هذه الجملة المبتورة هي جزء من صدر بيت لأبي الطيب المتنبّي يقول فيه: لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ والعَصَا مَعَهُ.. لا تقرأ هذه الجملة اليوم مثلما كانت تقرأ أمس، رغم أنّ حروفها وكلماتها لم تتغيّر، ورغم أنّ شيئا من رمزيّتها لم يتحوّل مثلما سنراه لاحقا. في عصر حقوق الإنسانِ لا يُشترون العبيد ولا يباعون، وكانوا يشترون قديما ويباعون، ورغم هذا التغير، ما تزال الجملة مستعملة وصالحة، لأن تدلّ على شيء من المعاني التي وضعت لها أوّلا، ولكن على المعاني التي لم توضع لها في ذلك الوقت.
ففي عصر بيع العبيد وشرائهم فإنّ النهي عن شرائهم، يمكن أن يكون مفهوما باعتبار المعنى المباشر للكلام، لكن لا معنى لهذا المعنى في عهد يمنع فيه الاتّجار بالبشر دوليّا، فيصبح النهي ذا معنى جديد. ههنا تطرح أسئلة بسيطة من نوع، كيف نفهم أقوال القدامى بحيثيّات عصرنا؟ وأخرى معقّدة : هل يموت المعنى الحرفيّ للكلام ويظلّ المعنى الحافّ وحيدا؟
الحقيقة أنّ الدلالة العرفانيّة Cognitive Semantics تجد في هذه الأسئلة البسيطة منها والمعقّدة شيئا من اهتماماتها. فهي على سبيل المثال، وردّا على السؤال الثاني الذي اعتبرناه معقّدا، ترى أنّ المعنى الحافّ ليس مستوى مفصولا من مستويات المعنى، مثلما يريد البلاغيّون القدامى وبعض علماء الدلالة المحدثون إقناعنا به ونقتنع.
المعنى الحافّ الذي لكلمة (عبد) وفي استعمال المتنبي أو غيره، هو جزء لا ينفصل عن البنية الدلالية للكلمة نفسها. فإن نتحدّث عن عبد حقيقي يباع ويشترى وعن عصا حقيقيّة تلازمه عند البيع والشراء، أو أن نتحدّث عن الشخص اللئيم الذي فقد حريّته، ولازم سيّدا يعتاش منه، فهذان المعنيان هما جزءان من بنية دلالة عبد، التي اكتسبتها عبر التاريخ أثناء تعامل الناس معها في اللغة.
ولا يعتقد علماء الدلالة العرفانيّون بفكرة الشروط الضرورية والكافية، التي تعود إلى أرسطو، والتي اعتمدت في تعريف الكلمات أو الوحدات المعجمية، وحققت بها المدرسة البنيوية فتوحا في علم الدلالة بفكرة السمات المفيدة. تحنّط الدلالة السيمية معاني الكلمات، في ما تعدّه سمات قليلة وضروريّة وكافية للتعريف بأيّ كلمة، فعبد مثلا في التصور الكلاسيكي هو الإنسان الفاقد للحريّة والمملوك لشخص، لكنّ هذه السمات سقطت بالتطوّر، بل إنّ أبا الطيب المتنبي يستعملها في غير هذا السياق من الاستعمال، لأنّه ينعت بها السيّد كافور الحاكم بأمره والآمر الناهي. سيقول أهل الحلّ الكلاسيكي والعقد البلاغي إنّ الكلمة تستخدم في سياق مجازي ممكن.. يجيبهم أهل الدلالة من العرفانيّين جوابا يطول في ما يلي بعض منه.
يرى شارلز فيلمور أن البشر وهم يدركون الأشياء ويفكرون فيها ويتواصلون حولها باللغة، يستنجدون بطرق مهيكلة ومنظمة لتأويل تجاربهم، يسمّيها التأطير. فنحن لا ندرك على سبيل المثال الوحدات اللغوية من نوع «عبد»، مفصولة عن إطار ثقافي يمثّل معرفتنا الموسوعيّة، التي نكتسب العبارات فيها ولا نكتسبها معزولة عنها. ففي أيّ عبارة بسيطة مثل عبد أو معقّدة «لا تَشْتَرِ العبد إلاّ والعصا معه» لا يمكن أن نفهم دلالة الكلم إلاّ بالاعتماد على معرفتنا التي لنا حول هذه العبارات، فالكلمات ليست مجموعة سمات إن جمعناها في مفهوم أدركنا المعاني، بل المعاني تكمن في تشكيلات من المعارف المكتسبة بالتجارب، التي تتواضع عليها جماعة لغويّة معيّنة.
إنّ تجاربنا مع العبوديّة اليوم تختلف عن تجارب غيرنا في السابق معها، فهم عاشوا ولا شكّ العبوديّة الفعليّة، التي تفقد صنفا من الناس حرّياتهم وتجعلهم مملوكين لأسياد يبيعونهم ويشترونهم في سوق النّخاسة.
المنوال الدلالي المبني على مفهوم الإطار أو المنوال العرفاني المثالي، يأتي في هذا السياق العرفاني ليبيّن أنّ المفاهيم القاموسيّة ليست كافية، ولا هي مداخل مفيدة ولا عمليّة، لكي تبين عن الطريقة التي ندرك بها الكيانات من نوع (عبد).
إنّ تجاربنا مع العبوديّة اليوم تختلف عن تجارب غيرنا في السابق معها، فهم عاشوا ولا شكّ العبوديّة الفعليّة، التي تفقد صنفا من الناس حرّياتهم وتجعلهم مملوكين لأسياد يبيعونهم ويشترونهم في سوق النّخاسة. هذه تجربة عاشَها القدامى، وتغيرت التجربة الملموسة، لكنّها ظلت بما هي تجربة جزءا من فهمنا اليوم لعبارة عبد. التجربة المعيشة واليومية تزول، ولكنّها تصبح معرفة عن نوع من الحياة كانت وزالت وتظل خلفيّة من الخلفيّات التي نفهم بها العبارات، من هذه الخلفيّة التاريخيّة استفاد المتنبّي حين استعمل لفظة عبد في سياق الصدر المذكور، وهو يتحدّث بها عن مهجوّ، حديثا فيه إيماء للحطّ من شأنه. التجرية الموسوعيّة المتواضع عليها: أنّ العبيد يباعون ويشترون هذا لا غبار عليه ، يستخدمها أبو الطيب المتنبي في سياقين جديدين من المعرفة الموسوعيّة غير المتواضع عليها ويريد الشاعر أن تصبح أمرا من المواضعة الجديدة: السياق الأوّل هو سياق البيع بالملازمة، وقد عبّر عنه بأسلوب الحصر: التلازم بين شراء العبد ومعه العصا حتى يتأدّب بها. والسّياق الثاني هو سياق حقيقة العَبْدِيّة (أي كون الشخص عبدا) إنّهم رهط من البشر يستحقّون أن يكونوا في وضعهم ذاك، فهم «أنجاس مناكيد». التجربة العامة المكتسبة بالتواضع العام (شراء العبيد وبيعهم) لا ترتقي إلى درجة المواضعة الثانية، الناشئة التي يريد المتنبّي أن يقنع بها الناس كي يكسبها بعدا تعبيريّا يشبه المواضعات: يُسمّى ذلك حكمة. الحكمة هي تجربة عقليّة مبنيّة على إمكان وجودي يجعلها قابلة لأن تكون. وبالطبع لا يتصوّر من بائع عبد أن يحمل معه العصا يتصور ذلك من بائع دابة هوجاء، لا من بائع بشر. هذا التصور الذي ينتجه القول هو تجربة فريدة يصطنعها الأدب من التجارب المعيشة المتواضع عليها.
حين نتعامل اليوم مع « لا تشتر العبد ..» نحن نتعامل معها في سياق عمليّة تواصل process of communication كما يقول تالمي، والطريقة المثلى من التعامل مع الأشعار على أنّها عمليّة تواصل تتمثل في أن نضيف إلى وصف النحو والمعجم وصفا لـ«الأطر التفاعليّة والعرفانيّة» التي بها يؤوّل مستعمل اللغة محيطه، وبه يشكّل رسالته ويفهم رسائل الآخرين، وهو بذلك يراكم أو يبدع حسب تالمي «منوالا داخليّا عن عالمه». هنا نتساءل ماذا يمكن أن تعني «عبد» لتلميذ في البكالوريا يدرس قصيدة المتنبي التي فيها هذا البيت في مقرّر؟ هل سيفهمها كما فُهمت قديما؟ هل سيعنيه أن يباع العبيد، ويشترون كما كانوا يباعون ويشترون؟ هو سيفهم العبيد فهما لا علاقة له بلونهم ولا بفقدان حرّيتهم الحقيقيّة، سيفهمها في إطار علاقة جديدة بين من يريد أن يسلب عن إنسان معاصر له قريب من هواه حريته. يمكن أن يرى نفسه عبْدًا لشخص ما تربطه به علاقة تبعيّة، فتبعيّته المادّية لأبيه مثلا ستجعله يرى نفسه عبدا لأبيه، وربّما رأى نفسه عبدا لأيّ سلطة قاهرة غاشمة، تمنعه شيئا أو أشياء يريدها يمكن أن تكون المدرسة نفسها بقانونها الذي يراه غاشما. وحين يفهم تلميذ البكالوريا العبوديّة، هذا الفهم هل سيفهم عبوديّة كافور في سياق من سياقات الهجاء التي أريدت له؟ سيسعى المدرس إلى أن يقنعه بسياق الهجاء، والمعاني التي يريدها المقرّر سيفهمها مرغما، ولكنّه سيجدها معانيَ منبتّة لأنّه في جزء من تجربته اليوميّة يرى نفسه عبدا ويرى كافورا قريبا أقرب من المتنبي نفسه. تظل المدرسة اليوم بآلياتها وقوانينها وطرقها في التعامل مع المتعلم اليوم غير عارفة بما يحدث في عالم المتعلم النفسي وهو يقرأ ما يقرأ.. تظلّ تحمل إليه نصوصا من الغياب، وتريده أن يتعامل معها بوعي، وهي تغرقه أكثر فأكثر في الغياب غياب يشبه تذهب إلى حدّ ما الغيبوبة.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية