«لا بد أنها الجنة» للفلسطيني إيليا سليمان… السخرية كسبيل للتعامل مع الواقع الفلسطيني والعالمي

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
3

كان ـ «القدس العربي»: في أفلامه الروائية الثلاثة الماضية، انصب اهتمام المخرج الفلسطيني إيليا سليمان على تصوير الواقع الغرائبي في بلاده، مصورا تناقضات وعجائبية العيش في الأراضي المحتلة. صور سليمان الواقع اليومي للفلسطينيين بقدر كبير من السخرية والكوميدية، فهذا الواقع على مرارته، يحمل قدرا كبيرا من المفارقات وخيبات الأمل، التي لا يمكن العيش معها إلا بالسخرية منها وتحويلها لضحكات، هي ضحكات لا تخلو من السياسة، ولكن تتجاوزها لتصور سيريالية حياة الفلسطينيين.

وفي فيلمه الجديد «لا بد أنها الجنة»، المنافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي في دورته الثانية والسبعين، يصوب سليمان نظرته وسخريته صوب الخارج، صوب العالم الذي يجد في واقعه الحالي الكثير من الشبه والمقارنة مع الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال. يركز سليمان في جديده أيضا على واقعه كمخرج فلسطيني، وعلى توقعات العالم منه كفنان يمثل بلدا يواجه صراعا واحتلالا.
يلعب سليمان دور نفسه في «لا بد أنها الجنة»، فهو في دوره في الفيلم مخرج فلسطيني يسعى لإيجاد سبل لتمويل مشروعه السينمائي الجديد. نراه طوال الفيلم لا ينطق كلمة واحدة، ولكنه يشاهد ما يجري حوله، ويدرك ما يحمله من سخرية وعبثية وغرائبية. تبدأ أحداث الفيلم في مدينة سليمان وموطنه: الناصرة. إنها مدينة ترتبط في الأذهان بمن ولد على أرضها: يسوع المسيح. يقابل سليمان سائق سيارة أجرة أمريكيا، وحين يقول له إنه فلسطيني من الناصرة، تكون دهشة السائق عظيمة، فهو من بلد عرفات، التي ينطقها كارافات، ومن مدينة المسيح. ولكن سليمان يسخر من الجدية الملقاة على عاتقه كفلسطيني يفترض أن يمثل تاريخا عريقا وأديانا وقضية. يبدأ الفيلم بموكب كنسي في الناصرة، ولكننا نضج بالضحك من ذلك الشخص الذي يبدو مخمورا فيحيل جلال الموكب إلى ضحكات، ويستحيل الموقف من مسيرة دينية جليلة إلى تشابك بالأيدي.
الحياة في الناصرة كما يصورها سليمان مليئة بالمفارقات المثيرة للضحك والحزن في آن، والفلسطينيون كما يراهم ليسوا ملائكة دوما، وليسوا ضحايا دوما، بل يتعايشون مع واقعهم. الجيران ليسوا دوما لطفاء، ولكنهم في ضعفهم الإنساني وجرائمهم الصغيرة، مثل سرقة الثمار الناضجة من حديقته، بشر كجميع البشر. في مشهد عابر نرى ضابطين إسرائيليين يبتسمان ويطالعان وجهيهما في مرآة السيارة بعد تبادل نظارات الشمس، بينما تقبع على المقعد الخلفي للسيارة شابة فلسطينية باكية مقيدة اليدين. وفي بيت الجيران شجار وسباب بين أب وابنه. إنها الحياة التي تتواصل رغم الاحتلال وصعوبة الواقع.

يتناول سليمان في الفيلم أيضا واقعه كمخرج فلسطيني يواجه توقعات العالم عما يجب أن يكون عليه فيلم من إنجاز فلسطيني، مخرج يتوقع منه العالم أن يكون صوتا لقضية لا تعبيرا عن ذاتيته وتجربته الإبداعية.

دوما في خلفية الحدث، مراقبا وشاهدا على عبثيته وسيرياليته، ينتقل بنا سليمان من الناصرة إلى باريس، التي يأتيها محاولا العثور على جهة منتجة لفيلمه. ما إن يصل إلى باريس، ويجلس في مقهى باريسي، حتى نرى الجميلات يتهادين في ثيابهن الأنيقة على وقع أغنية نينا سيمون الشهيرة. إنها باريس كما نتوقعها: شمسا ومقاهي وجميلات أنيقات. لكن سرعان ما يكشف لنا سليمان أن الواقع الفرنسي لا يختلف كثيرا عن الواقع تحت الاحتلال. كما في الناصرة، يجد وجودا شرطيا مكثفا، وفي مشهد غرائبي تماما، نرى الدبابات تمر في تمام تسليحها أمام مقر البنك المركزي الفرنسي في باريس. باريس المشمسة تحولت إلى منطقة عالية التسليح شرطتها مدججة بالسلاح في تأهب أمني دائم، كما هو الحال مع مدينته الناصرة، ومع الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال. إنه واقع عالمي يعمه الخوف والتوتر والقلق، وتعمه النظرة المتشككة للآخر. أينما حل، يجد سليمان ما يثير الدهشة والإعجاب والعجب، ولكنه أيضا يجد أن أي مكان حل فيه يشبه واقعه في فلسطين. في نيويورك يراقب بعجب، ونراقب معه، كيف يحمل الجميع السلاح، وكيف يمكن شراء السلاح هكذا بدون عوائق من المتجر ذاته الذي يبتاع منه الطعام. ويراقب سليمان بأسى محاولات الشرطة القبض على فتاة في متنزه سنترال بارك لا تحمل سلاحا وترتدي قميصا مزينا بعلم فلسطين، وتعبيرا عن تأييدها لقضيتهم. بينما كان قدر الفلسطيني أن تواجهه قوات الاحتلال بالقمع والتشكك والتنكيل وبينما كان قدر الفلسطيني أن يعيش في دولة عسكرية مدججة بالسلاح، أصبح العالم بأسره عسكريا مدججا بالسلاح. نشاهد الواقع بعيني سليمان، فتتعالى ضحكاتنا، ولكنها ضحكات تنم عن مدى غرابة واقعنا الذي لا ندرك مدى غرابته إلا عندما نراه مصورا على الشاشة. يبدو لنا كما لو كان الضحك والسخرية هما سبيل سليمان في المقاومة وفي التحدي.
يتناول سليمان في الفيلم أيضا واقعه كمخرج فلسطيني يواجه توقعات العالم عما يجب أن يكون عليه فيلم من إنجاز فلسطيني، مخرج يتوقع منه العالم أن يكون صوتا لقضية لا تعبيرا عن ذاتيته وتجربته الإبداعية. يقول له منتج فرنسي إن أفلامه «ليست عن فلسطين بالدرجة الكافية»، أي أنها لا تمثل القضية بالدرجة الكافية، وليست مسيسة خطابية غاضبة رنانة بالقدر الكافي. وفي نيويورك يجابه سليمان بادعاء أستاذ جامعي في مجال السينما، يحاول أن يوضح له في تقعر ما يُتوقع منه كمخرج فلسطيني، في ندوة حضورها طلاب لا يعنيهم الأمر. يختتم سليمان الفيلم بتحد كبير لتوقعات العالم عن واقع الفلسطينيين وحياتهم، فالعالم يتوقع من الفلسطيني، إما أن يكون الضحية أو المقاوم المدجج بالسلاح، أما أن يحيا كغيره من البشر، فهذا خارج تصور العالم للفلسطيني. يختتم سليمان الفيلم في ملهى في الناصرة، يستمع فيه الشباب للموسيقى ويرقصون، كما لو أن سليمان يود أن يقول لنا إن التحدي الحقيقي والمقاومة الحقيقية هي أن تحيا وتحاول الاستمتاع بالحياة وتضحك، رغم كل المصاعب التي يفرضها الواقع والاحتلال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية