الرباط ـ «القدس العربي»: يُعد الأديب لؤي حمزة عباس من أبرز الروائيين العراقيين، حيث أنجز أولى أعماله القصصية في تسعينيات القرن العشرين، واستطاع أن يحقق حضورا مميزا في المشهدين الأدبي والثقافي العربي.
وفي الحوار التالي، يؤكد عباس أن المشهد الثقافي العراقي يعاني ضغوطا كبيرة تبدأ بغياب مقومات الحياة ولا تنتهي بتراجع الحريّة والحوار، لكنه يؤكد أن المثقفين العراقيين يحاولون تجاوز الصعوبات الكثيرة التي يواجهونها والتعبير عن جسامة التجربة الإنسانية على هذه البقعة المحيّرة من العالم.
٭ هناك توافق بين القصة القصيرة والروي: الكل يبحث عن حكاية ويريد أن يسمع حكاية. في الفن التشكيلي مثلاً، ثمة من يبحث عن حكاية، لعلها الشكل في اللوحة أو الموضوع، في قبول الحجج والأعذار توجد كذلك الحكاية، تبحث التحقيقات الأمنية أيضا عن حكاية، هل توافقني في ذلك؟
٭ تسعى القصة القصيرة لتقديم التقاطتها لوجود عابر محاولة تدوين هذا الوجود، تلخيصه على نحو ما والاكتفاء منه بشظية مؤثرة حيث تتصدى الحواس لمهمة إدراك العالم.. تقترح هذه البداهة الصعبة في كل مرّة طريقاً مختلفاً للوصول إلى لحظة الإنجاز القصصي، حيث تكون كل قصة خلاصة، خلاصة نظر وقول، وهي خلاصة شعورية بمعنى ما، لما حدث وما لم يحدث، إننا نتحدث عن شواغلنا، عن شظايا حياتنا، عما رأينا وما لم نر، بما يوفر مادة عصية وطيعة لإنتاج القصص، فنحن عندما نكتب لا نكتب من أجل هذه المشاهد الصغيرة ولكننا نكتب من أجل كل الهموم التي لا يمكن كتابتها، بجملة إبراهيم أصلان، ورغم غيابها الظاهر فهي الطاقة الروحية التي تملأ فضاء المشاهد الصغيرة، إنها موجودة في المساحة الغائرة بين الكلمة والكلمة.
٭ في كتابك «الكتابة، إنقاذ اللغة من الغرق»، تتذكر لكي تمحو، وهكذا تعتني بتفاصيل الحياة ممسكاً بها، لكن ليس من باب التذّكر السائد، إنما لجهة المحو، حيث يلغي كتابك هدف الذكريات في البقاء ساعياً إلى جعل المحو سائداً، ومعلناً أن الحياة اليومية في العراق هي سيرة حروب، كيف تفسر ذلك؟
٭ يبدو السؤال في علّة الكتابة أصعب من الكتابة نفسها، أكثر صمتاً وأشد تعقيداً، فالكتابة تجيب عن نفسها بنفسها وهي تطوّر بحثها الدؤوب مع كلِّ مشروع يقترح المضي خطوة أخرى على الطريق، يُطلق تلويحة ويُضيء فكرة تُشير أبداً لفكرة الحياة وهي تتخلل وقائعها وتحتفي بتفاصيلها.
لن تبتعد الكتابة عن الحياة، ولن تغدو واحدة من مراياها، إنها الحياة وقد أُعيد انتاجها على الورق مشفوعة بالكثير من الرؤى والهواجس والأحلام لتعدّل من طبيعة الحياة نفسها وهي تشهد تحوّلاتها الغريبة، إنها تفتح مع كلِّ كتابةٍ البوابة نفسها لكنها تطلُّ في كلِّ مرّة على عالم مختلف؛ ثمة، دائماً، ما يتجدّد لحظة الكتابة، يُمحى ويُكتب في الآن نفسه. هكذا يمكن أن ننصت لصوت غادامير الذي يؤكد أن التذكّر لا تاريخ له، ثمة نسيان مستمر «ولطالما تصورتني واحداً من مواطني دولة النسيان، وأنا أعاود الكتابة عن الكتابة مبتدئاً من أول السطر في كلِّ مرّة، مثل خفّاشٍ يرتطم ببناية، مثل ديكٍ وحيدٍ في قارب».
٭ في كتابك «المكان العراقي» تستدعي الذكريات بغية التماهي مع الزمن الذي استطاع رغم ارادة الحنين جعل المكان طللاً، ويستيقظ المكان ويُعمّر جغرافياً بالتذكّر، انما الافراط في هذه الوظيفة وجعلها قبّة يؤذي تصوّر باشلار الذي لا يعزل المكان عن الزمن آنيته (المكان يحتوي الزمن) ويرى أن الأمكنة هي أزمنة تُعاني من قلق ما، كيف ذلك؟
٭ يتوجه كتاب «المكان العراقي» لمعالجة أكثر من قضية ربما كان من أهمها قضية الخراب التي هيمنت على مشهد الحياة العراقية لأكثر من ثلاثة عقود، إن ما أسسته بواكير التجربة المدينية في العراق في النصف الأول من القرن العشرين وجد نهايته غير المنتظرة في نصفه الثاني مع نشوء طبيعة جديدة من العلاقات لم تعد تعبأ بأية معيارية في توصيفها للحياة وممارستها الحضارية، يمكن ملاحظة ذلك بمراجعة خرائط المدن الأساسية في العراق مثل بغداد والبصرة والموصل، وما سمّي بالمدن المقدسة مثل كربلاء والنجف وسامراء وما عاشته هذه «الحواضر» منذ سبعينيات القرن الماضي من تقابلات ضدية عملت السلطة فيها على إنتاج مواجهات قسرية بين مؤسسات الموت ومؤسسات الحياة، فقد بُنيت الكثير من سجون الأمن والمخابرات فيها مقابل رياض الأطفال وأنشئت حدائق ومتنزهات ومدن ترفيه بدائية مقابل مساحات شاسعة من القبور، من جهتها أسهمت آلة الحرب القاهرة في الثمانينيات بتغيير جوهر المدينة العراقية وتدمير إيمانها بالسلام عبر عسكرة الحياة لما يقارب عقدا من الزمان.
٭ الكل يشكو من المشهد الثقافي العراقي راهناً، بوسع المثقف ان يعطي كثيراً عندما يزيح سيطرة السياسي عن مواهبه، السياسي وليست السياسة. لكن ثمة مشكلة بنيوية يعانيها المثقف إسوة بالمواطن الذي لا يخرج من مفهومي»الوقفية والأرث»، كيف تفسر ذلك؟
٭ من الصعب أن يعيش المشهد الثقافي العراقي ما يمكن تسميته بـ»إعادة التشكيل» وهو يعاني ضغوطاً كبرى من أول مقومات الحياة إلى متطلبات الحريّة والحوار، الثقافة العراقية اليوم مثل الإنسان العراقي، تعاني ما يعاني من مصاعب، وتلوذ بما يلوذ به في محاولة منها لمواصلة مهمتها في التعبير عن جسامة التجربة الإنسانية على هذه البقعة المحيّرة من العالم.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك والعراق ما يزال بعد عشر سنوات من التغيير يعيش فعلاً تحت طائلة ما قبل التغيير، ثمة انشغال بما هو جزئي ومحدود يهيمن على مؤسسات الدولة على نحو عام ومنها المؤسسة الثقافية التي خضعت هي الأخرى لمقولات الحزبية والمحاصصة.
٭ كيف نستطيع ان نتحدث عن اشتقاق المفاهيم وتبيئتها في مجتمعات يسود التفكير الاقصائي سلوكها، كما يسود الدين على منظومة الحياة كلّها، ويجد المجتمع راحته وسعادته بالتفكير المحدود بالثنائية (خير- شر) لاغير؛ وعليه، يكون التراجع الاجتماعي مصحوباً بتراجع ثقافي؟
٭ في خضم حركة التراجع العنيفة هذه يبدو من الموضوعي أن تتراجع الثقافة لا بوصفها تراكم نصوص في ضروب الفكر والإبداع، بل بوصفها ممارسة وسلوكاً إنسانيين تحكمهما منظومة من القيم، حينما نتحدث عن تراجع الثقافة فإننا نتحدث عن فعل مصيري يحكم تراجع الشعوب وتفننها في التهام أنفسها.
ومع اندحار منظومة القيم لا يصبح الدين ديناً، ولا الإبداع إبداعا، ولا الوطن وطناً، سنحيا عندئذ وسط أمواج من الأمزجة الفردية والإرادات والمصالح، بعد أن تنحسر أمزجة المواطنة وإراداتها ورؤيتها العميقة لمصالحها وتحلّ بدلاً عنها إرادات عاجزة عاشت طويلاً في الظل لتجد فرصتها مع «الفوضى الخلاقة» ومقولة الديمقراطية بوصفتها الفورية، نعم ثمة فوضى عميقة في حياتنا حجّمت سبيل الخلق والابتكار وأجّلت الديمقراطية عقوداً طويلة بتقديمها الوجه الأسوأ في فهمها وممارستها، مثلما هدّمت ما بقي من تراث المدنية وأشباح مؤسساتها.
علي البزّاز