لندن – “القدس العربي”: بقدر ما يحظى نجوم كرة القدم من محبة وشعبية جارفة من قبل جماهيرهم، يجدون العكس من قبل الخصوم، وأحيانا ينقلب عليهم عشاق النادي في ظرف أسبوع أو حتى 90 دقيقة، إذا وقع أحدهم في المحظور وتسبب في هزيمة الفريق، وقد تعاظمت هذه الظاهرة بطريقة فاقت كل التوقعات في عصر “السوشيال ميديا”، في ما يُعرف بين مواليد الألفية الجديدة بـ”التحفيل” بعد كل مباراة أو نهائي حدث كبير، والتي تحولت الآن إلى فقرة ثابتة في أعتى المؤسسات الصحافية العالمية، لمواكبة العصر وجذب أكبر عدد من القراء، وأيضا لرصد ردود أفعال المتابعين ومعرفة آرائهم في مستوى النجوم أصحاب الشعبية الكبيرة. وفي كل الأحوال لا يسلم هؤلاء المشاهير من نيران سخرية الخصوم، إما بالتعليقات أو “الكوميكس” المثيرة للضحك، إلا فئة قليلة، نالت احترام المنافس قبل المؤيد، بطريقة جعلت من الصعب أن يكرههم أحد، لأسلوبهم الراقي وتحضرهم داخل وخارج الملعب.
على نياتكم ترزقون
تجسدت عظمة هذه المقولة، في أكثر من نموذج للاعب عالمي نستمتع بمشاهدته في كل عطلة نهاية الأسبوع، في مقدمتهم الطفل الكرواتي، الذي فر مع أهله من ويلات حرب البوسنة في بداية التسعينات، وعاش لاجئا مع والده عامل الميكانيكا في القوات العسكرية الكرواتية، ووالدته، التي كانت تعمل في مصنع نسيج، فيما قضى صاحبنا طفولة بائسة، كراعي غنم في جبل تحاصره الذئاب في كل مكان، ليصبح الآن لوكا مودريتش، الذي يُضرب به المثل في التواضع والأناقة، كما يظهر في أسلوبه الراقي في تعامله مع المنافسين، وفي تصريحاته، إلى جانب ذلك، يعطي دروسا في أرقى فنون كرة القدم، على مقولة كاظم الساهر “كل ما تكبر تحلى”، بإمتاع عشاق الكرة الجميلة، بنوع مختلف من السحر، يجعلك تشعر وكأن كرة القدم لعبة سهلة وغير معقدة، كما كان يداعبها مدربه في ريال مدريد زين الدين زيدان أو مايسترو إيطاليا أندريا بيرلو. والمثير للإعجاب، أنه بدأ يحاكي تجربة زميل الأمس كريستيانو رونالدو، بإتباع نظام غذائي وتدريبي صارم، ليظهر بالنسخة الرائعة التي يبدو عليها في الآونة الأخيرة، ويكفي أن التاريخ سيذكره دائما، كأول من يتجرأ على الثنائي الفضائي كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، بإنهاء سيطرتهما على جائزتي الفيفا و”فرانس فوتبول” الكرة الذهبية، عندما فعلها في العام 2018.
أيقونة التواضع
يبقى الفرنسي نغولو كانتي، واحدا من أكثر لاعبي العالم إثارة للإعجاب، لشخصيته المتواضعة الخجولة، التي لم تتغير حتى في أوج لحظات نشوة الفوز بكأس العالم 2018، بتكرار مشاهده مع فريق ضاحية العاصمة باريس في الطفولة، مكتفيا بالوقوف في جانب ليشاهد الجميع يلتقطون الصور التذكارية مع الكأس، من دون أن يشاركهم أو يطلب منهم حمل الكأس، كما روى أوليفييه جيرو، عن خجل كانتي في غرفة خلع الملابس أثناء الاحتفال بأغلى وأمجد الكؤوس، وهذا يرجع، لتكوينه المختلف عن جُل لاعبي الكرة، كطفل وُلد في أسرة كادحة في باريس، بعد هروب أبويه من الحرب الأهلية في مالي. وبسبب قسوة الدنيا، فقد والده في سن مبكرة، ليضطر للعمل في القمامة، وتحديدا في جمع العبوات البلاستيكية والزجاجية، التي يُعاد تدويرها، كأفضل وسيلة لجمع المال السريع، لإعانة الوالدة، التي كانت تعمل في قطاع النظافة. وفي سن الثامنة، قرر الالتحاق بأكاديمية الحي، ومع الوقت والعمل الشاق، أصبح واحدا من أفضل لاعبي العالم في مركزه، كلاعب وسط بقلب أسد في عنفوان شبابه، وخارج الملعب، إنسان لطيف، نادرا ما يظهر في وسائل الإعلام، وابتسامته لا تفارقه أبدا، ناهيك عن مواقفه الإنسانية التي تعكس نبل أخلاقه، أشهرها تلبية دعوات المعجبين لحضور مناسباتهم الخاصة، كما فعلها في العام قبل الماضي، بحضور حفل زفاف ابنة أحد المعجبين، وبثوب ابن الأصول، كما وضح في أسلوبه اللطيف وهو يقوم بتهنئة العريس والأسرة، على عكس المشاهير، الذين يتعاملون بطريقة مختلفة في هكذا مناسبات.
سفراء إسبانيا
واحد من أكثر اللاعبين المحبوبين في العالم، هو الإسباني دافيد سيلفا، الذي دون أسطورته مع مانشستر سيتي، في بداية مشروع نقل “السكاي بلوز” إلى مؤسسة على نفس مستوى كبار البريميرليغ، واكتسب الثلاثيني هذا التعاطف، بسبب إبداعه وأناقته داخل المستطيل الأخضر، من دون إثارة أي نوع من الجدل طوال مسيرته الاحترافية، تاركا لدغاته وسمومه في دفاع المنافسين تتحدث عنه، خاصة في فترة شراكته مع الخرافي البلجيكي كيفن دي بروين، عندما شكلا واحدة من أخطر ثنائيات الوسط في تاريخ البريميرليغ الحديث، لدقة تمريراته وتفكيره السريع، الذي جعله نموذجا للطرب الكروي، ومؤسسا لنسخة مانشستر سيتي الذي نراه اليوم، لما قدمه مع النجوم الأوائل، الذين شكلوا شخصية مانشستر سيتي الحديثة، كفريق بطل توج بالبريميرليغ 4 مرات في العقد المنقضي، ولهذا، لم يكن له أعداء أو حتى متربصون طوال مسيرته في إنكلترا، بل عندما واجه أزمة إنسانية في العام قبل الماضي، وجد دعما لم يتخيله من قبل المنافسين والمؤيدين، وكان طبيعيا أن يحصل على وداع الأبطال في ملعب “الاتحاد”، بعد أن قرر العودة إلى وطنه عبر بوابة ريال سوسييداد الصيف الماضي. ويتشارك معه في نفس الجينات، مواطنه خوان ماتا، الذي اقتحم القلوب، بأسلوبه الصحافي الراقي عبر مدونته في الشبكة العنكبوتية، حيث يخصص وقت فراغه لممارسة هوايته المفضلة بعد كرة القدم، بكتابة المقالات والتعليقات المهذبة عن المنافسين، كما أثنى من قبل على مسعود أوزيل، وكل من تعامل معه، يشهد له بأسلوبه المهذب سواء اتجاه زملائه أو المنافسين أو حتى لاعبي الأكاديمية في مانشستر يونايتد، كواحد من ألطف وأكثر لاعبي كرة القدم تهذيبا في هذا العصر.
عامل الفحم
صحيح أنه أمام المرمى يكون أشبه بالوحش الكاسر، لكن خارج الملعب يُعرف برجل ليستر سيتي اللطيف، هو القناص جيمي فاردي، الذي لا يكرهه أحد، بعدما سطر أروع القصص الهوليوودية على أرض الواقع، بالتحول من شاب فقير، بدأ حياته بالجمع بين العمل الشاق في أحد مصانع الفحم وبين التدريب مع فريق ستوكس بريدج، ليحصل على 30 جنيها إسترلينيا في الأسبوع، بعد طرده من شيفيلد وينزداي، إلى أن تحول إلى واحد من أغنى لاعبي كرة القدم في بريطانيا، بفضل إنجازاته مع ليستر سيتي، التي بدأت بقيادة الفريق الى العودة إلى البريميرليغ، ثم معجزة التتويج بالدوري الإنكليزي الممتاز في موسم 2015-2016. والمثير للإعجاب، أنه على رغم تقدمه في السن، بكسر حاجز الـ34 عاما، إلا أنه لم يظهر أي علامات على التباطؤ أو تأثره بعامل التقدم في السن، بل ما زال يؤدي بنفس الزخم والعنفوان، بنسخة قريبة الشبه، للصورة المخيفة التي كان عليها في موسمه المعجزة، بتوقيعه على 11 هدفا، على بعد هدفين من متصدر قائمة الهدافين محمد صلاح، كأكثر المساهمين في تواجد الثعالب في المركز الثالث في جدول ترتيب أندية الدوري الممتاز، خلف المتصدر مانشستر سيتي بنقطتين فقط. لذا، يصعب العثور على أعداء لهذا النموذج المكافح، أما النموذج العربي الذي يحاكي قصة كفاح فاردي، فهو معشوق الملايين محمد أبو تريكة، الذي عمل في قطاع مشابه، في مصنع للطوب الأحمر في الجيزة، ومع الصبر والكفاح إلى جانب مواقفه الإنسانية، أصبح أسطورة وقدوة للأجيال الجديدة.