لا بالإخفاء ولا بالاحتفاء… كيف نتلقى الأعمال الفنية المسيئة؟

حجم الخط
1

قرأنا قبل أيام خبر حذف فيلم «ذهب مع الريح» من منصة HBO، تزامناً مع التظاهرات التي رافقت مقتل جورج فلويد، المنادية بشعار «حياة السود مهمة»، للمحتوى العنصري لهذا الفيلم. بعدها بيوم قرأنا خبراً بأن الفيلم ذاته، إثر انتشار الخبر الأول، قفز إلى الأعلى مبيعاً في موقع «أمازون». أخيراً، قرأنا خبراً عن إعادة المنصة للفيلم، إنما مرفق بفيلمين توضيحيين ونقاشين يتناولان البعد العنصري فيه.
أمور عدة يمكن أن نفهمها من توارد الأخبار الثلاثة هذه، قد يكون أهمها، تركيب الموقف الذي يمكن لأحدنا أن يأخذه تجاه عمل فني بمحتوى يتناقض مع مبادئ عامة تخص الإنسانية والعدالة والحقوق، وهو، في هذه الحالة، العنصرية تجاه السود في الولايات المتحدة.
هذه مسألة أخلاقية وسياسية في الوقت ذاته، إنما تخضع، في حالات عدة، لالتواءات يقوم بها، أو يحرض عليها انتهازيون، أو أتباع الصوابية السياسية، أو ساذجون وحسب، وهؤلاء جميعاً لا يبدو أن لديهم مانعا مبدئيا تجاه حظر الأعمال الفنية، بغض النظر عن محتواها، أو ما لم تلائمهم.
حذفت، إذن، المنصة الفيلمين بتصريحها، بأنه حذف مؤقت، لكن المؤقت هذا كان لانتظار حال الشارع، وانحسار المظاهرات فيعود الفيلم العنصري، كما كان قبلها، ما يعني أن الحذف كان لامتصاص غضب الشارع المتضامن مع حقوق السود، وهي بذلك خطوة انتهازية، أسيادُها هم العاملون في مجالات التسويق والمبيعات. ما يعني أن لا خلاف أخلاقياً كان بين المنصة ومحتوى الفيلم، وحذفه بهذا الشكل الانتهازي والأحمق كذلك ربح شركة منافسة هي «أمازون»، وواضح أنه لم يحد من مشاهدات الناس لهذا الفيلم، بل زادها بهذه الضجة. اليوم، لم يكن ذلك الحذف سوى خدمة إلى هذا الفيلم الذي نال مشاهدات قياسية في الأيام الأخيرة.


ليس الحذف حلاً تجاه أي عمل فني بغض النظر عن محتواه، وفي أحيان كثيرة يكون الحذف/المنع/المصادرة سبباً للترويج للفيلم أو الكتاب أو أي عمل آخر (بغض النظر عن جودته/فنيته). ولا يمكن لمصادرة كتاب أن تمتص الغضب، مهما كان هذا الغضب ومعه الانتقادات، على حق. انتقادات مصادرة نظام قمعي ما لفيلم ما (يخطر لي الآن فيلم بيير باولو بازوليني «سالو، أو الـ120 عاما من سدوم») هو انتقاد حقوقي، معني بالحريات، حرية الإبداع وحرية التعبير، وهو انتقاد ملائم لرفض الناس مصادرة السلطات للأعمال وفرضها وصاية عليهم (وليس ملائماً لأناس آخرين). ولهذا الانتقاد حقه. مقابله، هنالك غضب آخر يتسبب في منع الأعمال، ويكون ذلك عموماً لخلفيات محافظة أو متدينة أو فاشية لدى مجتمعات بعينها، فتقوم السلطة المتماهية مع هذه التوجهات بمنع العمل الفني، وهذه الحال تكثر في بلداننا العربية إذ تختبئ بعض الأنظمة خلف قوى اجتماعية معينة (أو تزاود عليها في تخلفها) فتمنع حفلاً (لفرقة «مشروع ليلى» مثلاِ في لبنان)، أو عرضاً مسرحياً (لفرقة «الأمل» مثلاً في فلسطين)، أو كتاباً (من كتب نصر حامد أبو زيد مثلاً في مصر). وإن لم يصل أي من هذه السلطات إلى جرأة النازية في حرق الكتب علناً، كما في الحادثة الشهيرة عام 1933، أو ببساطة مصادرة الكتاب لأسباب مباشرة – بدون حجة أنه يحرض على شغب أو اهتياجات مجتمعية – هي مخالفته مع سياسة الدولة (رواية فاسيلي غروسمان «حياة ومصير» مثلاً)، أو بشكل أكثر خبثاً، كما هو حال الرأسمالية، كإلغاء احتمالات تمويل فيلم ما، لأسباب سياسية، فلا يُنجز الفيلم، («الجانب الآخر من الريح» لأورسن ويلز مثلاً) أو ألف طريقة وحالة أخرى للمنع، وليست هذه الأمثلة إلا ما سبقت غيرها إلى ذهني.
نعود إلى حالتنا اليوم، هنالك تناقض ورياء واضحان في سلوك منصة HBO وهنالك انتهازية تجارية في سلوك شركة «أمازون». صلحت المنصة خطأها بأن أعادت الفيلم مع اثنين آخرين يشرحان تاريخيته وسياقاته، منتقدَين الجانب العنصري فيه، وحسناً فعلت. فلا إبقاء الفيلم محذوفاً سيكون حلاً، كأن المنصة تدفن رأسها في التراب بذلك، ولا إرجاعه كفيلم كلاسيكي وحسب، بدون مقدمات، يكون كذلك حلاً، فلا يُمنع العمل الفني ويُخفى، ولا يُحتفى به وبعنصريته. وهذا ما يجب أن يكون بخصوص كل عمل فني مهما كان محتواه. أحكي عن أعمال فنية وليس بروباغندا بائسة فنياً، فعرض هذه الأخيرة مسيء إلى مقدمِه، قبل غيره، كما هو إلى ذكاء المتلقين وذائقتهم.

تبقى الأعمال الفنية وثائق «صادقة» عن مرحلة بشعة من تاريخ الإنسانية، فلا بد أن تكون، لذلك، بمضمون بشع. هي لا تُحظَر إذن، إنما تؤخذ في سياقاتها التاريخية، مهما كانت.

وكي لا أبتعد كثيراً، ماذا عن الأعمال الفنية الإسرائيلية (أو الصهيونية)؟ إن كانت بمقدمات أو دراسات، أو وثائقيات مرفقة، تشرح العمل وتفكك مضمونه الصهيوني (والكولونيالي والعنصري)، فلتُقدم إلى متلقيها، بل لا بد من ذلك لدراستها، بذلك يكون الفيلم/الكتاب ذاته عملاً فنياً، لا نتخذ حالة إنكار تجاهه – بل الاعتراف بها يصلّب الموقف الساعي للجدال وتفكيك مضمونه – ولا نحن نقدمه كعمل فني وحسب، كأننا نحتفي به، وغير معنيين بمضمونه، وهذه كذلك حالة إنكار مقابلة وتكون للمضمون.
أعطيت هذا المثل كي لا يكون كلامي عن «ذهب مع الريح» وغيره مائعاً في الهواء عن قضية لا تمسني بشكل مباشر، كفلسطيني. المسألة هنا مبدئية وتنطبق على شتى القضايا العادلة التي تتناولها أعمال لها مكانتها الفنية (كقضايا السود ومجتمع الميم في العالم، وغيرها).
هل نرفض موسيقى فاغنر مثلاً لكونه متعاطفاً مع النازية؟ أو نرفض شعر بورخيس لكونه متعاطفاً مع الصهيونية؟ لا نرفضها، فهي موسيقى وقصائد جميلة، ورفضها سيكون استهزاءً بأذواقنا وذكائنا، لكن كذلك لا نجعلها ممراً لمواقفهم الفاشية إلى عقولنا.
لا أقول بفصل العمل الفني عن صانعه، أبداً. هذا نقاش آخر، بل أقول إن الموقف السياسي لصانع عمل فني أو/و المبين في العمل، يجب أن لا يؤثر في الموقف الجمالي تجاه هذا العمل، أو القرار في تلقيه من عدمه، عدا عن الرفض التام بأن تمارس أي سلطة الوصاية على المجتمع فتختار له ما تراه هي مناسباً.
يخطر لي الآن الروائي الفرنسي لوي فيردينان سيلين المتعاون في زمنه مع النازية، الذي تحوي بعض رواياته (كما تفعل روايات دوستويفسكي مثلاً) عناصر كارهة لليهود، أو ما يُعرَف بالعداء للسامية (في سياقها التاريخي وقتها طبعاً، وليس ما صاره التعريف اليوم، أي بمساواته لمناهضة إسرائيل). فسيلين هو ثاني أكثر الروائيين الفرنسيين في القرن العشرين موضوعاً للنقد الأدبي الفرنسي، جاعلاً إياه، بالموازاة مع نقد مواقفه السياسية والأخلاقية، ثاني أعظم روائي فرنسي في القرن العشرين، بعد مارسيل بروست، طبعاً. ترددٌ إلى مكاتب عامة، ومكتبات في باريس يمكن أن تدعم هذه الملاحظة الشخصية. تناوله النقد إذن بشكل وفير، كروائي عظيم وكذلك كمتعاون بشكل فضائحي مع النازية. وكذلك الحال مع فيلم «ذهب مع الريح» الذي صار مع السنوات أحد كلاسيكيات السينما الأمريكية (نال 8 أوسكارات، لكن هذا لا يهم) والذي يشكل وثيقة سينمائية صادقة لتلك المرحلة البشعة. هي وثيقة عن مرحلة لها كل سوءاتها من التاريخ الأمريكي، لمَ لا تُصور كما هي، بسوءاتها، وبفنية عالية؟ حتى إن كانت هذه الفنية تخدم تلك السوءات. لمَ لا نعرضها مع مقدمات تحفظ للعمل فنيته وتفكك عنصريته؟ ولا تكون، طبعاً، الفنية هذه ممراً لتلك السوأة.
تبقى الأعمال الفنية وثائق «صادقة» عن مرحلة بشعة من تاريخ الإنسانية، فلا بد أن تكون، لذلك، بمضمون بشع. هي لا تُحظَر إذن، إنما تؤخذ في سياقاتها التاريخية، مهما كانت. وتلك السياقات المسيئة (كالعنصرية)، والمضمون المادح لهذه السوأة، يحتاج، كي يُعرَض، إلى أن يتحول بذاته إلى مادة نقاشية تفكك مضمونه (المُناقَش أو المعروض)، فلا يكون هنالك إخفاء ولا احتفاء.

٭كاتب فلسطيني ـ سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية