لا أقل من الدخان الأبيض
لا أقل من الدخان الأبيض لم يحصل في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية في فلسطين أن وصل الخلاف السياسي داخل صفوفها الي حد رفع السلاح باتجاه الداخل ما أدخل القضية الفلسطينية في منعطف سياسي خطير تجاوز في امتداداته الي ما هو أبعد بكثير من اقتتال بين حركتي فتح وحماس علي سلطة لا وجود لها علي أرض الواقع في ظل الاحتلال.ما قاله الشارع الفلسطيني في الداخل والخارج وكل مؤيدي ومريدي القضية الفلسطينية هو بمثابة صرخة استغاثة أخيرة مفادها أن اقتتالكم هذا لن يبقي ولن يذر ولا مكاسب سياسية لأي منكما والمحصلة النهائية هي دمار شامل للقضية ككل. جميل أن يلتقي الفرقاء من الكعبة المشرفة، وجميل أن يضع الأعدقاء يدهم علي القرآن الكريم مقسمين ان يعودوا الي الاقتتال الداخلي. المهم أن يدرك الجميع أن الشارع الفلسطيني هو أكبر بكثير من أزلامهم المدججين بالسلاح. والوطن بحدوده الجغرافية وموقع القضية الفلسطينية علي الصعيد العالمي أكبر من كل أولئك المجتمعين ومكانتهم ومواقعهم المستمدة أصلا من شارع هو مصدر ما وصلوا اليه وليست مستمدة من بطانة هنا أو بطانة هناك..بالرغم من ادراكنا لمدي الهوة التي تفصل بين الفرقاء فهم مطالبون أن يستدركوا ما أوصلونا اليه، فلا الأجندة الأمريــــكية ورؤية الــسيد بوش ستأتي بالفـــرج القريب، ولا الدخــــول في التحالفات الاقليمية هو الحل الناجع لمستقبل القضية الفلسطينية. وتجارب السنين خير شاهد علي أن الاعتماد علي ما هو خارج حدود الوطن هو رهان علي حصان خاسر.ان كان لا بد من الافادة من الأحداث الأليمة التي شهدتها الساحة الفلسطينية فهي أن الملفات الخلافية تتجاوز منصبا هنا أو منصبا هناك خصوصا أو عبارة مقــــبولة أو غير مقبولة بــــل هناك ملف واحد أساسي يتمثل في وضع استراتيجية واحدة في مواجهة الاحتلال الذي يستمر في قضم الأرض واستكمال بناء الجدار واقامة المستوطنات وآخرها السير بخطي متسارعة في تهويد القدس وفرض سياسة الأمر الواقع علي الأرض مستفيدا من انشغال الفلسطينيين بحروبهم الداخلية.القدس واحدة من الثوابت الفلسطينية التي بدونها لا معني لأي سلام، ولا معني لأي اقتتال علي خلفية الاعتراف بالاتفاقات الموقعة طالما أن الطرف الآخر أي اسرائيل لا تعترف بأي من تلك الاتفاقات والتفاهمات، ولا حتي باتفاق أوسلو الذي تعتبره كثير من الأوساط الاسرائيلية ثاني أعظم انتصار بعد اعلان قيام الدولة العبرية.هناك حرب فعلية تدور رحاها عند باب المغاربة في القدس، واليها يقتضي الواجب أن تكون كل البنادق موجهة نحوها. لقد ترك الاقتتال الفلسطيني أثرا سيئا في النفوس بل انه أحدث جرحا غائرا جعل الشارع الفلسطيني يفقد الثقة بكل الترويكا السياسية، والسؤال هنا هو الي أي مدي يدرك المجتمعون في مكة المكرمة تلك الحقيقة؟ان السبيل الوحيد للخروج من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه هو الخروج باتفاق كامل حول ملف محاربة الاحتلال وترتيب البيت الفلسطيني وفقا للمعطيات التالية: أولا: ضرورة اعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية علي أسس تتجاوب مع متطلبات الواقع الفلسطيني المعاصر وذلك عبر فتح الباب أمام مشاركة كل التيارات السياسية، وبالمقـــــابل احالة كل من تجاوز السن القانوني علي التقاعد ورفد المؤسسات بدماء شابة وجديدة تتجاوز من يعتبرون قيادات تقليدية. وان كان لا بد من الاحتــــفاظ بهم لأية أسباب فليشكل مجلس تحــت اسم (مجلس المستشارين) للافادة من خبراتهم ان كان لا بد من الحفاظ عليهم كجزء من الترويكا السياسية.ثانيا: التخلص من كل العناصر الفاسدة الذين ما زالوا حتي اللحظة يتمتعون بحصانات وامتيازات ويملؤون الفضائيات بتصريحاتهم وتعقيباتهم وتعليقاتهم علما أنهم معروفون لكل فلسطيني وهم جزء من المشكلة ولا يجوز أن يكونوا جزءا من الحل.ثالثا: دمج كل الأجهزة الأمنية في جهاز واحد يكون شعاره الأوحد الحفاظ علي الأمن والدفاع عن حقوق الوطن والمواطن ووضع حد للفلتان الأمني دون أية اعتبارات جانبية.رابعا: الفصل بين السلطات الثلاث.هذه بعض الملفات التي كثيرا ما تحدثت القيادات السياسية حولها الا أنها فشلت حتي اللحظة من انجاز أي منها. لذا لا بد من وضعها علي مائدة الحوار والخروج بأجوبة ناجعة لها والا فان أي تقصير في حلحلة هذه الملفات سيعيد الخلافات الي المربع الأول.الكل ينتظر انبعاث الدخان الأبيض من الرحاب المقدسة، وهذه الفرصة الأخيرة أمام الجميع فاما أن نكون أو لا نكون.قيس مراد قدرينقيب الصحافيين الأجانب في السويد6