صارت الجملة لا أستطيع التنفس I can’t breathe جملة عالمية، بعد أن نطق بها المواطن الأمريكي ذو الأصول الافريقية جورج باري فلويد يوم 25 مايو/أيار المنصرم، ورقبته تحت ركبة ضابط شرطة أمريكي يريد توقيفه، وبقية الحكاية باتت معروفة للقاصي.
ما يعني اللساني في هذا السياق هو، سرعة انتقال هذه الجملة وتوظيفها توظيفا رمزيا في الاحتجاجات، لا على حدث القتل المأساو،ي بل على الشعور بالضيم والتهميش والاضطهاد بين الطبقات المسحوقة. ما يعني اللساني هو تتبع تحول المعنى المسمى «حقيقيا» لا إلى» مَجَازٍ» بل إلى رمزية.
حين أكون في غرفة يدخن فيها كثيرون سجائرهم وأصيح: لا أستطيع التنفس! فإن كلامي سيكون محمولا على الحقيقة، لكنها حقيقة غير تلك التي دفعت جورج فلويد إلى أن يقول: لا أستطيع التنفس، فأنا أستطيع أن أفتح النافذة أو أخرج من الغرفة ليدخل هواء منعش، لكن فلويد لا يستطيع ذلك، فعليه أن ينتظر فرجا قريبا من ركبتي الشرطي، قد يأتي وقد لا يأتي. يبدو مفهوم الحقيقة الذي يبني المعنى الأصلي مفهوما عاما، لا يُطمَأن إليه، من جهة إدراكنا إدراكا دقيقا للمعنى الأصلي الذي سيتطور إلى مجاز.
حين رفع المتظاهرون بعد موت فلويد لافتات كتب عليها: لا أستطيع التنفس، كانت الجملة شاهدا على حالة عامة، عبّر عنها فرد بجملة عابرة. هل تلك الجملة في اللافتة، وهي آخر ما قاله فلويد، كلامٌ على الحقيقة، أو على المجاز؟ هل هي رمزٌ أم هل هل هي شعارٌ؟ يبدو التصنيف الكلاسيكي حقيقة مجاز غير مفيد في هذا السياق، لأن هذا الكلام الذي صار شعارا بات مطلبا جماهيريا، وفعله الاحتجاجي هو الذي يعني المحتجين والساسة معا، ولا يهم عندئذ أهو مجاز أم حقيقة.
لا أستطيع التنفس I can’t breathe اسم لأغنية يغنيها قبل الحدث مغني هيب هوب كندي من أصول نيجيرية يلقب بداكس Dax تقول بعض كلماتها وهي باللغة الإنكليزية: «هلا شعرت يوما بهذا الثقل على صدرك؟ سيجعلك ذلك لا تستطيع التنفس، أنا أجاهد كي أجد توازنا بين ما أريده وما أحتاجه». الأكيد أن من سيسمع هذه الأغنية في هذه الأيام سيربطها بالحدث، الذي ذكرنا، يمكن أن يقرأ عندئذ المجاز في سياق الحقيقة، وإذن لا بد من سياقٍ واقعي تنزل فيه الأغنية، وهذا معناه أن المجاز لا يحتاج حقيقة كي يفهم، بل يحتاج حقيقة كي يؤطرَ.
يبدأ الكلام في الأغنية عن وطأة شيء ثقيل على الصدر، تمنعه من التنفس. المعنى الطرازي الحقيقي، يجعل الثقل جاثما على الصدور لا على الرقاب، بعكس وقائع الأحداث التي جدت. الاختناق حالة وحبس التنفس حالة أخرى، لا نريد الإطالة في تفصيلها. التنقل بين ما يعرف تقليديا بالمعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ليس منظما بالطريقة التي ضبطها الدرس البلاغـــي القديم: إن المعنى الحقيقي هو معـــنى وضعي أول للكلمة لا يحتاج إلى معنى آخر يستند إليه كي يفهم؛ وأن المجاز هو على حد عبارة الجرجاني «كلمة أريد بها غير ما وقعت له، في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول». هذا التصور المبسط هو الذي جعل الحقيقة سابقة في الاستعمال من المجاز، وغير محتــاجة إلى أن تتعـــرف بشــيء آخر غير ما وضعت له فكأنه لا بد لكل مجاز من استعمال حقيقي يفسره.
يمكن أن تعيش دهرا ولا ينحبس نفسُك ولكن يمكن أن تشعر مرات ومرات، بأنك سجين النفس ضيق الهوى، مكبل الجناح.. أو أن هناك من يضيق على فكرك أو شعورك بالمراقبة أو بالتهديد أو غيرهما.
إن العدول الذي حدث في التفكير الحديث، هو في الانتقال من الكلام عن الوضع والمواضعة اللغوية إلى المواضعة التجريبية، ومن «ملاحظة» الفرق بين المعنى الأول والثاني، إلى إدراك الكون، لا بما هو كلام، بل بما هو كون منشأ. لا نحتاج اليوم تمييزا بين الحقيقة والمجاز بهذه الاعتبارات الدلالية المبنية على المواضعة، على أن الحقيقة هي المعنى الأول والملموس، وأن المجاز هو المعنى المجرد والمصور أو الممثل. فمن غير المقنع أن نميز إدراكا بين من يقول «لا أستطيع التنفس»، في سياق قطع النفس الفعلي، كما عاشه فلويد، على أساس أنه المعنى المرجعي الحقيقي ومن يقول «لا أستطيع التنفس» في سياق القلق وانسداد الأفق أو التحجير على الحريات، على أساس أنه المعنى المعدول أو المجازي. عدم الإقناع في ذلك نابع من أن المعنييْن متعاملان وليس لأحدهما السبق على الثاني. التصور التقليدي للمجاز، يعتبر أنه لا يمكن أن يفهم عدم التنفس في معنى التضييق على الحرية، إلا بالاستناد إلى معنى الحرمان من التنفس في معناه الطبيعي. الحق أن هذا صحيح لكنه غير مكتمل، فكما لا يمكن أن نفهم التنفس المجازي، إلا في معناه الواقعي، لا يمكن أن نفهم التنفس الواقعي في معناه المجازي. فإن يشعر الإنسان بأن شيئا ما جاثم على صدره يختلف عن تقديره ذلك الجاثم بالضبط. إن انقباض النفس هو شعور بالضيق ندركه على أنه نوع من أنواع الحبس الكثيرة، كحبس الحركة وحبس النفس وحبس الفكر وغيرها، فالحبس بما هو تضييق وسد لمنفذ للخروج أو التسرب الحر، حقل إدراكي واسع يتخصص بهذه الأنواع المعروفة والكائنة في نطاق مسترسل، يبدأ بالمرئي البسيط وينتهي بالمجرد المعقد، وهو ليس كائنا في ثنائية تتألف من زوجٍ تقابلي: حقيقة/ مجاز.
يمكن أن تعيش دهرا ولا ينحبس نفسُك ولكن يمكن أن تشعر مرات ومرات، بأنك سجين النفس ضيق الهوى، مكبل الجناح.. أو أن هناك من يضيق على فكرك أو شعورك بالمراقبة أو بالتهديد أو غيرهما. من حجب التنفس عن شخص بالضغط على رقبته، أو بالضغط على صدره اختار ذلك عمدا في صورة يمكن أن نراها ورأيناها بالفعل، لكنْ من ضغط على روحك وأسرها وجعلها رهينة أمره اختار ذلك أيضا عمدا، لكن في صورة لا يمكن أن تراها ولا أن تجسدها. الفاعلُ غير مرئي والفعل أيضا والروح المعتدى عليها لا يمكن رؤيتها. في هذه الحالة نحتاج كي نصنع صورة مرئية، أو كي نبني مشهدا يقرب الأحوال إلى مثل هذه المشهدية الطرازية، التي تقرب للناس إذ هُم ونفوسهم في محابس تشبه من قطع عليك نفَسَكَ.
يختار الناس لتمثيل المعاني الموغلة في الإبهام، أو في التخفي صورا أقرب إلى التعبير عن تلكم المعاني الذاهبة في الأغوار بمشاهد أو صور تبدو لنا من أول وهلة شبيهة بأخرى ملموسة، ولكن الشبه هو في الحقيقة تمثل وتقريب، وليس شبها فعليا. قلقي من شيء لا علاقة له في الحقيقة بحبس نفسي عند التنفس، إنما هو إيهام أتوهمه كي أفهم غرابة حالتي واستعصاء نفسي عن أن تدرك راحتها. سيضعف الشبه أو سيزول الإيهام، وبزواله ننتقل من علامة إيقونية إلى علامة رمزية. العلامة الإيقونية تبقي الشبه بينها وبين ما تمثله، بينما لا شبه بين الرمز وما يمثله، فالعلاقة اعتباطية. أن تقول وأنت في قمة الضيق «لا أستطيع التنفس» فأنت قد أخذت دالا قديما لمدلول جديد تماما، كما تتخذ صورة الحمام لا لتمثل الحمام بل لتمثل السلام، أو أن تتخذ صورة الباخرة لتمثل الحرية، أنت إذن لست تنتقل من حقيقة إلى مجاز، بل تنتقل من علامة إلى علامة أخرى، ولا توجد علاقة مشابهة لا بين العلامة الأولى ودلالتها، ولا بين العلامة الثانية ودلالتها الجديدة لأنك تنتقل داخل مجال واحد هو الرمز.
أنا لا أستطيع أن أتنفس، جملة عجيبة حين تقولها شاكيا من ضغط شيء كالركبة على رقبتك، يمكن أن تكون دليلا على توديع الحياة.. وحين تقولها شاكيا من القلق والبرم والتضييق تكون دليلا على أمل في الحياة.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية