ليس هناك الكثير من المدن الصغيرة في العالم التي أثارت هذا القدر الكبير من المشاعر كالعاصمة النرويجية أوسلو. مدينة هادئة، شاعرية، لطيفة وباردة، تختلف كثيرا عن الشرق الأوسط، ومن لبابها المتلظي الذي بين القدس وغزة. زرتها بمناسبة منح جائزة نوبل للسلام لإسحق رابين، وشمعون بيرس، وياسر عرفات. تأثرت بالحدث، ولكن الحقيقة هي أني تأثرت بقدر لا يقل في حقيقة أن أعضاء فرقة «رد هوك تشيلي بابر» نزلوا في الفندق نفسه والتقيتهم في الطريق إلى وجبة الفطور.
الفرقة لا تزال تعزف، وأغانيها أصبحت تراث روك عالمي. بينما الشخوص الذين تلقوا في حينه شرف الملوك لم يعودوا جميعهم على قيد الحياة؛ رابين قتل، وعرفات مات في المقاطعة، وبيرس تمكن من اجتياز نحو ثلاثة عقود أخرى من النشاط الجماهيري، ولكنه لم ينجح في تحويل ذاك الحدث إلى تراث متفق عليه وواضح. مرت 25 سنة منذ التوقيع على الاتفاق في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض، وأوسلو لا يزال موضع خلاف عميق عن ماهية الفشل، وشدة العمى، والثمن والثواب.
من الصعب على معظم الناس التقاط السياقات في الالتواءات. فنحن نفضل صورة عالم واضحة: أسود أو أبيض، حرب أو سلام، نجاح أو فشل، تقسيم أو ضم. ولكن بعد 25 سنة من التوقيع على الاتفاق هناك أكثر من 50 لونا للنزاع في قصة أوسلو، ومعظمها نتاج الظروف، والأحداث التي كانت أقوى من القرارات ومبدأ واحد مركزي يقرر كل القصة: إسرائيل لم تقرر حتى اليوم ما الذي تريده حقًا.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفعل بقوة الذراع ما أراد كثير من الإسرائيليين عمله للفلسطينيين منذ سنين: يجبي منهم ثمنًا. فهو يفكك المسلمة التي تقول إنه يمكن خوض المفاوضات من موقف ضعف وإملاء الشروط، ويدفعهم نحو الحائط. هدف إدارة ترامب هو إجبار الفلسطينيين على العودة إلى طاولة المفاوضات بدون شروط مسبقة ومع انفتاحية لقبول صيغ أخرى باستثناء إما كل شيء أو لا شيء. هذا الأسلوب الفظ والتذبذبات اللفظية لا تشهد بالضرورة على أن هذا خطأ فظ. هذه محاولة مشوقة لاستخدام القوة السياسية العنيفة للوصول إلى نتائج. ترامب يريد عقد صفقة. السؤال هو هل هذا هو ما تريده حكومة إسرائيل؟
لعل موشيه كحلون يريد ويحتمل أن تساحي هنغبي قادر على الدفع إلى الأمام ببضعة سياقات مركبة، أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وافيغدور ليبرمان، وآييلت شكيد ونفتالي بينيت، فيريدون شيئًا آخر، يريدون تفكيك المبنى الفلسطيني القائم وإضعافه وتركه يصل إلى وضع يكون فيه ممكنا إملاء الشروط عليه من طرف واحد. لا يريدون صفقة لأنهم لا يريدون شريكا حقا.
إسرائيل لم تقرر إذا كانت مستعدة حقًا للتنازل عن جزء من الوطن التاريخي للشعب اليهودي كي تتحرر من المسؤولية عن ملايين الفلسطينيين ومنع خطر التدهور الذي قد يؤدي في المستقبل إلى دولة ثنائية القومية.
لم تنجح إسرائيل في الوصول إلى توافق حول ذلك في اليوم السابع لحرب الأيام الستة وبعد 50 سنة من ذلك لم يتخذ القرار. حكومة إسرائيل تصل إلى لحظة ذروة أخرى بلا خطة، بلا رؤيا.
الوف بن، محرر «هآرتس»، كتب قبل نحو سنة أن خطة نتنياهو هي الانتصار المطلق، وسحق الحركة الوطنية الفلسطينية، وحسم الصراع الوطني في ظل إلغاء كل أساس للمطالبة الفلسطينية بتحقيق حقوق وطنية في بلاد إسرائيل. يحتمل أن يكون هذا هو الاتجاه. إذا كان هذا هو الهدف، فالطريق معوج، وملتو وكاذب. ووفقًا لهذه النظرة، فإن نتنياهو ضلل ناخبيه ورؤساء الولايات المتحدة وكل رؤساء الوزراء الذين التقاهم في كل مرة. وعلى الطريق هيأ إمكانية الفكرة اليسارية للتقسيم ونفذها عمليًا في 1996 في اتفاق الخليل، في محادثات واي، بمنح دعم كاف لخطوة فك الارتباط عن غزة، التي فر منها في اللحظة الاخيرة بذريعة شبه فنية، وبعد ذلك مع أبو مازن في إدارة أوباما.
نتنياهو ربما يريد الحسم المطلق، ولكن هذه لم تكن خطة مرتبة مسبقًا، بل إمكانية طرحت حين أتاحت الظروف فحص الفكرة. هذا مفهوم يشبه جدًا الفكرة الفلسطينية: إما كل شيء أو لا شيء. ينبغي الأمل في أن تكون لرئيس الوزراء رؤيا، وذلك لأنه لا يعلن عنها وحتى في الآونة الأخيرة يمتنع في الأحاديث المغلقة من وصف السياسة التي يؤمن بها. هذا بالضبط ما حصل في مسيرة أوسلو.
الخيار الأقل سوءا
لقد ولد اتفاق أوسلو انطلاقا من الاضطرار ومن رغبة القيادة في تقليص الضرار. من وصف هذا مؤخرًا بصوت واضح ودقيق هو وزير العدل في حكومة كديما، البروفيسور دانييل فريدمان. في مقال في «يديعوت احرونوت» كتب فريدمان أن اتفاق أوسلو هو وليد الرفض والصد لكل البدائل الأخرى من جانب اليمين: «بعد حرب الأيام الستة كان لإسرائيل مبدآن، كان عليهما إجماع من كل التيارات المركزية في المجتمع الإسرائيلي: لا للدولة الفلسطينية ولا للعودة إلى الحدود ما قبل الحرب… في هذه الظروف لم يتبقَ سوى حل معقول واحد: اتفاق مع الأردن حول الضفة ومع الأردن أو مصر حول قطاع غزة. وصف فريدمان كيف أيد اليمين اسحق رابين في الموضوع الأردني: مناحيم بيغن، الذي وقع على اتفاق سلام مع مصر، وافق على منح حكم ذاتي للفلسطينيين ودفع الأردن إلى خارج الاتفاق، وعندها صد شامير «اتفاق لندن» الذي بلوره بيرس مع الملك حسين وتضمن نقل فلسطينيين إلى أراضيهم. وأجمل فريدمان يقول إن «الحل الذي اختاره رابين، اتفاق أوسلو، كان سيئًا، ولكنه ثمرة الظروف التي استبعدت الحل الأردني، وكانت فيه على الأقل محاولة لمنع أوضاع أسوأ.
لقد ولد اتفاق أوسلو كمبادرة فعل لتغيير الوضع الذي علقت فيه إسرائيل بعد أن استبعدت إمكانيات مختلفة لنقل المسؤولية للفلسطينيين، فشل «الزعامة المحلية» في روابط القرى وسد الخيار الأردني. وانشق الطريق إلى الحكم الذاتي وقرر سابقة الأرض مقابل السلام هو مناحيم بيغن، الذي فعل ذلك بخلاف وعوده للناخبين.
لقد اعترف الاتفاق بالواقع على الأرض، الذي يقول إن عرفات وم.ت.ف هم الزعماء الشرعيون للفلسطينيين. والفرضية السياسية لقادة اليسار، في أن عرفات سيتحول من زعيم إرهاب إلى زعيم سياسي، فشلت. فرئيس م.ت.ف نفذ في زمن محدود ما وعد به وبعد ذلك عاد لعمل ما يعرف ما يعرفه: الإرهاب والضغط.
لقد طور الواقع الذي خلقه اتفاق أوسلو آلية مثالية لمواصلة السيطرة الإسرائيلية في يهودا والسامرة: الحد الأقصى من السيطرة على الأرض والحد الأدنى من السيطرة على الفلسطينيين، من خلال خلق جسم يعنى بالمجاري والتعليم، وبالضرائب ومخالفات السير. غير أنه في اختبار الوقع انهارت الثقة بين إسرائيل والفلسطينيين: اغتيال رابين، ومذبحة غولدشتاين، وسلسلة العمليات، وبناء المستوطنات، وغيرها.
منذ حملتي «السور الواقي» و«الطريق المصمم» في 2002 تثبت اتفاق أوسلو محسن، يسمح بالبقاء للحكم الفلسطيني وللحكومة الإسرائيلية التي تخوض مسيرة سياسية دون أهداف، وتدير النزاع دون الادعاء بحلها. فضلاعن ذلك: اتفاق أوسلو جثة السلام اليساري الذي تحفظه بالفورمالين حكومات اليمين لحفظ فشل اليسار دون عرض بديل حقيقي لإدارة النزاع أو إنهائه. غير أن هذه الاستنتاجات تبدو قاطعة جدًا بالنسبة للواقع المركب.
على جدول الأعمال في هذه اللحظة مسألتان مشوقتان: هل الضغط الشديد يمكنه أن يصمم الزعامة الفلسطينية في اليوم التالي لأبو مازن؟ وهل يمكن لإسرائيل أن تستغل العامل الأمريكي لتصميم واقع في داخله مشروع حل وسط يؤدي إلى الحوار وربما إلى تسوية؟ لكل الشكاكين أوصي بالعودة إلى لحظات جس النبض بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والتفكير بالدروس التي يمكن استخلاصها منها.
اودي سيغال
معاريف 14/9/2018