين السياح الدينيين إلى الأماكن المقدسة للشيعة.

في الآونة الأخيرة… يتأرجح بين دبلوماسية سعودية ناعمة وأخرى أمريكية قاسية!

السعودية من ناحيتها عرضت أن تبيع للعراق الكهرباء بسعر منخفض بدرجة كبيرة من السعر الذي يدفعه العراق لإيران. وفي الشهر الماضي أعلنت أيضاً عن نيتها ضخ مليار دولار للعراق في استثمارات تطوير. كما أن السعودية تدير علاقات مع زعماء شيعة وأمرت رجال الدين بالتخفيف من تصريحاتهم المناوئة للشيعية. مؤخراً، تفحص أيضاً إمكانية فتح قنصلية في مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة والتي تشكل بؤرة جذب لمواطني السعودية الشيعة الذين يشكلون 10 في المئة من السكان.
الدبلوماسية الناعمة التي تتبعها السعودية تنضم إلى الدبلوماسية القاسية والمهددة للولايات المتحدة التي لديها قوة تبلغ 5 آلاف جندي على الأراضي العراقية. لقد عادوا إلى العراق بعد انسحابهم في العام 2011 من أجل المساعدة في الحرب ضد داعش. ولكن بعد أن أعلن الرئيس ترامب أنه ينوي إبقاء هذه القوات في العراق «من أجل الإشراف على أفعال إيران»، تم تفسير هذا التصريح كنية أمريكية لتحويل العراق إلى قاعدة عسكرية ثابتة، وحتى استخدام العراق كجسر لنشاط عسكري ضد إيران.
تصريحات ترامب التي تقول إنه غير معني بمواجهة عسكرية مع إيران، لكن إذا هاجمت إيران أهدافاً أمريكية فذلك سيكون نهايتها الرسمية، وعززت مخاوف القوى السياسية الرئيسية في العراق، ومنها حركة الزعيم الشيعي مقتضى الصدر الذي حصلت حركته على أغلبية الأصوات في الانتخابات التي جرت في السنة الماضية. الصدر الذي قام بزيارة تاريخية للسعودية في 2017 يمثل المعضلة السياسية في العراق. فهو معارض شديد للوجود الأمريكي في العراق ولكنه يؤيد تطوير العلاقة بين العراق والسعودية. ورغم أنه شيعي إلا أنه غير محسوب على أتباع إيران. وفي الوقت نفسه يريد أن يحافظ العراق على الحياد في الصراع بين الولايات المتحدة والسعودية من جهة وإيران من جهة أخرى.
الزعيم الروحي الشيعي الأهم في العراق، آية الله علي السيستاني، يعارض أن يتحول العراق إلى خط مواجهة في الصراع ضد إيران. وهو يؤمن بأن العراق يمكنه أن يكون وسيطاً بين إيران والولايات المتحدة وحتى بينها وبين السعودية. الحياد العراقي ليس غاية واشنطن التي تريد أن تفرض على العراق سياسة فعالة مناوئة لإيران، لكنها تفهم أنه من شأنها أن تفقد نفوذها في العراق وتعمق الكراهية ضدها إذا أدى ضغطها إلى صراع قوى داخلي يضعضع التوازن السياسي الهش، بدون أن تحقق أفضلية ما في الصراع ضد إيران.
في هذه المرحلة التي تظهر فيها المواجهة العنيفة عن طريق عمليات ضد السفن السعودية وغيرها التي تتحرك في الخليج الفارسي، وإطلاق النار من اليمن على منشآت نفط سعودية ومحاولة ضرب قاعدة أمريكية، فإن الإنجازات الدبلوماسية والسياسية لها أهمية كبيرة في تحديد مكانة إيران في المنطقة.
العلاقة العلنية مع السعودية، وبدائل اقتصادية تمكن العراق من التحرر بالتدريج من الاعتماد على إيران، واستعداد لمنح العراق دوراً في جهود الوساطة يمكن أن تقلص التهديد العسكري وتعزز المسار السياسي. ولكن من أجل ذلك يجب على الولايات المتحدة والسعودية الامتناع عن عرض العراق كدولة دمية ملزمة بالإذعان.

تسفي برئيل
هآرتس 21/5/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية