ارهاب يستخدم المرأة لتصوير فظاعة المجتمع المسلم… مجندات مغرر بهن: من البنغال او الصومال أو الشامكل تعاون بين قوي العدوان مؤقت… واذا ربحت أمريكا الحرب ربحت إسرائيل مرتين فهي رابحة في كل الحالات
أبو يعرب المرزوقي لا أحد يجهل أن الناس عافت الكلام في المؤامرات والمتآمرين حتي لعنت المتكلمين فيها أجمعين سواء كان من أهل اليسار أو من أهل اليمين! لذلك فلن أجادل نفاة نظرية المؤامرة علي الشعوب الإسلامية لأن افتضاحها يمنع عنها صحة الوصف بالمؤامرة. والجميع بات يعلم ردود النفاة السهلة ما هي. ثم هي لم تعد مما يستحق المرء الكلام فيه. فمن يجهل تاريخ الاستعمار الأوروبي المباشر بواسطة القوة الاستعمارية نفسها وغير المباشر بواسطة من ساعدته في الاستحواذ علي الحكم نيابة عنها بعد حروب التحرير؟ ومن لا يري مخططات الاستعمار الأمريكي المباشر تنشر قبل الغزو وخلاله في تقارير المعاهد المختصة؟ و من فاته أن يقرأ برامج الاستعمار غير المباشر تمول جهرة ورغم أنف الأنظمة المغلوبة علي أمرها لفرط تشبثها بالكراسي وتدعم ضد إرادة شعوبها النخب العميلة والمؤسسات الإعلامية والمجتمعية الدخيلة لتهديم المجتمعات العربية الإسلامية؟ ما يهمني هو استراتيجية أخري أبعد غورا من كل المؤامرات التي صارت مفضوحة، استراتيجية ضحيتها ليست الشعوب الإسلامية خاصة وشعوب العالم المستضعفة عامة. فهذا حاصل ولا يحتاج إلي استراتيجيات جديدة. إنما الضحية هي شعوب الغرب نفسها لغايات أخري علينا الكشف عنها ما استطعنا إلي ذلك سبيلا. ولما كان أصحاب هذه الاستراتيجية يعددون الحلقات والوسائط غير المباشرة بينها وبين غاياتها لإخفاء خيوطها فإنها تبقي جديرة باسم المؤامرة حتي وإن ساءت سمعة هذا الاسم: إنها مؤامرة تسعي إلي النكوص بالشعوب الغربية إلي أخلاق حرب الكل علي الكل الأخلاق التي تعد في منظور نيتشه مؤذنة بميلاد الإنسان المتفوق ومن ثم فهي شارطة لإخراج الغرب من الإعياء الوجودي أو العدمية. لذلك فمشكلة هذه المؤامرة ليست هي كيف نتحرر منها وحدنا بل كيف يتحرر منها العالم كله بدءا بشعوب الغرب نفسه: وقد أطلق نيتشه علي هذا المشروع اسم الثورة الخلقية والوجودية التي عليها أن تقلب كل القيم الإنسانية. ويكفي أن نطلب الجواب عن السؤال التالي الذي هو بيت القصيد في هذه الاستراتيجية التآمرية لنعلم حقيقتها ما هي: كيف تحتال النخب الغربية التي تقود هذه العملية علي الشعوب الغربية لتعيدها إلي العقلية الاستعمارية والتمييز العنصري فيكفر الشباب الغربي بالأخوة الإنسانية المتعالية علي الأنانيات الضيفة. ذلك أن أصحاب هذه الاستراتيجية يعتبرون مثل هذه القيم من علامات المرض الوجودي الذي يرون أن علاجه الوحيد لن يتحقق إلا العودة إلي البربرية الاستعمارية؟ فالنخب المافياوية بصنفيها ما استبد منها مباشرة بالسلطان المادي والزماني (الاقتصاد والسياسة) وما استبد منها بصورة غير مباشرة بالسلطان الرمزي والروحي (الثقافة والدين) تريد أن تخلص الشعوب الغربية مما بدأت تؤمن به من القيم التي لفرط ما استعملوها للكذب علي الشعوب صارت معتقدات عندها فباتت لا تريد التخلي عنها والعودة إلي استعمار العالم من جديد. المؤامرة هي إذن خطة تستهدف إرجاع الشعوب الغربية لبيت الطاعة عند المستبدين بهذه السلاطين الأربعة (المادي والزماني والرمزي والروحاني) ومن ثم استعادة سيطرة النخب المافياوية عليها من أجل تجنيدها وتجييشها في النوبة الاستعمارية المقبلة التي سيولدها التنافس بين الأقطاب البازغة وأغلبها قد بز الغرب في أهم منجزاته العلمية والتقنية دون أن يكون مثله مصابا بالتراجع البايولوجي والخلقي. والحل الذي تبحث عنه هذه المافيات هو الجواب عن السؤال التالي: كيف يمكن أن تستعيد الشعوب الغربية حيويتها الروحية لكي تجند من جديد فتطيع أوامر النخب الحاكمة في الحرب التي تقتضيها إعادة استعمار العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة؟ وأظن سر الحل إن صح فهمي لتاريخ الفكر والسياسة الغربيين يتمثل في قلب نظرية نيتشه. فما يعتبره نيتشه سببا في انحطاط الغرب وفقدانه الحيوية الروحية هم يسعون بخبث شيطاني إلي جعله الأداة الأساسية لاستعادة هذه الحيوية: جعل الدين المسيحي نفسه يتحول إلي إيديولوجيا عدوانية للتربية فالمسيحية الصهيونية هي إذن المحقق لأمنية نيتشه ليس بخلع المسيحية بل بإعادتها إلي أصلها البدائي. تلك هي الايديولوجيا التي تسعي إلي تأليف ثالوث مقدس جديد هو مضمون المؤامرة علي أخلاق الشعوب الغربية وقيمها التي أوصلها إليها التطور التاريخي: التوراتية البدائية والنازية والصهيونية لجعلها إيديولوجيا الإحياء العقدي والروحي للشعوب الغربية شرطا في جعلها قادرة علي الغزو الاستعماري من جديد. وإذن فالقضية التي أريد علاجها لأفضح خيوطها الخفية هي المؤامرة علي العالم الخلقي الغربي نفسه. والهدف هو تنبيه كل من وقع في حبائلها من علمانيينا (حيث ينتدب من يوظف في الإرهاب الرمزي) وأصلانيينا (حيث ينتدب من يوظف في الإرهاب المادي) للتحرر منها عل ذلك يحول دون تحقيق هدف الاستراتيجية التي تريد أن تجعلنا أداة تحفز الشعوب الغربية علي النكوص إلي الانضواء في حرب حضارات من جنس الحروب الصليبية والحروب الاستعمارية التي لن يسلم منها أحد من الصفين: فالغرب والمسلمون سيخرجون منها خاسرين وتعود الغلبة للأقطاب الأخري التي يظن أصحاب هذه الاستراتيجية أنها تحقق شروط القدرة علي التنافس مع أهلها. وهدف هذه المحاولة تحليل آليات عمل المؤامرة وبيان الأهداف التي تسعي إليها في تآمرها علي الشعوب الغربية تآمرا ليست الشعوب الإسلامية فيه إلا أدوات الحبكة التآمرية بداية وفريسة الحفلة الاستعمارية غاية. مقومات الاستراتيجية وحبكتها من البين بنفسه أن كل استراتيجية ينبغي أن يكون لها فاعل – ومنفعل وهدف وآليات منهجية ومراحل لأنها مثل أي خطة لا تتحقق إلا خلال مدة محددة. والمشكل في هذا العنوان بالنسبة إلي القارئ العربي أننا خرجنا عن المعهود فجعلنا من كان يوضع في خانة الفاعل وضعناه في خانة المنفعل فاعتبرنا الشعوب الغربية هي الضحية التي توجه إليها المؤامرة. لذلك فللسائل أن يسأل: إذا كان المتآمر عليه هو الغرب فمن المتآمر إذن؟ والجواب البديهي خاطئ طبعا. فلسنا نحن المتآمرين. و سنترك تحديد المتآمر إلي حين ونسأل عن المقومات الأخري. ولنبدأ بتحديد الهدف. فهو الذي سيصدم الجميع. إنه حل المعضلة التالية: كيف يمكن أن ترغم شعبا خرج من حروب هدامة داخلية بدايتها التنافس علي تقاسم المستعمرات وخاتمتها حروب التحرير من الاستعمار كيف ترغمه علي العودة إلي أخلاق وحال نفسية تؤهله لخوض حروب استعمار جديدة بات الوضع الدولي يقتضيها استعدادا لبزوغ قريب لعدة أقطاب تنافس القطب الغربي عامة والقطب الغربي الأقصي خاصة؟ من كان مطلعا علي تاريخ الفكر الغربي الحديث يعلم أنه يوجد في الغرب وعي فلسفي ينتسب إليه عادة جل مفكري اليمين الغربي. وهو وعي مريض لا يدور كلامه إلا علي ما يصفه بكونه أعراض إعياء حيوي أصيبت به شعوب الغرب. وعنده أن علامته الدنيا هي استمراء الحياة الهادئة وأن علامته القصوي فقدان القدرة علي العدوان. لذلك فهم يرون أن توقف مغامرات الاستعمار علامة شيخوخة وعجز وليس تقدما خلقيا حصل في العلاقات البشرية. وإذن ففرضيتي حول الهدف هي أنه الهدف الثابت لإيديولوجيا اليمين الغربي عامة واليمين النازي الصهيوني في أمريكا خاصة: استراتيجية شيطانية لعلاج هذا الانكماش الحيوي في الطاقة العضوية والخلقية للشعوب الغربية وهو انكماش عضوي يظهر في قلة التوالد وانكماش خلقي يظهر في استمراء الحياة الهادئة. والمشكل أن هذا الانكماش توازيه حيوية الشعوب الأخري التي بدأت تهدد الامتيازات التي كانت مقصورة علي الغرب. فالشعوب الأخري بدأت تقاسم الغرب ثروات العالم بأدواته نفسها بعد أن تمكنت منها بل هي باتت تنافسه في عقر داره علي أسواقه وعلي العمل الذي بدأ أبناؤه يفقدون القدرة علي أدائه أحسن الأداء فضلا عن ندرتهم بسبب تردي نسب الإنجاب. فكيف ستصمد الشعوب الغربية في معركتي تقاسم ثروة العالم والتنافس الاقتصادي والعلمي إذا ظلت علي هذا المنحني من الانكماش العضوي والخلقي؟ ذلك هو الرهان الذي تسعي الاستراتيجية التآمرية علي شعوب الغرب إلي خلق صدمة علاجية يكون فيها بعض المسلمين صاعقا يحفز الدوافع التي ستمكن الشعوب الغربية من العودة إلي الخلق العدواني فتتهيأ لحروب الاستعمار المستأنفة في القرن الحادي والعشرين بعد نهاية الحرب الباردة: العالم الإسلامي هو الصاعق والفريسة في نفس الوقت وليس هو المستهدف المباشر بالمؤامرة الحالية. وما نحن مرحليا علي الأقل إلا مجرد محفز يسرع عملية معقدة هدفها تمكين الغرب من استعادة حيويته العضوية والخلقية خلال ما يحصل من استفزازات يقوم بها أغبياؤنا فيستعد بما يشبه التطعيم بجراثيم غير ضارة (فمن السخف تصور ما يسمونه غزوات في الغرب ذا معني بالقياس إلي الحروب الممكنة بين الأقطاب: ففاعليتها دون فاعلية حوادث المرور) لحربه مع الأقطاب القادمة التي ستتقاسمنا معه والتي لسوء الحظ لن نكون منها لعلتين:
الأولي هي أن جل نخبنا العلمانية مصابة بداء فقدان المناعة العضوية والخلقية لأنها تستمرئ الدعة ولا تعني الحريات عندها إلا دناياها دون جهد العمل والإبداع الذي تتميز به النخب الغربية لأنه غير قابلين للمقارنة معها إلا في نمط العيش لا غير. لذلك فمهندسو المؤامرة يريدون استعمالهم لعلاج داء الشعوب الغربية الذي وصفنا رغم كونهم ليسوا غربيين وهم سيكونون حطب الحريق الذي سيولده الإرهاب الرمزي كما سنري. والثانية هي أن جل نخبنا الأصلانية مصابة بالداء المقابل أعني فائض الحماسة الوجودية التي تجعلهم يستخفون بالحياة فضلا عن الدعة كما يقول ابن خلدون بل يقبل علي الموت برحابة صدر ولكن بصورة مشوهة سببها حصر الشجاعة في آخر حلقاتها وفقدان العمل بمضمون الآية 60 من الأنفال. لذلك فمهندسو المؤامرة يسعون إلي جعلهم حطب الحريق الذي سيتولد عن الإرهاب المادي. ثانيا الآليات والمراحل: ولنأت الآن إلي الآليات والمراحل. فالمؤامرة تخضع لعدة آليات قابلة للتحليل المنطقي الذي يردها إلي معادلة بسيطة جدا هي السر في كل ما يسمي بمنطق التصرف في القوي بمنطق اقتصاد الطاقة كما يفعل لاعب الجودو الذي يستفيد من طاقة خصمه ليرغمه علي التهديم الذاتي مع تقوية طاقته الذاتية: كيف تجعل عناصر الوضعية عند العدو تفعل بصورة تحقق غاياتك فيهدم نفسه ويقويك خلال تلك العملية؟ والمعادلة البسيطة التي نرد إليها المؤامرة الموجهة إلي الشعوب الغربية لإرجاعها إلي خلق الاستعمار والتخلي عما حصل عندها من تقدم خلقي وروحي تتمثل في عمل آليتين بسيطتين وآليتين مركبتين من فعل إحداهما في أخراهما في الاتجاهين ثم من المبدأ الموحد للآليات الأربع فتكون الآليات خمسا تتحقق بها دورة الإرهاب الكاملة ليكون محفزا للأهداف البعيدة. وهذه الآليات هي: 1-الآلية البسيطة الأولي:
هي تشجيع الإرهاب الرمزي في المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي الذي يتضمن جاليات إسلامية بتجنيد بعض المغرر بهم ممن لهم تجارب سيئة نتجت عن سوء تصرف السلط الروحية (العلماء المزعومين) والزمانية (الحكام المفروضين) في المجتمع الإسلامي. وهدف هذا التشجيع التفجيري نراه في الآلية الثالثة لكن هدفه الأول والأخير هو تعطيل النهضة بفضل التشكيك في كل فكر تحديثي يصدر عمن يحاول تحقيق شروط التحرير الرمزي (=الاجتهاد) للأمة فيتهم بكونه منتسبا إلي جماعة الإرهاب الرمزي ضد قيم الأمة. وبذلك يصبح الفكر ذاته متهما: وتلك هي الغاية القصوي من الإرهاب الرمزي بعد استفزاز الشعوب لتحفيز الإرهاب المادي.2-الآلية البسيطة الثانية:
هي تشجيع الإرهاب المادي بتجنيد بعض المغرر بهم ممن لهم تجارب سيئة من سوء تصرف السلط الزمانية والروحية في المجتمع العربي الخاضع لسلطان الدول الغربية المباشر حتي تبدو الثورة وكأنها علي الأعداء وعملائهم. وهدف هذا التشجيع نراه في الآلية الرابعة لكن هدفه الأول والأخير هو تعطيل الصحوة بفضل التشكيك في كل فكر إحيائي يصدر عمن يحاول تحقيق شروط التحرير الفعلي (=الجهاد) للأمة فيتهم بكونه منتسبا إلي جماعة الإرهاب المادي ضد قيم الحداثة. وبذلك يصبح الإحياء ذاته متهما: وتلك هي الغاية القصوي من الإرهاب المادي بعد استفزاز الشعوب بتحفيز الارهاب الرمزي. 3- الآلية المركبة الأولي:
هي دفع ضحايا الآلية الأولي أي آلية الإرهاب الرمزي إلي الحرب الصريحة علي حضارتهم سعيا إلي استبدالها بقيم الغرب فيكونون أولي ضحايا قيم الغرب من الشرقيين الثائرين علي قيم بلادهم برد فعل الآلية البسيطة الثانية: يرفضون ومعهم قيم الغرب فلا يحصل التحديث المتروي. لذلك فالمجندون ليس من الضروري أن يكونوا مسلمين بل المهم هو اختيار من يحقق أكبر قدر من الاستفزاز ليكون موضع عملية إرهابية تجعله يبدو ضحية التحديث العقلاني والتبشير بالقيم الغربية. وذلك هو المعين الأول لأغراض الحرب النفسية والإرهاب الرمزي.
الآلية المركبة الثانية: هي دفع ضحايا الآلية الثانية أي آلية الإرهاب المادي إلي الحرب الصريحة علي حضارة الغرب سعيا إلي تبديلها بقيم الإسلام فتأتي الفئة الثانية من الضحايا: ضحايا قيم الغرب من الغربيين أنفسهم حتي يستثار الشعب الغربي ويقبل التضحيات الضرورية لصد هذه الهجمة البربرية. لذلك فالمجندون ينبغي أن يكــــونوا مسلمين وخاصة من المسلمين الغربيين لأن المهم هو تحقيق الإرهاب بعمليات تجعل ضحاياها يبدون ضحايا البربرية الإسلامية ورفض التبشير بالقـــــيم الغربية أعني رفض الحضارة والمدنية. وذلك هو المعين الثاني لأغراض الحرب النفسية والإرهاب الرمزي. والآلية الأصل: هي تشتيت صف الخصوم (الشعوب الإسلامية) وتوحيد الصف الذاتي (الشعوب الغربية). فلا بد من إيصال الخصم إلي الحرب الأهلية (وهذا يضعف المسلمين) حتي يكون التدخل مطلوبا من البعض ضد البعض ولو باسم حقوق الإنسان لمنع الإبادة وإيصال الذات إلي الوحدة حتي تتمكن من خوض الحرب فيستفز الشعب الغربي في قيمه وفي وجوده المزعوم مسالما حتي يقوي علي حرب المسلمين دون عائق خلقي بل يقاتلهم بحماسة الحروب الصليبية. وبذلك تغلق حلقات السلسلة فتكتمل دورة الإرهابين المتغاذيين إلي غير غاية: وذلك هو المحرك الأول والأخير لكل حرب أهلية لأن الإرهاب الرمزي يمنع الصلح والروية والإرهاب المادي يحقق التهديم والحرب الدائمة. تحديد الفاعل أخيرا:
وهكذا نصل في غاية المسألة الأولي إلي السؤال عن الفاعل من يكون؟ طبعا فإذا كان الكلام عن مؤامرة ضد الشعوب الغربية قد بدا غريبا فإن تعيين المتآمر سيبدو أشد غرابة. والعجيب أن الاستغراب علته فقدان الذاكرة عند المحللين. وأقصد بالذاكرة هنا ذاكرتين: ذاكرة الفكر الغربي الحديث والوسيط وذاكرة التاريخ السياسي الغربي الحديث والوسيط. لكني سأقتصر علي التاريخ الحديث في حالة الذاكرتين الفكرية والسياسية لئلا أعود إلي الحروب الصليبية وفكرها. فما هو الفكر الذي يتكلم عن الإعياء الوجودي والخلقي في الغرب؟ ومن هو فاعل التاريخ السياسي الذي خسر معركة الاستعمار الأول بعد جحيم حروب التنــــافس علي المستعمرات ومنها حربان عالميتان؟ الجواب عن سؤال من الفاعل هو عين الجواب عن هذين السؤالين: إنه اليمين الغربي عامة واليمين النازي الذي يتنكر الآن تحت رداء الاتجاه المسيحي الصهيوني خاصة.
والحادثة التي جعلتني في لحظة خاطفة أربط كل هذه العناصر بعضها بالبعض هي التماثل العجيب بين عقيدتي اليمين المسيحي وأقصي اليمين الفرنسي إلي تبني الموقف الذي يقفه أصحاب السوق السوداء الفرنسيين بصنفيهم أعني من المستعمرين ومن الحركيين (وأمثالهم كثير لم يطردوا لأنهم احتالوا فاستبدوا بثمرة ثورات التحرير) الذين طردتهم حرب التحرير الجزائرية شر طردة لموقفهم من العرب عامة ومن المهاجرين خاصة.
ولعل ما كان يحول دون الكثير منا وفهم هذا الأخطبوط هو استبعاده بسبب التناغم بين هذا اليمين الناقم علي فقدان المستعمرات وخاصة النازي منه وإسرائيل: كيف نفهم أن يكون اليمين العنصري والنازي يعمل بتناغم مع أولي ضحاياه؟ والجواب أظنه بسيطا وبساطته هي سر خفائه: إنهما يتعاونان علي عدو أخطر عليهما كليهما من أي منهما علي الآخر لا أكثر ولا أقل. كل تعاون بين قوي العدوان كما هو معلوم تعاون مؤقت فضلا عن كون إسرائيل رابحة في كل الحالات: فإذا ربحت أمريكا هذه الحرب ربحت إسرائيل مرتين لأنها تكون مع أمريكا دون فقدان تأييد أوروبا وإذا خسرت تكون قد ضمنت تعاونها مع يمين أوروبا وتبقي دائما المساعد الضروري للاستعمار الأوروبي الذي أنشأها. المسألة الثانية الإرهاب الرمزي وأثره المولد للإرهاب الماديينبغي أن نختار حالة رمزية معبرة لاتصافها بما يدلل علي هذا المعني ببعديه: الإرهاب الرمزي ليس من اجل الاستفزاز الموصل إلي الإرهاب المادي فحسب بل من أجل التشكيك في كل حداثي عربي عند الشعب العربي لمنــــع التحديث السوي بما يشبه الرفض العضوي في تركــــيب الأعضاء. فآلية الإرهاب الرمزي وتجنيد أصحاب التجارب المريرة لهذه المهمة يمكن الرمز إليها بالكثير من الأعيان الرامزة التي يكتب أغلبها في بعض المواقع لعل أكثرها دلالة هو موقــــع بلا حدود الذي لم أر في حياتي أسخف من جل كتابه: وقد جربت مرتين أن أضعهم أمام شروط فهم وضعهم فكانت صحية في واد لأن أغلب الكتاب فيه ليســــوا كتابا يفكرون بل موتورين ينفسون عن الغل والحقد لا غير. لكن الرمز الذي سنختاره ينبغي أن يكون معبرا عن أقصي حالات الاضطهاد في المجتمع المسلم الذي تخلي بسبب الانحطاط عن جل القيم الإسلامية السامية. لذلك فلا بد أن يكون الرمز امرأة. وينبغي أن تكون المجندة قد بدأت تشعر بأنها بلغت درجة من تضخم الذات جعلتها تظن نفسها ممثلة للوعي بمأساة المرأة المسلمة إلي حد التنكر لكل قيم الإسلام علما بأن كل الذين يجندهم العدو ينبغي أن يكونوا ممن يحقق الهدفين: الإرهاب الرمزي لخلق دوافع الإرهاب المادي والتشكيك في التحديث بجعله عدوا لكل ما هو مقوم للهوية. والمرأة هي أفضل من يقوم بهذين الدورين لأن المستهدف هو المخيال العربي الذي ينأي بالمرأة عن قلة الحياء والوقاحة. وليس من الصعب أن نجد أمثلة نسائية من جل بلاد العرب والمسلمين سواء اخترنا بنت البنغال أو بنت الصومال. لكننا فضلنا بنت الشام التي تعتبر نفسها ضحية الإسلام ليدور عليها الكلام. سأختار الرمز من سورية إذن لأنها القلب الذي حسمت فيه الحرب الأهلية الإسلامية الأولي علي الأقل إلي أن تحققت الإمبراطورية الإسلامية التي ما تزال تقريبا نفسها إذا ما استثنينا جنوب شرق آسيا: قصدت وفاء سلطان التي تظن نفسها عظيمة الشأن في حين أنها من ضحــــايا السي إن إن. وأظن أني أخطأت لما حاولت سابقا مناقشة بعض هؤلاء الضحايا المغرر بهم فقســـوت عليهم لأني غفلت عن حبكة الخطة ولم أعر كبــــــير الاهتمام للتجارب السيئة مع السلط الروحيــــة والزمانية في أوطانهم التجارب التي ألجأتهم إلي الكفر بالقيم إلي حد الذهاب إلي تحميل مرجعي الثقافة الإسلامية نفسيهما مســؤولية ما عانوه من تجارب. ذلك أن التجنيد ما كان لينجح لو لم تكن التربة ببعديها النفسي والاجتماعي قد أخصبتها هذه التجارب التي سببها الأساسي موجود حقا في سلوك سلطنا الروحية والزمانية ولا يمكن نكرانه: حتي إني أحيانا أسأل نفسي هل كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ مما هو عليه لو عين العدو كل أمرائنا من القبائل والجيوش وعلمائنا من الأصلانيين والعلمانيين؟ ولعله قد فعل وليس منا من يدري! لكن هذا الكلام لا يصح بكامل الدقة لأن هذه الحال متقدمة علي تدخل الأعداء فهي سبب الانحطاط منذ قرونه الأولي ومن ثم فهي علة التدخل لا نتيجته. وقد سبق فكتبت في المسألة لما تكلمت علي الصحوة والنهضة المغشوشتين. أهم علامة أكدت لي كون وفاء سلطان ضحية حقا هي كذبة مفضوحة وردت في مقالها الأخير بعنوان لا بد لهذا الدمل أن ينفجر كذبة تبدو تافهة إذا قيست بالشناعات التي تتفوه بها عادة. فقد ذهبت في هذا المقال إلي حد ضرب مثال معناه أنه علي الأمريكان أن يعالجوا المسلمين بالصورة التي عالج بها الطبيب النفسي الحالة المرضية التي قاست عليها حال المسلمين: فكانت بالعلاج الذي تقترحه الدليل القاطع علي إيمانها بالعنف المطلق الذي كنا نتصوره خاصا بحضارة الكاوبوي. فرمز المناشف يعني عند الترجمة المتناظرة أن تطلب من الطبيب الأمريكي أن يدفع المسلمين إلي التقاتل -وهو بالذات ما يفعل دون حاجة إلي نصيحتها- حتي يشفيهم من إيديولوجيا القتل التي تزعمها ذاتية للإسلام. لكأن الأمريكان لم يعيشوا حربا أهلية أو لكأن أمريكا خالية من العنف والمسلمون هم الذين أفنوا الشعوب ليستحوذوا علي أرضهم وهم الذين قادوا حربين عالميتين وحربا دينية دامت مئة سنة. سأكتفي إذن بكذبتها البيضاء لأنها تبدو أقل هجوماتها علي الإسلام عنفا لأبين أن هذه المرأة مسكينة وأنها فعلا ضحية فاقت كل نظيراتها فهي تزعم في مقالتها الأخيرة أنها أول ما وصلت إلي أمريكا توجست خيفة لما حضرت أحد الاحتفالات في مدرسة ابنتها إذ سمعت المسؤولة تدعو الحضور للبدء بالصلاة فخافت أن تكون الصلاة بالصفات المنكرة التي تراها في صلاة المسلمين. وحمدت الله لما رأت المسؤولة تكتفي بالدعاء الإنساني الراقي بالمقابل مع صلاة قومها من البرابرة!
لو قال هذا الكلام إنسان من تونس في بداية القرن الماضي مثلا لصدقناه بعض الشيء بشرط ألا يكون قرأ في حياته رواية غربية أو رأي فلما واحدا من أفلام الغرب إلا إذا كان من بقايا المقيمين في أدغال تونس لعهد الكاهنة بعث كما بعث أهل الكهف. أما أن تزعم مثل هذا الكلام سيدة متعلمة من سورية فينبغي أن يشك المرء في صدقها فضلا عن سلامتها العقلية. فسورية بلد التعدد الديني وهي قد عاشت في سورية إلي سن متأخرة وهي قد شاهدت ما لا يحصي من أفلام فكيف حصل هذا التوجس؟ إنه إخراج سخيف للهجوم علي الصلاة عند المسلمين ومقارنتها بالصلاة في دينها الجديد متجاهلة الفرق بين الصلاة بمعناها الاصطلاحي والصلاة بمـــعني الدعاء الذي يوجد في كل الأديان. والعلامة الثانية التي لا تكذب هي التخلي حتي علي التظاهر بالإنصاف والحذق التمثيلي المنتظرين ممن يزعم الكلام علي ظلم المسلمين للآخرين. فقد نفهم أن الإنصاف من خلال مثال الأمريكان في العراق مقبول: فهم مساكين اكتفوا بإزاحة الرماد فمات مليون عراقي بطائرات النار العراقية الكامنة التي أوقدها الكلام القرآني. لكن كيف نفهم أنها في علاقة اليهود بالعرب والمسلمين تزايد حتي علي برنار لويس الذي يعترف بأنه لا يمكن لأحد أن يزعم أن اليهود عاشوا بين أقوام آخرين حياة أفضل من التي عاشوها بين المسلمين؟ ومن يقرأ هذه الضحية يستنتج أن الفلسطينيين هم الذين أخرجوا اليهود من فلسطين وليس أهل الدين المليء رحمة حسب زعمها لما احتلوها في الحروب الصليبية وأن المعتدي الآن ليس من أخرج الآخر من أرضه وينفث سم العنف بل من يقاوم الاحتلال. لذلك فسلوك المسلمين الأمثل هو في شرح أحوال هؤلاء الضحايا ومحاولة فضح أكاذيبهم ودعاواهم بالتي هي أحسن أو بالاحتقار مع الاستفادة مما قد يكون صحيحا من بعض تظلماتهم التي لا بد أن لبعضها أساسا حقيقيا في ما أصاب قيمنا من انحراف إذ نحن لسنا أمة ذات سلطة روحية تدعي العصمة ودون حاجة للعنف لأن ما يستعملونه من طرق بلغ الدرجة التي يصح عليها المثل الفرنسي المشهور: كل ما هو مبالغ فيه فاقد للقيمة والمعني وبالتالي للتأثير! لكننا قد نجد لرمزنا عذرا عند الجواب عن سؤال طرحته في مقالها الأخير علي موقع بلا حدود نختم به الكلام في الآلية الأولي. فقد سألت: لم منع القرآن الكريم فرض البغاء علي الجواري ولم يحرمه؟ والجواب هو أن بغاء الجواري صنفان جسدي وروحي. والقرآن الكريم حرم من الأول فرضه علي الجواري لئلا تستعملهن الاستعلامات كما يحصل عادة وخاصة في أمريكا. وحرم الثاني دون الأول الذي ستقاس به حرية الجواري وقدرتهن علي تجنب البغاء الروحي. 7