لأن العدالة لا تزال بعيدة.. عيون الجزائريين في مثلث الموت علي الوظائف وراحة البال
لأن العدالة لا تزال بعيدة.. عيون الجزائريين في مثلث الموت علي الوظائف وراحة البالالرايس (الجزائر) ـ رويترز: ما زال بالامكان العثور علي اثار القتل الذي أساء لسمعة هذه البلدة الجزائرية لفترة غير وجيزة.في أحد الازقة لا تزال الحوائط المبنية من الطوب والاسمنت تحمل اثار الحريق وثقوب الاعيرة النارية. عائلات مقتولة بأكملها ترقد في مقبرة قريبة. الجدات بجانب الابناء والحفيدات. لكن بعد تسع سنوات من ذبح مجموعات مسلحة 300 رجل وامرأة وطفل ورضيع في عملية استمرت اربع ساعات ونصف الساعة، فان أصعب ما يمكن كشفه اليوم في بلدة الرايس هو أي توقع لتحقيق العدالة. مثل المجتمعات المحطمة في أنحاء هذه الدولة الواقعة في شمال افريقيا يشعر سكان البلدة البائسة في سهول جنوب الجزائر العاصمة أن المحاسبة القضائية لسنوات الصراع في بلادهم حلم بعيد المنال. وقال بوثلجة خيثر وهو عاطل عن العمل فيما كان يحتسي فنجانا من القهوة في كشك علي جانب الطريق الرايس مكان منسي .وأضاف لا يوجد شيء هنا. لا عمل ولا ترفيه ولا رياضة. لا شيء. انه مكان حزين يسكنه حزاني .وقبل ايام من انتهاء مهلة للعفو عن مقاتلين اسلاميين والامل في طي صفحة الماضي الوحشي، فان أجواء الجزائر قانطة اكثر منها مفعمة بالامل فيما تتطلع الي المستقبل. لقد تحسنت الاوضاع الامنية بشدة منذ بلغ تمرد مجموعات اسلامية مسلحة ذروته حين جاب اكثر من 27 الفا من افرادها البلاد. كان العنف قد تفجر عام 1992 حين ألغت السلطات انتخابات كان من المفترض أن يفوز بها اسلاميون أصوليون. وكانت الحكومة تخشي من ثورة علي غرار الثورة الايرانية. وأطلق سراح نحو 2200 مقاتل اسلامي سابق من السجن بموجب عفو مدته ستة أشهر بهدف مصالحة البلاد التي يعد استقرارها ضروريا للامن في منطقة البحر المتوسط. ويمنح العفو الذي بدأ سريانه في 28 شباط/فبراير الاسلاميين الذين ما زالوا يقاتلون ستة اشهر لتسليم انفسهم والعفو عنهم شريطة الا يكونوا قد شاركوا في مذابح او حوادث اغتصاب او تفجيرات باماكن عامة. ويقول مسؤولون ان ما يصل الي 300 من جملة ما يقدر بنحو 800 متشدد اسلامي ما زالوا يقاتلون سلموا أنفسهم. لكن بدلا من كشف الحقائق وروايتها بشأن أعمال العنف واراقة الدماء علي غرار ما فعلته جنوب افريقيا، فان خطة الجزائر للمصالحة تأمر بالتزام الصمت اذ تحظر الانتقاد العلني لتصرفات أي شخص شارك في الصراع. ويقول مسؤولون ان المشاعر ما زالت جريحة بحيث لا تستطيع البلاد تحمل محاسبة علنية. كما تحظر الخطة محاكمة أفراد قوات الامن علي أي مخالفة ارتكبت خلال الصراع الذي راح ضحيته ما بين 150 الفا و200 الف معظمهم من المدنيين. في الرايس لا يتوقع أحد في هذه الايام رواية مفصلة للهجوم الذي أنحي مسؤولون باللائمة فيه علي الجماعة الاسلامية المسلحة التي كانت تقاتل لاقامة دولة اسلامية. وعقب الغارة اختفي القتلة في بساتين قريبة. وقال خيثر فيما يخص ما حدث خلال تلك الليلة فانه يصعب نسيانه. ما زلنا مجروحين .لكنه أضاف مبتسما اذا أردت معرفة الحقيقة يمكن أن ينتهي الامر بموتك .الوظائف اكثر أهمية من العدالة في الوقت الراهن في مثلث الموت السابق قرب الجزائر العاصمة، وهي منطقة تضم الرايس التي صنفت علي أنها الاكثر عنفا خلال سنوات الصراع. كم هي خاوية ايام خيثر وكم هي ضئيلة موارده، فهو يجلب قدح القهوة الذي يحتسيه من منزله ويرتشفه في المقهي الواقع علي جانب الطريق محاولا الحصول علي الراحة من وهم الرخاء. ومما يزيده احباطا معرفته أن الحكومة جمعت ثروة طائلة من النفط والغــاز الذي تصدره مؤسسة الطاقة المملوكة للدولة لانحاء العالم. ويقول مسؤولون انه لا يمكن توفير وظائف الا من خلال توسيع نطاق القطاع الخاص وتحرير الاقتصاد. محمد دريش صديق خيثر لا يستطيع أن يفهم لماذا لم تأت الثروة بعد. ويقول نحن لا نعيش بل نحاول البقاء علي قيد الحياة. نقضي معظم وقتنا في بيع الملابس وأشياء أخري في أسواق مجاورة لان ليس لدينا سوق هنا .وقال صاحب متجر في الرايس رفض ذكر اسمه ان من الواضح أن الاوضاع الامنية تحسنت لكن هذا ليس كافيا. وأضاف نستطيع تجاذب أطراف الحديث مع أصدقائنا في وقت متأخر من الليل. هذا جزء ايجابي من سياسة المصالحة لكن مشكلتنا هنا وربما في أنحاء البلاد هي اعطاء الامل للشباب. حتي الان ليس هناك شيء ملموس .ويقول مسؤولون ان معدل البطالة بلغ 15.3 في المئة عام 2005 منخفضا عن 17.7 في المئة عام 2004 و23.7 في المئة عام 2003. لكن من المعتقد أن معدل البطالة غير الرسمي يبلغ نحو 30 في المئة. ويقول كثير من مقاتلي الجماعة الاسلامية المسلحة السابقين الذين أطلق سراحهم انهم يريدون العيش في سلام وانهم سيستخدمون وسائل سلمية للترويج لاقامة دولة اسلامية. لكن نشطاء في مجال حقوق الانسان يتهمون كثيرين من المقاتلين السابقين الذين أفرج عنهم بالتصرف بغطرسة مشيرين الي أن لا أحد من زعماء المقاتلين اعتذر عن قتل المدنيين. وقال العديد من قيادات المقاتلين السابقين منذ الافراج عنهم انهم ما زالوا يريدون اقامة دولة اسلامية وألمح واحد منهم علي الاقل الي أن العنف لن يتوقف ما لم تقم تلك الدولة. وعلي النقيض فان مهدي فلاح القائد السابق بـ الجماعة الاسلامية المسلحة الذي شمله العفو لم يتردد في الاعتراف بارتكابه خطأ. ويعيش فلاح مع زوجته وابنيه في منزل من حجرتين بمنطقة عين طاية الساحلية في شرق العاصمة ويقول انه سعيد لانه اختار السلام. وأضاف انني نادم علي ما فعلت. نادم للغاية وآمل أن يمن الله علي بزيارة بيته حتي تغفر خطاياي .