لابد من العودة الي الشاطئ

حجم الخط
0

عناية جابر

دلفت البحر، اوصدت المدينة خلفي وتنهدت. انا في الماء، احساس مسرّة وامتنان، سحر وتوقع. في ساعة السباحة هذه، احدج السعادة بعينيّ، واصغي اليها واعرف انني في مادة السعادة الرخوة والسائلة، وانه سلام الوقت وان عليّ ان اغتنمه. ابدا بمصادقة صدمة الماء، وبعد قليل يغني الدفء في صدري، الاحداث كلها لا تعود تساوي شيئا لذلك اشلحها علي الشاطيء. اخوض في الماء، الطقس الصباحي الذي اؤثره كل الصيف وبعض الربيع، البحر يصالحني مع الامور، يسمو بروحي.

استمتع بالسباحة دون استعجال، يرتعش جذعي ارتعاشة لطيفة لمؤازرة عضلة الموجة التي تغمرني. لا تدفعني الموجة بل تقودني بكياسة، تستحوذني في حواسي الخمس.

رأسي مائل الي الاسفل اري الي التمدد والتقلص والي حركة العصارات والكتل والاعشاب، الاسفنج والتوتيا كلها في الاعماق البعيدة. اسمع وشّة خفية تحدثها سمكة ضالة.

أتقدم بسكينة. لينة، مرنة، مائلة الي هذا الجانب وذاك، برجلين منفرجتين قليلاً وقدمين ثابتتين. البحر، الزرقة والخضرة مختلطتان، حبل الطحالب الطري الذي يلتف ويلتفّ بإنسيابية سباحتي. مخلفات الاعماق والالتصاقات، التفاصيل الرائعة والزوائد التي اراها وتلك التي اخترع رؤيتها، انا نفسي.

تتطهر روحي كما لو كاهنة في معبد. انعدام وزن وتحرر، من تلوث الارض. انقلب علي ظهري برضي وولع، وادلّك السماء بعينيّ. جزء اضافي مختلف يراكم مشاهداتي في كل مرة، طافية هكذا، والاغلب، غيمة زرقاء جديدة موشّاة بالابيض، تتمسح بغيمة قديمة كنت نظرتها بالامس، وتتداخل معها في تضاريسها، وفي انحناءات كتلتها الرخامية الهشّة وهي تغادر مرمي بصري، وتتلاشي بعيداً.

انا كاملة الان، افكر، لا شيء آخر يجعلني اكثر كمالاً. هذا الحدب اللطيف، الحدب المائي علي الروح، يُكفّ اذي يد المدينة المتلفة للحواس، ويراوغ التحلل المحتوم الذي تمليه الحروب الشريرة.

كل استدارات الموجة وتجعداتها، علوها وهبوطها، يطيّعونني. الكائن الاسير يُهزله الاسر، غير ان الهزال لا يعني الضعف. هكذا يُحبني الماء، ويحبني البحر متقدة وشرهة. يتناهي صوت نائح الي اذني، يذكّر بالارغن، بتوتر لحنه الكنسي. وهن رقيق، ثم اغمض نصف اغماضة تُرحّل همَوما ومشاغل، وتخلصني من كل ما هو صاخب وغير صاف.

علي هذا النحو لا التفت الي المدينة الرابضة غير بعيد عن الشاطيء. ولا مرة واحدة التفت، عدم الالتفاف هو عنادي واختياري، بالاضافة الي انه ييسر سباحتي ويمتدحها، لماَّ ان الافق، اقرب هكذا مع عدم الالتفات، فلا اضلل الافق بنظرة الي الخلف.

لا الموجة ولا انا نعاني مآزق ومعضلات المشي. انا لانني حتي حين امشي، فكمن تسبح تماماً، فقدماي تكادان لا تطآن الارض، والمشي عندي مجرد خيال من اخيلتي، وهي، اي الموجة، فلانها موجة مطيعة لطبيعتها، وترضخ لمادتها ولمشيئة البحر.

المياه تسور حنجرتي، تلاطم اذني وتحبس جسدي. ذراعي اليمني ارفعها اكثر مما افعل مع ذراعي اليسري. تتوتر وتسخن بشرة وجهي، يغلي دمي.

طبعاً، لابد لي من العودة الي الشاطيء عما قليل. عما قليل اعود، وسأسمع كل البذاءات التي فاتني سماعها في سباحتي، واقرأها ايضا علي حيطان المدينة. سأعاود سماع نذر وتهاليل الحرب كما اعتدت سماعها في الشارع وفي التلفزيون، في السيارة وفي المكتب والسينما والبيت وتزكمني تماماً رائحتها. سأحدس بخوف في كل ثانية علي ارض المدينة، ان امراً يحدث ويحول بيني وبين الماء في صباح الغد. سأقوم بايماءة يأس من رأسي كما اعتدت ان افعل مؤخراً. لكنني اكون هنا ما ان يطأ الفجر اول دعساته في النهار. اكون في البحر الذي لا يعرف الصدأ، البحر الواحد ويتكرر ملايين المرات.

اعود بالطبع الي الشاطيء وسيصمت الارغن، وبانحناءة عظيمة اخرج من الماء ممتنة له الطراوة اللازمة للحياة. اخرج وقد شفيت اطرافي واشتدت. المدينة تبدأ تدخلني من فكرة الحرب وجرحها، سيكون الجرح تاما هذه المرة ولن يلتئم ثانية، العمر الذي امضيناه خلف الجدران، وفي الملاجيء وفي الثقوب التي احدثها التقاتل، ربما طقس صباحي مائي كالذي افعله، يرتق العمر والجرح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية