محمد منصور
عاودت برامج (تلفزيون الواقع) الميمونة ظهورها مؤخرا، من خلال آخر نماذجها: برنامج (قسمة ونصيب) علي قناة إل. بي. سي اللبنانية… والذي كما هو واضح من عنوانه يسعي للم الشمل، وتحقيق الوصل، وتوفيق الرؤوس والقلوب بالحلال… ليس درءا لمخاطر العزوبية وتأخر سن الزواج بالنسبة للشباب العربي اليوم، ولا سعيا وراء تكريس قيم اجتماعية يحتاج إليها من وقعوا في شباك (القسمة والنصيب) بل بحثا عن دراما واقعية تملأ ساعات بث المحطات، وتسر جيوب المعلنين، وتدعم نظريات مافيات الرعاية الإعلانية التي تقول بضرورة تشجيع التفاهة، وتكريسها كأمر واقع في الإنتاج التلفزيوني العربي.. لأن المشاهد العربي ملول، ومعترّ، ورأسه لا يحتمل مزيدا من وجع الرأس والجدية والأشياء الثقيلة الدم التي تحرض علي التفكير!! يأتي برنامج تلفزيون الواقع (قسمة ونصيب) ليعيد إنتاج فكرة سلفه (علي الهوا سوا) الذي سبق لشبكة (إي. آر. تي) أن قدمته عام 2004 وانتهي بفضيحة حين قررت المتسابقة الجزائرية (عائشة قرباص) التي فازت بلقب عروس الهوا سوا، وكانت تستعد لحفل زفاف أسطوري مع الشاب المصري (حسام) علي حساب البرنامج… أن ترفض العريس المسكين في اللحظات الأخيرة… فأصبحت حديث الشارع العربي، وظلت لفترة من الوقت نجمة المجلات النسائية… ومحور تحليلاتها وتحقيقاتها التي كانت تحاول أن تتكهن بأسباب ذلك الرفض الصاعق، قبل أن تنطفئ وتصبح ذكري منسية ومهملة مثلها مثل (فويسي) المذيع اللبناني الذي اشتهر في ذلك البرنامج من خلال صوته فقط، وعبر صبره الجميل علي مشاحنات ومناكفات ووجع قلب المتسابقات وعشاقهم سوا، وعلي الهوا!
استفاد برنامج (قسمة ونصيب) من تلك الفكرة، لكنه طورها من حيث الشكل والأداء وإغناء البرنامج بمؤثرات إضافية تجعل دراماه القائمة علي القيل والقال، والمشاحنات اليومية، والحروب الشخصية والعاطفية… دراما متعددة المحاور والوجوه والأطراف… فهو لم يكتفِ بانتقاء مجموعة فتيات ووضعهن في فيلا كما فعل البرنامج السابق، بل قرر استضافة مجموعة من الفتيات والشبان في آن معا، وجعل بينهم حائطا به (شق) يتحدثون من خلاله، وكأننا أمام (شق) خيام مضارب بني عبس أو بني عذرة! كما أتاح لهم وسائل أخري يمكن أن يتابعوا بعضهم بعضا من خلال الشاشات والرسائل وفرص التواصل التي تتاح ولكن تحت المراقبة! وإلي جانب الإصرار علي وجود الطرفين تحت تلصص كاميرات تلفزيون الواقع، من اجل منحهما فرصة لتبادل مشاعر الغرام، و تحفيزهما علي اختلاق الشجارات، والأخذ بيدهما حين افتعال الأزمات… قرر صناع البرنامج أن يدعموا كل هذا باستضافة الأمهات تحت ذريعة معرفة رأي الأم فيمن سيختارها الابن من المتسابقات ومباركة الارتباط وتشجيعه في حال حدوثه… لكن الوظيفة الحقيقية لوجود (حموات المستقبل) كما لمستها من خلال متابعة البرنامج، هي الاستنجاد بدراما الحموات، من أجل رفع سوية المشاحنات وتسخين الأزمات… وقد شاهدت مثلا إحدي الأمهات، تشتم متسابقة لأنها قالت عن ابنها إنه (بلا شخصية) كما شاهدت أماً حكيمة تبرر سلوكها لحماية وجود ابنها في البرنامج بالقول (نحن في غابة والبقاء للأقوي)!! طبعا من يتابع نمط علاقات الحب الذي يفترض أن ينشأ في هذه (الغابة) علي حد تعبير الأم المشاركة، وتحت تهديد الخروج من البرنامج أو الاستمرار فيه، سوف يذهل بالتأكيد للوقت التلفزيوني الذي يهدر في متابعة كل هذا… فالمتسابق الخليجي (مساعد) أرسل قبل أن يخرج من البرنامج رسالة يعلن فيها إعجابه الشديد بالمتسابقة اللبنانية (فاطمة) التي يحبها التونسي (نجد) فثارت ثائرة هذا الأخير… وتشاجر مع رفاقه الشباب، وخصوصا بعد ان انتشرت الرسالة وتداولها الجميع، ووجهت زميلات فاطمة بعض الانتقادات لها واتهموها بمحاولة إرضاء غرورها ونرجسيتها، وجلست فاطمة تدافع عن نفسها، وتسعي لتبرئة ساحتها، وكانت كاميرا البرنامج التي تراقب كل شيء هي شاهد الإثبات أو النفي… أما (نجد) فقد بلغ به الحال إلي اعتبار أنه لا يعرف أحدا اسمه (مساعد) رغم أنه عاش معه في نفس المكان المغلق لأسابيع!
وإلي جانب هذه الدراما العاطفية التي يبرع صناع البرنامج في دفع المتسابقين إلي افتعال أزماتها… ثمة مسابقات وامتحانات… ولعل أهمها هي حول ما تعرفه البنات عن الشباب… أي يجب أن يروض هؤلاء علي مذاكرة دروس الاهتمام القسري، ليس بالشخص الذي تم ترشيحه أو اختياره فحسب… بل بكل الشباب، وكأن العلاقة العاطفية التي يقترحها البرنامج هي لعبة احتمالات أكثر منها لعبة قسمة ونصيب…. فإن لم تستمر فلانة مع فلان، يمكن أن تبحث عن علتان… وهكذا دواليك الأمر الذي يشكل صيدا ثمينا للبرنامج في حال محاولة إحداهن خطف شاب من فتاته، وما يمكن أن ينتج عن هذه المحاولة من تسخين سوف لن تقف الحموات منه موقف المتفرجات بالتأكيد، وبذلك يتحقق الهدف الحقيقي من البرنامج: اللي ما يشتري يتفرج!
طبعا حتي لا نظلم أهداف البرنامج، ولا نترك لكم مجالا لمزيد من ظن السوء، لا بد من إيراد عينة من الأسئلة التي تطرح علي المتسابقات في امتحان (ماذا تعرف البنات عن الشباب؟) والتي مكافأتها اختيار الفتاة لشاب من المتسابقين كي (تظهر) أو تخرج معه في فسحة تعارف حافلة بكل وسائل الترفيه والبذخ… الأسئلة الامتحانية تقول: (ما هو رقم الحظ عند أيمن؟ أين يحب باسل قضاء شهر العسل؟ ماذا يحب مؤيد أن يكون لو لم يكن طبيباً؟ في أي عمر قـبّـل أيمن أول فتاة؟ متي قاد نجد سيارة لأول مرة؟! في أي عمر سقطت أسنان الحليب عند سهيل؟!) ولكم أن تقيّموا بأنفسكم مستوي المعرفة الإنسانية الحقيقية التي يتيحها البرنامج للجنسين كي يبنيا علاقة عاطفية قائمة علي المعرفة والتفاهم كما يدعي هذا البرنامج حقا!
يختار البرنامج متسابقيه من سوية عمرية متقاربة، ومن مستوي جمالي معين، والشباب كما الفتيات يحق لهم اظهار مفاتنهم بطريقة أو بأخري في لعبة لفت نظر متبادلة…. لأنهم في النهاية جزء من دراما واقعية، تجعل منهم أسري واقع مصنوع بحذافيره، ومرسوم في حدوده ومساراته… مع هامش ارتجال حر لا غني عنه بالطبع… إنه (عرض حي) يقودك كمشاهد تلفزيوني إلي أن تدمن متعة التلصص التي تتيحها لك كاميرات تلفزيون الواقع، من أجل أن تتابع (واقعا) أشد زيفاً وتفاهة من أسوأ دراما تلفزيونية يكتبها كاتب غارق في السطحية، ويخرجها مخرج مدعي، وينتجها منتج شبه أمي… مع فارق أن هذه البرامج مصنوعة بحرفية واتقان من أجل ألا تقول شيئا يستحق أن يقال!(إم. بي. سي) تحتفي بقضية مايكل جاكسون! عرضت قناة (إم. بي. سي) مؤخرا فيلما وثائقيا مدبلجا إلي العربية بعنوان (سيرة مايكل جاكسون) لم يتحدث الفيلم عن مفاصل سيرة هذا المغني الأمريكي الفنية، ولا عن كيفية صعوده، أو عن الدوافع التي جعلته يدمن علي عمليات التجميل الكثيرة التي حولته من رجل زنجي لا يخلو من جاذبية إلي مسخ مشوه… بل كانت قضية الفيلم برمته: هل كان مايكل جاكسون يتحرش بالأطفال جنسيا، كما ادعت أسر أحد الأطفال عليه منذ سنوات أم لا؟! مضي الفيلم يستعرض التحقيقات، وأقوال الادعاء، ودفاع محامي الدفاع… والمفاجآت التي كانت تبرز في التحقيق بين الحين والآخر… إلي أن انتهت المحكمة إلي أن مايكل جاكسون بريء! لا تعنينا براءة مايكل جاكسون في هذه القضية، أو عدم براءته… ولم أستطع أن أتعاطف لا مع فرحته بالبراءة ولا مع بعض الجمهور الذي قرر أن ينفض عن نجمه بعد أن أثيرت حوله فضائح جنسية من هذا النوع… ما كان يعنيني كمشاهد حقا، هو أن قناة فضائية عربية، يمولها المال السعودي الذي يدعي حمل راية الالتزام الديني والأخلاقي، بات حجم اهتمامها هو أن تقدم لمشاهديها هذا النوع من القصص… وسيرة هذا النوع من الأشخاص!
وللرجال نصيبهم من (اللوك)! وأعتذر لأنني سأبقي مع برنامج آخر من برامج (إم. بي. سي) التي تستحق بحق أن تكون عنوانا للمحطة التلفزيونية الناجحة بلا ضمير ولا إحساس بأي معني من معاني الالتزام بقضية الإنسان العربي في الحرية والمعرفة والارتقاء بالذوق… فقد حول برنامج (بالصراحة كتير أحلي) وجهته من تعليم النساء أهمية اللجوء إلي عمليات التجميل والهوس بالمظهر إلي تعليم الرجال أيضاً… وقد استضاف البرنامج شابا، كما فعل سابقا مع امرأة، كي يبصره بعيوبه الجسدية، ويخضعه لسلسلة عمليات تجميل وسواها تجعله يصل إلي (اللوك) الجديد الذي يري صناع البرنامج أنه يصلح له!! وقد أكملت الست (جويل) معروفها مع جمهور الرجال، فظهرت لترد علي تساؤلاتهم المصورة، بلغة لا تدري لماذا تلجأ فيها إلي المفردات الإنكليزية بين كل كلمتين عربي… فهي تقول لمن يسألها عن ضرورة زرع شعر في رأسه ( زرع الشعر منّو كتير إيمبوسيبل) وكأن كلمة (مستحيل) العربية تثير الخجل والاشمئزاز! شكرا لـ (إم. بي. سي) التي تريد أن تعلمنا كيف نحتقر لغتنا بمناسبة وبلا مناسبة… وشكرا لها لأنها تريد أن تعلمنا أيضا نساء ورجالا، كيف نتحول إلي دمي بلهاء نستورد (اللوك) ونصنع الجمال بالقوة، ونستهلكه باعتبارنا زبائن نموذجيين لعيادات التجميل والتدجيل!
ناقد فني من سورية