لا أحد يستطيع ضبط ساعة التغيير

حجم الخط
0

على مدى أقل من شهر فقط، تلاحقت الأحداث بتونس بشكل سريع وتصاعدي وفي كثير من الأحيان بشكل مفاجئ جدا لعل التونسيين حكاما ومحكومين لم يضبطوا ساعة هذه الأحداث ولم يتوقعوها في أحلام اليقظة. ذلك أن النظام التونسي جثم على الصدور لأكثر من عشرين سنة بقبضة من حديد يضرب بها المثل في الشدة والاستقواء والحنكة البوليسية.

فقد صنع على مدى هذه السنين مخالب قوية وأذنابا امتدت وتغلغلت حتى كدنا نحسبها استقرت بداخل العقل التونسي. فلعل الصورة النمطية لهذا الشعب المستقرة بذهن الكثير منا أنه شعب اغترف من أنهار بورقيبة الآسنة فصب عليها بن علي الأوحال وصار مكبلا ضمنا وقالبا بارادة الأسوأين. ثم أن النظام قد مد ذيوله خارجا وازداد استقواء بشهادة السيرة الحسنة عند الراعي الأمريكو- أوروبي ولا شك أن الشهادة المقصودة هنا لا ينال شرفها الا من أثبت جدارته بالحرب على الارهاب المزعوم وبالقمع الكبير للاسلاميين. ولهذه الأسباب كلما تم الحديث عن عن انتفاضة الشعوب يتم ذكرالشعب التونسي همسا في الصفوف الأخيرة. ها هو اليوم يقدم لنا درسا في الشطارة الشعبية ويثبت لنا انه لم ينهل من البنعلية والبورقيبية سوى ما يجعله قادرا على اللفظ والاسترجاع ويعلمنا أن منهله انما كان قول شاعره الفذ في ارادة الشعب للحياة. لقد سبق للتوانسة ان تحركوا بمطالبهم الاجتماعية في الرديف من عهد قريب. وتم تطويق الأحداث كما كان متوقعا ومنضبطا ومتماشيا مع فكرتنا عن النظام في تونس. فما الذي جعل القدر يستجيب الآن لارادة الشعب في الحياة؟ ان بطل الثورة والذي صنع التغيير المنشود كان التراكم، أعتقد أننا هنا في عالمنا العربي المنهك لا شيء باستطاعته ان يصنع التغيير الحتمي اكثر من تراكم الانهاك ذاته، فعجلة الحياة دائرة وماضية نحو التغيير الحتمي بحكم انقضاء سنين الذل في ذاتها ولذاتها، وبحكم استنفاذ خلايا القهر لذاتها فتبدأ بتحطيم نفسها بنفسها. نقطة النهاية وأوج المرحلة قد بدأت تتشكل في كل بقعة من عالمنا العربي المريض، ذلك أن كل الظروف والمتغيرات في العالم صارت لصالح هذا التغيير والانقلاب، بحكم السموات المفتوحة: عصر الفضائيات والانترنت والهواتف النقالة، صار سهلا جدا تواتر الفكرة والخبر لانضاجهما وتهيئتهما، وصار صعبا جدا بالمقابل أن تقبر الحوادث العظام التي كان يرتكبها الجلادون ويقبرونها في طيات اللامسموع اللامرئي عن عيون وآذان العالم. مع هذا وذاك فالمرجح أن الشعب التونسي حين انتفض لم يكن يحسب أن يكون لانتفاضته كل هذه النتائج المذهلة، فقد كانت مطالبه وشعاراته أولا اجتماعية لا ايمانا منه ان تلك هي اقصى طموحاته بل ظنا منه ان ذلك اقصى ما يمكن ان يحصل عليه، لكن النظام فاجأه سريعا بردة فعل التمسكن وتقديم بعض التنازلات فكسر حاجز الخوف وانتقل رأسا ليعبر عن وعيه الدفين انما رغبته الكبرى أن يرى سر بلواه يرحل. وكانت المفاجأة المذهلة أن رحل رأس النظام فعلا، وسقطت نظرية المدد الأمريكي والأوروبي وقبضة الحديد الداخلية، والنظرية القائمة الآن هي أن لا شيء مستحيلا في الدنيا. لقد أثبتت الأحداث بتونس أن هذه الأنظمة هي الآن أوهن من بيت العنكبوت، لأنها وببساطة قد وصلت الى مرحلة الخرف، وبدأت أجهزتها الداخلية والخارجية تتعطل، وقد أينعت رؤوسها تماما وقد حان قطافها، ولا تحتاج سوى لجهد بسيط يتم فيه كسر حاجز الخوف والاجهاز عليها بضرية. لله درك يا تونس الخضراء، الآن فقط أينعت خضرتك وتعطرت شواطئك البهية، الآن فقط تمسكت الأترجة في ثراك وتنورت الزيتونة، الآن فقط صدحت القيروان وتنفست قرطاجنة. فمن التالي؟ نعيمة هرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية