الابعاد ليس سياسة جديدة ولكن مناورة ديمغرافية تمارسها اسرائيل حتي لا تعترف بحقوق الفلسطينيين
لن يكون من الممكن تصديق وعود جهاز الأمن الاسرائيلي حول تغيير السياسة المتبعة الي أن تعود عناية سمارة الموجودة في إبعاد قسري منذ ثمانية أشهر الي منزلها في قرية تقع غرب رام الله، والي أن يعود حميدة عباس الي منزله الذي أُبعد عنه قبل عشرة اشهر ويتمكن من اصطحاب اطفاله الي مدارسهم في رام الله. طالما بقي دخول المواطنين، حملة الجنسية الامريكية والبرازيلية والالمانية، الذين لا يحملون اسم كوهين وشميدت، محظورا علي الحدود، فذلك يعني أن السياسة ما زالت علي حالها: سياسة دفع عشرات آلاف العائلات الفلسطينية الي الانشطار والافتراق ومغادرة منازلها والهجرة الي مكان آخر.
هذه ليست سياسة جديدة في الضفة وغزة. اسرائيل تقوم منذ عام 1967 بمناورات ديمغرافية يليق أن نطلق عليها كلمة إبعاد. الأوامر العسكرية أجبرت 100 ألف شخص علي فقدان مكانة الاقامة الدائمة التي يملكونها في المناطق المحتلة والبقاء كمبعدين في الأقطار التي سافروا اليها للدراسة أو العمل. هذه الاساليب والحيل حولت 240 ألف شخص من مواليد الضفة وغزة كانوا قد غادروا المناطق بسبب الحرب في 1967 و60 ألفا آخرين كانوا في الخارج عند اندلاعها، الي لاجئين جدد.
كل هؤلاء الاشخاص لهم عائلات في المناطق، إلا أن اسرائيل حرمت الاغلبية الساحقة منهم من جمع الشمل في وطنهم (في تلك السنوات عملت اسرائيل علي الاعتراف بحقوق يهود الاتحاد السوفييتي في الهجرة اليها من اجل جمع شملهم مع عائلاتهم في اسرائيل). بعد عام 1994 سمحت اسرائيل لبضعة آلاف من العائلات الفلسطينية بالتوحد من جديد سنويا، إلا أن الحصة التي سمحت بها كانت دائما بعيدة كثيرا عن الاحتياجات الحقيقية، ومنذ عام 2001 جمدت اسرائيل عملية جمع الشمل وحظرت علي الفلسطينيين من مواطني الدول العربية (خصوصا الاردن ومصر) القدوم للزيارة.
حتي عام 2006 كان بامكان الفلسطينيين من حملة الجنسيات الغربية التهرب من هذه السياسة الشاملة. في سنوات التسعينيات اعتبروا فئة وشريحة مطلوبة (استثمارات، تجارا، اكاديميين يعملون في منظمات دولية مثل البنك الدولي)، وحتي إذا لم تحظ اغلبيتهم بمكانة المقيم الدائم، إلا أن اسرائيل سمحت لهم بالعيش فيها أو زيارتها بصورة دائمة. هكذا كان وضع الأزواج والزوجات الاجانب المتزوجين من فلسطينيين وفلسطينيات.
هذا الوضع بقي كذلك الي أن قرر أحد ما في المستوي السياسي بأن هذه التفرقة والتمييز لصالحهم قياسا بمواطني الاردن ومصر هو مسألة لا تطاق، وبذلك صدر حظر علي دخولهم منذ عام 2006. هوية ذلك الطرف السياسي ليست واضحة. منسق العمليات في المناطق قال لدبلوماسيين غربيين بأن المسؤول عن القرار هو وزارة الداخلية، أما الداخلية فتقول أن هذا كان قرارا مشتركا مع وزارة الدفاع.
علي أية حال، نقول ان من اتخذ هذا القرار لم يأخذ في الحسبان أن هذا مساس بشريحة قوية من الشرائح الفلسطينية: ناطقون بالانكليزية وذوي علاقات وصلات مع وزارة الخارجية الامريكية ومع الصحافة الهامة والتجار في اسرائيل والعالم. هم وجدوا طريقة لرفع صوتهم معا خلافا لعشرات آلاف النساء من حملة الجنسية الاردنية اللواتي يختبئن مذعورات في أرجاء الضفة لان اسرائيل لا تعترف بحقهن في العيش مع أزواجهن وأبنائهن.
التغير في السياسة المتبعة تجاه الفلسطينيين حملة الجنسية الغربية، وضع علي طاولة افرايم سنيه من قبل تعيينه نائبا لوزير الدفاع. سنيه اعتقد حينئذ أن لا جدوي من تغيير السياسة وأنه ضار بالمصلحة الاسرائيلية. في محادثة مع هآرتس بدا سنيه صادقا في وعده أن هذه السياسة تجاه الامريكيين والاوروبيين قد ألغيت فعليا، وأن مكتبه يعكف علي اعداد انظمة جديدة تُبسط ولا تُعقد، وتُسهل ولا تُثقل (إلا أنه ترك السامعين يفهمون أن الانظمة لن تشرع بقاء الآلاف ـ خصوصا الكهول والاطفال – الذين لم يغادروا رغم انتهاء مدة اقامتهم). ولكن الفرح مبكر: في المعابر الحدودية واصلوا خلال الاسبوعين الأخيرين منع الدخول ـ حتي لمن تزوجوا هنا ولديهم أبناء، أو اولئك الذين جاؤوا للزيارة. هل هذه مجرد ملحقات للوضع القادم، كما قال سنيه، أم أن ذلك يشير ايضا الي الجهاز الذي لا يعتبر فيه سنيه المقرر الوحيد، كما يبرهن موقف الأقل الذي ينادي به في قضية إزالة الحواجز؟. في الجهاز الاسرائيلي يعملون بصورة مختلطة جماعية: قادة الجيش (بعضهم مستوطنون) مع السياسيين والاكاديميين والقانونيين الذين أصابهم الهلع الديمغرافي. الخط الاخضر ليس قائما بالنسبة لهم، هم ابتدعوا قانون المواطنة الذي وسع التمييز ضد عرب اسرائيل بصورة صارخة ويتدخل في حقهم في الحياة الأسرية. لماذا لا يتصرفون بصورة مشابهة خلف الخط الاخضر حيث يسود القانون العسكري؟.
واذا توقف سنيه عن شغل منصب نائب وزير الدفاع فمن يضمن أن لا يقوم نائب الوزير من كديما بعدم الغاء الالغاء؟ الجهاز الاسرائيلي اليوم يتجاهل أكثر من أي وقت مضي حقيقة أن القمع والتفرقة هما جزء لا يتجزأ من كل حكم احتلالي، وهما اللذان يتسببان بنشوء التهديد الأمني. الحد الاقصي الذي يوجد لديها استعداد للقيام به هو تسهيلات وخطوات ايجابية وليس اعترافاً بالحقوق.
عميره هاس(هآرتس) ـ 27/12/2006