حسب كل المقاييس فقد كان بإمكان خالد الزير من سلوان أن يكون شخصا ثريا جدا. بحوزته وبملكية عائلته توجد اراض بمساحة عشرات الدونمات في قلب القدس، لكن ليس فقط أن الزير ليس شخصا ثريا، قبل خمس سنوات اضطر هو وعائلته إلى الانتقال للسكن في مغارة، بعد أن هدمت بلدية القدس بيته.
إذاً، لماذا لا يتمتع الزير بالاراضي التي توجد حسب اقواله بملكية عائلته منذ اكثر من مئة سنة؟ لأنها مثل الاراضي الاخرى في شرقي القدس غير مسجلة في الطابو لمن تعود. «العائلة اشترت الارض في العام 1888، يوجد لدينا كوشان تركي، وتوجد لدينا الوثائق الاردنية والبريطانية». «ذات مرة سألت إذا كان يمكن التسجيل في إسرائيل وقالوا لي إن هذا يكلف الكثير من المال الذي لا يمكنني دفعه».
ليس واضحا تماما ما الذي منع الدولة من تسجيل الاراضي في الطابو منذ تم ضم المدينة في 1967. الاجابة كما يبدو مركبة، الخوف من ردود سياسية على خطوة كهذه ومن التوجه العام في إسرائيل الامتناع عن تسوية وضع الأحياء هناك، التي رغم ضمها بقيت طوال أكثر من عشرين سنة كمناطق غير واضحة في الفضاء البيروقراطي الذي يفصل بين إسرائيل والمناطق.
ولكن الآن يبدو أنه يحدث تغيير. إلى جانب عدة خطوات اتخذتها الدولة مؤخرا في شرقي القدس ـ في مجال التعليم والمواصلات ـ قبل العيد نشر المسؤول عن تسجيل الاراضي في وزارة العدل إعلاناً لكل من يدعي ملكية الاراضي في كتلتين كبيرتين في حي بيت حنينا وكتلة أخرى في حي صور باهر، أن عليه التوجه إلى مكتب الطابو وتقديم دعوى.
اليوم اكثر من 90 في المئة من الاراضي في الاحياء الفلسطينية في المدينة غير مسجلة في الطابو. وغياب التسجيل خلق عدة مظاهر جانبية اشكالية ـ سواء للسكان أو الدولة. مثل عائلة الزير فإن أصحاب الاراضي لم يستطيعوا استخدام أراضيهم أو البناء عليها لأنهم لم ينجحوا في اثبات أنها حقا بملكيتهم. في معظم الحالات هذا أدى إلى البناء غير القانوني.
في حالات أخرى فإن غياب مركز لتسجيل متفق عليه صعب على حل نزاعات الاراضي بين العرب في ما بينهم وبين اليهود في ما بينهم وبين العرب واليهود. الدولة التي لم تستطع أن تجبي الضرائب من أصحاب الاراضي أو من أطراف الصفقات العقارية ـ لأنه أحياناً لم تعرف من هم ـ خسرت طوال السنين مليارات الشواقل.
ولكن مستوى ثقة السكان الفلسطينيين بالسلطات الإسرائيلية هو أن خطوة كهذه مثل خطوات كثيرة مثلها اعتبرت في الاساس كمحاولة أخرى لتعزيز السيادة الإسرائيلية ونقل أراض ومبان من أيدي الفلسطينيين إلى ايدي الدولة أو المستوطنين.
«اجراء المختار»
مؤخراً تم في معهد القدس لأبحاث السياسات استكمال تقرير بعنوان «بناء غير قانوني، نزاعات دموية وملياردي شيكل في السنة: ثمن غياب الحقوق على الاراضي في شرقي القدس». بموازاة إعداد التقرير بدأ العمل في وزارة العدل قبيل تجديد تسوية الاراضي.
في التقرير الذي أعد بالتعاون مع وزارة المالية ووزارة العدل كتب أن كل عائلة من شرقي القدس تخسر حوالي 80 ألف شيكل في المتوسط نتيجة أن الاراضي في المنطقة هي أراض غير خاضعة للتسوية. في كل سنة يفقد المجتمع الفلسطيني في المدينة بين 630 مليون و1.4 مليار شيكل بسبب ذلك. وهذا مبلغ يصل إلى نحو ربع الأجر الاجمالي لاجمالي الموظفين الفلسطينيين في المدينة.
الباحثة معيان نيشر، التي ركزت العمل على التقرير كتبت بأن غياب تسوية الاراضي هو عامل هام أيضاً في مستويات الفقر المرتفعة في الاحياء ونقص التطوير في البنى التحتية والمباني العامة، لأن البلدية تجد صعوبة في إيجاد الاراضي لبناء المدارس أو شق الطرق.
وكتب أيضاً أن سكان شرقي القدس لا يمكنهم إثبات ملكيتهم لعقاراتهم، ولا يستطيعون الحصول على قروض سكنية مقابلها، ويجدون صعوبة كبيرة في الحصول على رخص البناء على قطعة أرض بملكيتهم، ويجدون أنفسهم في نزاعات قضائية على الحدود، وأحياناً تكون عنيفة. أيضاً ظاهرة تزوير الوثائق وسرقة الاراضي منتشرة جدا لهذا السبب في شرقي المدينة. ومن أجل تجاوز مشكلة الملكية طورت بلدية القدس طريقة باسم «اجراء المختار». حسب هذا الاجراء يحصل صاحب الارض على مصادقة بأن الارض تعود له من «مختار» معترف به من قبل الدولة. واذا لم يدع أحد ملكيته على الارض فإن صاحب الارض يحصل على رخصة البناء استناداً إلى موافقة المختار.
قبل بضع سنوات نشرت البلدية اجراءاً مطوراً سُمّي «اجراء بركات» على اسم رئيس البلدية. وحسبه شكلت في عدد من الأحياء لجاناً ضمت مخاتير ورؤساء ادارات عامة قاموا باصدار مصادقات على ملكية الارض. وفي عدد من الاحياء هذه الطريقة تعمل بشكل جيد، لكنها ما زالت تثير ادعاءات بخصوص التزوير والرشوة، ومن الواضح أنها لا تستطيع أن تشكل بديلاً عن تسجيل أراض حكومية.
حسب التقرير، الخسائر لصندوق الدولة كبيرة أيضاً. في كل سنة تفقد بلدية القدس نحو ربع مليار شيكل بسبب غياب تسوية الاراضي، مصلحة المياه تفقد أكثر من 10 ملايين شيكل، خزينة الدولة تفقد على الاقل 300 مليون، ومن أجل الدليل على ذلك كتب في التقرير أن الأجر الاجمالي للسكان العرب الذين يتم تشغيلهم في شرقي القدس يقدر بنحو 5.3 مليار شيكل. هذه الخسائر تساوي مضاعفة نسبة تشغيل النساء في شرقي القدس أو زيادة 17 في المئة في المخصصات. التفسير الذي اعطته الدولة عدة مرات ردا على الالتماسات بشأن وقف تسجيل الاراضي كان أن التسجيل أُوقف بسبب «صعوبات عملية وسياسية». نيشر تفسر ذلك بأن إسرائيل خشيت من الضغوط الدولية ومن أن التسجيل سيعتبر من قبل الاردن ودول أخرى ومن الكنيسة والاوقاف، خطوة عدوانية. إلى جانب ذلك، كان هناك خوف من العنف والتعقيدات القضائية. ربما أن القرار يرتبط باعتراف الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة للقدس، والافتراض أنه خلافا للماضي فإن عملاً كهذا لن يثير انتقاداً دولياً.
التوجه مباشرة إلى الأوقاف
رغم الامكانية الاقتصادية الكامنة في تسجيل الاراضي، فإن الكثيرين في شرقي القدس يخافون من أن أعمال وزارة العدل هدفت إلى التغطية على عملية سياسية ستضرهم في نهاية المطاف. «هذا كان يجب أن يتم منذ زمن، لكن بمشاركة الجمهور والتشاور معه»، قال سامي ارشيد، ممثل عدد من سكان القدس في موضوع الاراضي والبناء، «هذا يبدو مثل خطوة أحادية الجانب من دون أن يكون هناك نقاش أو حوار مع السكان الفلسطينيين أو ممثليهم، وهذا ما يثير الشك».
التسوية تثير مخاوف حقيقية أيضاً في كل ما يتعلق بـ «أملاك الغائبين»، وهي الاملاك التي يتواجد اصحابها في «دولة معادية». «كل عائلة لديها أخ في الاردن أو في العراق، يأتي القيم على أملاك الغائبين ويأخذ غرفة أو بضعة أمتار من البيت، هذا يخلق مشكلة جدية»، قال المحامي زياد قعوار، «حقيقة أنه لم تكن تسوية خدمت كل الاطراف، الفلسطينيون قالوا إنه بهذا القانون الدولي يتم احترامه لأن إسرائيل محتلة والمستوطنين سعداء لأنه بهذا يستطيعون السيطرة على الارض بسهولة اكبر. من ناحية أخرى، هذا مكّن من كل انواع التزوير».
على خلفية هذه المخاوف فإن الباحثة نيشر أوصت بطريقة عمل مختلفة لتسوية الاراضي في القدس عن الطريقة التي اتبعتها الدولة. وجاء في توصيات التقرير أنه يجب تنفيذ العملية «بطريقة تثير ثقة السكان والمجتمع الدولي… التوجه إلى الاوقاف والحكومة الاردنية، يجب التحدث مع محامين يعملون في هذا الموضوع والاستعانة بهم وبقادة المجتمع».
واضافت أنه «يجب نشر توجيه من قبل القيم على أملاك الغائبين، لأنه لم يحدث تغيير في الوضع القائم وأنه لم تستخدم التسوية كوسيلة لنقل اراضي إلى اليهود».
توصية أخرى في التقرير هي أنه حتى لو أن الدولة حصلت على ملكية على الارض فإنها ملزمة باستخدامها لصالح السكان المحليين. «طالما أن التسوية يتبعها دعاوى للاخلاء وانتقال للاراضي لجمعيات لتوطين شرقي القدس باليهود، وليس نتيجة البيع الاختياري، بل كنشاط مباشر للسلطات، فان الثقة بهذه العملية ستتضرر ولن يكون بالامكان استكمالها».
آريه كينغ، عضو مجلس بلدية القدس ونشيط قديم من أجل الاستيطان في شرقي القدس، لا يهديء مخاوف السكان الفلسطينيين من هذه العملية. «هذا يساعد إسرائيل على فرض السيادة، وسيساعد أيضاً أصحاب الاراضي ضد كل أنواع السرقة والغزو، وسيمكن الدولة والبلدية من ادارة مواردها بصورة أفضل، توجد للدولة عقارات لا تستخدمها لأنه لا توجد تسوية»، قال.
كينغ كان شريكا في النقاشات قبيل تسوية الاراضي، «اوضحت كيف تستطيع الدولة أن تكسب من هذا، على سبيل المثال، هناك ديون بمئات ملايين الشواقل كضرائب على هذه الاراضي، واليوم لا يمكن فعل شيء. وهذا يسري أيضاً على اليهود. في اليوم الذي ستكون فيه تسوية سيكون بالامكان البدء في جباية هذه الديون».
«توجد لهذه العملية مزايا وعيوب»، قال حسام وتد، مدير الادارة المشتركة في بيت حنينا، «الخوف الاول هو الضرائب، الخوف الثاني هو أن يقوم القيم بوضع اليد على الاراضي. من جهة أخرى، التسوية يمكن أن تسهل كل عملية التسجيل، وتمنع التزوير وتسهل فتح ملفات لرخص البناء».
عملية تسجيل الاراضي تنضم إلى سلسلة من خطوات السلطات لتولي المسؤولية في شرقي القدس في عدة مجالات. وزارة التربية والتعليم تستخدم الضغط لفرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس، وزارة المواصلات قامت بثورة تنظيمية في مجال المواصلات العامة، وبلدية القدس منحت لأول مرة أسماء لعشرات الشوارع في شرقي القدس.
وفي وزارة العدل قالوا رداً على ذلك «بعد مرور عشرات السنين من فرض السيادة الإسرائيلية على شرقي القدس فمن الطبيعي أن تقوم وزارة العدل بواسطة قسم تسجيل الاراضي بالعمل على تسوية الاراضي في شرقي المدينة، مثلما تم في أرجاء إسرائيل. في هذا الشأن لا يجب أن يكون تمييز بين غربي المدينة وشرقها.
وإلى جانب ذلك يشار إلى أن سكان المكان سيستمتعون من التسوية التي يدور الحديث عنها لأنه في غياب التسوية فإن أصحاب الحقوق على الاراضي ممنوعون من تطبيق حقوقهم عليها، بما في ذلك الحصول على رخص البناء. تسوية الاراضي ستنفذ وفقاً للقانون والاجراءات، وفي إطارها فإن كل من يدّعي الملكية على الارض يمكنه تقديم دعوى لموظف التسوية. وفي حالة تلقي ادعاءات متناقضة فإن الإجراء ينقل إلى المحكمة للبت فيه.
نير حسون
هآرتس 9/4/2018