لاستغلال كورونا ولجم “يأجوج ومأجوج”: هل حان الوقت لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين؟

حجم الخط
0

في مجالات كثيرة يفكر الإسرائيليون خارج الصندوق، ولكنهم في الأمور الجوهرية يكونون مسجونين داخله. قبل أسبوع، استل كثيرون السيوف ضد رئيس الحكومة ورئيس الدولة لأنهما خرقا تعليمات العزل. من هبط هنا فقط قبل لحظة سيعتقد بأن هذين الشخصين المبجلين ضبطا وهما ينقلان معلومات أمنية حساسة لإيران، ولكن عندما يحطمان الهيكل المدني للدولة، ويحرمان العرب من حقهم بأن يكونوا شركاء في الحكم –بنيامين نتنياهو بتحريضه العنصري، ورؤوبين ريفلين بالدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة لقومية واحدة– لا أحد يحتج، بل تسير الأمور كالمعتاد.

اليوم بعد اندلاع وباء كورونا الذي أدخل المليارات إلى الإغلاق –في إسرائيل والسلطة الفلسطينية بكروا في فرضه– نرى الواقع يفرض على الطرفين التفكير بشكل مختلف؛ فالجيش الإسرائيل بدلاً من أن يتقوى أكثر عليه أن يتحمل مهمات مدنية كدعم المواطنين في “بني براك” والقدس ودير الأسد. أما السلطة الفلسطينية المحاصرة فتحولت قوات الأمن إلى مقدملالمساعدات الإنسانية. رويداً رويداً يزداد الإدراك بأن العالم لم يعد كما كان.

الإنسانية تقف من جهة أمام وباء مخيف، وثمة خوف من موجة إصابة قد تغرقنا في الخريف القادم. ومن جهة أخرى، يُطرح مطلب بتغيير أساسي من أجل نظام اجتماعي مختلف يعزز أجهزة الصحة العامة. ولكن فوق كل ذلك تبرز الحاجة إلى الاهتمام بمصلحة الجار القريب وصحته، رغم أن الجار البعيد جداً (الصيني في هذه الحالة) أصاب كل العالم بالعدوى، بالأحرى.. يجب الاهتمام بصحة الجيران في منطقتنا الذين يسكنون الباب مقابل الباب.

وقيادة حماس تحديداً كانت الطليعة هنا؛ فقد فهم رجالها الوضع الذي تشكل، وكسروا الأطر المقبولة وطرحوا اقتراحات لتبادل الأسرى، وفهموا أيضاً أن هناك حاجة لأدوات مختلفة في الأوقات المتغيرة.

كما هو معروف، الاستراتيجية الموجودة في أساس اتفاقات أوسلو هي السير خطوة خطوة من أجل زيادة الثقة في أوساط الطرفين، وكل خطوة تصب فيها ثقة وتسرعهما لمواصلة الخطوة القادمة. ولكن مهندسي هذه الاستراتيجية لم يأخذوا في الحسبان بأنه كلما طالت العملية يزداد أعداؤها وتزيد فرص تخريبها. في السنوات الخمس التي امتد عليها تطبيق اتفاق أوسلو، فإن كل يوم جديد أعطى للمعارضين فرصة لوضع مزيد من العقبات، إلى أن وصل الأمر إلى الانفجار الذي لم يكن بالإمكان منعه.

استراتيجية التقدم الزاحف هذه أفلست، وزادت المعاناة واتسعت خيبة الأمل. وبدلاً من رفع الضمادة عن الجرح بسحبة واحدة، فإن التردد ببطء مس كل جزء في العملية.

إذا أردنا التفكير خارج الصندوق اليوم فإن الخطوة الأكثر تأثيراً هي إطلاق سراح جميع السجناء الفلسطينيين، بدون مراحل ودون مفاوضات. المثل العربي يقول “إذا أطعمت أشبع”. لا يوجد نصف سلام مثلما لا يوجد نصف حمل. الطريق إلى التصالح تحتاج إلى أشخاص ذوي رؤية وليس أشخاص يتعلقون بصغائر الأمور، يقيسون بجزء من الملليمتر كل تحرك نحو السلام إلى حين أن تتحول إلى الرحلة إلى رحلة آلاف وليس رحلة سلام. لقد حان الوقت كي نفهم أننا بحاجة إلى طيارين من أجل تطوير الطائرات وليس إلى راكبي دراجات.

بعد إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين سيتم تشكيل لجان تحقيق. لماذا كانت هناك حاجة إلى كل هذا الجهاز المرعب بجميع موظفيه وسجانيه؟ وكذلك في عهد كورونا.. من يضمن عدم انتشار الوباء من زنزانة إلى أخرى؟

أعرف أن صرخات ستخرج وتدعي بأن الشر يكمن في الطرف الفلسطيني. وستسحب المذكرات من أجل التذكير بكل حجر وكل قنبلة تم إلقاؤها، وكأن الجنود الذين وقفوا أمام الفلسطينيين حملوا في أيديهم الورود. على الإسرائيليين أن يفهموا بأن الفلسطينيين أيضاً يعتقدون بأن الشر موجود في الطرف الآخر، الإسرائيلي. وإذا جاء كل طرف مع ترسانة شر الطرف الآخر فإن حرب يأجوج ومأجوج ستستمر بلا نهاية.

تخيلوا آلاف السجناء الفلسطينيين وهم يعودون إلى بيوتهم. ألا يخلق هذا أملاً؟ وهل سيخرج شيء جميل من كورونا، وهذه المرة ستكون هناك فائدة للشعبين؟ لقد حان الوقت للتفكير من خارج الصندوق.

بقلمعودة بشارات

هآرتس 20/4/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية