لا بد أن يفكر المرء جيدا إذا ما أراد أن يكون شاعرا

عن طريق القصيدة أو اللوحة يمكن التخلص من الملل الذي يحيط بهذا العالم الذي يصعب العيش فيه، الأمر الذي دفع ناتسومي سوسيكي إلى القول: «إن شاعرا مجهولا لم يكتب بيتا واحدا، أو رساما غامضا لم يرسم لوحة واحدة، أسعد من صاحب ملايين أو أمير، بل من مشاهير العالم المبتذل كافة، ذلك لأنهما قادران على رؤية الحياة الإنسانية بعين الفنان، ولأن بوسعهما التحرر من كل انشغال، والدخول في عالم النقاء، وتشييد عالم فريد، والتخلص من قيود الأنانية». (ناتسومي سوسيكي، وسادة من عشب، ترجمة: وليد السكويري، مسكيلياني للنشر والتوزيع – 2019).
ورغم سعادة الشاعر إلا أنه لا يقوى على إخفاء حزنه وقلقه وارتيابه من غربته واغترابه، بيد أن «الشعراء هم بلا شك أشد قلقا من الناس العاديين، وأعصابهم أكثر هشاشة من بقية الخلق. قد يعيشون بهجة التسامي على المبتذل، ولكن أحزانهم أيضا لا تعرف حدا، وهو ما يدعو إلى أن يفكر المرء جيدا إذا ما أراد أن يكون شاعرا» (المرجع السابق).
وضمن المسار اللامحدود لرحلة الشعري والفلسفي، يوجد منعرج واسع يضع كلا منهما وجها لوجه، وهو منعرج مليء بالمرايا العاكسة لماهيتهما الغريبة، التي تتقن فن التنكر لجميع التعريفات والتحديدات الصورية الطابع، وهذا ما دفع مارتن هايدغر إلى القول: «إن الخاصية الجوهرية للفكر، باعتبارها عملا فنيا للشاعر، ما تزال محتجبة». وهذا ليس بالمعطى الجديد في الكتابة الشعرية، مادامت تتأسس على إواليات اليقظة، الشغف بالمجهول، الانفتاح، الخلق، الإبداع. وهي الإواليات نفسها الناظمة لكينونة الإنسان، ووجود الموجود. أيوجد خطاب فلسفي أو شعري بإمكانه الاستغناء عن إغراءات الدهشة المنبجسة عن التأمل في الإنسان والوجود؟
تركيزنا في هذا الركن على العلاقة، فلسفيا/شعريا، تتزامن مع صدور نصوص الشاعر والفنان التشكيلي العراقي علي البزاز، الموسومة بـ«كالزحف كالنذير مهرج في شكواي» (منشورات مؤسسة الموجة الثقافية- 2019)، وهي نصوص إبداعية بنفس شعري يبرز بقوة ومنذ الوهلة الأولى. وقد كان الراحل محمود درويش دائم القول بأن ما في النثر من شعر، أقوى مما يتوافر في الشعر نفسه. ونلاحظ أنه في أيامه الأخيرة (بلغة إدوار سعيد في كتابه «الأسلوب المتأخر»)، حرص على ألا يكتب إلا النثر بلغة شعرية سامية أعجزت المفاهيم الأجناسية.

رغم سعادة الشاعر إلا أنه لا يقوى على إخفاء حزنه وقلقه وارتيابه من غربته واغترابه، بيد أن «الشعراء هم بلا شك أشد قلقا من الناس العاديين، وأعصابهم أكثر هشاشة من بقية الخلق.

يستنطق علي البزاز موضوعات فلسفية سوسيولوجية مغرية، تطرح ترسانة من الإشكالات الراهنة المرتبطة بحياتنا المعيشة، وفق رؤية شعرية تأملية، إذ لا يتردد في الزج بنصوصه في أتون الإشكالات الفلسفية والميتافيزيقية الكبرى، وما يرافقها من أبعاد تأويلية وتفكيكية تراهن على اقتفاء الآثار المفتوحة، بيد أن معايشة تجربة الكتابة الإبداعية لدى علي البزاز لصيقة بتجربة تفاعل الكائن مع أزمنته المتعددة والكثيفة داخل حلقة لعبة الرموز، التي تتعاقب على تأثيت فضاء إقامته الوجودية، الأمر الذي يمكن ملاحظته من خلال حضور التعدد اللانهائي لاستراتيجيات التأقلم والتكيف، البناء والهدم، التي تلقي بظلالها الثقيلة أو الخفيفة على سيرورته، وأحيانا على تيهه، وهو يجوب مساحات كينونته الفسيحة:
«الغريب هو الذي ينجذب إلى الغريب، ليس غريب المكان، بل غريب الاستقطاب في العثور على صفات الغريب. وما المكان إلا صفة إشهار، حيلة إعلان عن ظلم وتعسف. هنا تكمن قوة الغريب، في جعل المكان مطية له، وعليه يصير مغناطيس جذب لغربة مستمرة، صفة لا مكانا. هو قوي في الزمن، ضعيف في المكان، وفي فراق أبدي معه» (علي بزاز، كالزحف كالنذير، مهرج في شكواي). ويظهر أن استراتيجية كهذه، شغوفة بنهج مقاربات تركيبية، تركز على حركية الذات، في شتى تلاوينها، وهو ما يجعلنا أمام مواجهة الخطابات الفلسفية، التي تنهم بفهم شبكات الأبعاد والدلالات، ولعل ما يميز هذا النظر الذي تنبجس منه نصوص علي البزاز، هو كونه يتأسس على اعتقاد متين مفاده أن الكتابة الشعرية غير منفصلة عن الزمان والمكان الذي وجدت وتمخضت فيه، على أن هذين المكونين، وما يتضمناه من إشكالات متحولة مبدعة، هو ما يبث في الكتابة الإبداعية تلك الروح الحيوية التي تبعث الحياة في إيقاعات اللغة، وتنعش مساراتها التأملية، إنه انفصال سيظل مرجأ، بل يكاد يظل مستحيلا مادامت الرؤية الشعرية الحقيقية تتشبث بإواليات فلسفات التفكيك والتأويليات، الأمر الذي يبرز بشكل واضح في نصوص علي البزاز الذي لا ينفك في إقحام الخطابات الفلسفية الحديثة في حوارات عميقة مع الظواهر الإبداعية، وبالتالي تلمس خيوطها المتشابكة والملتبسة بالأسئلة الفكرية الحضارية، ونخص بالذكر منها أسئلة: الوجود/الكتابة/الآخر/الغرابة/الكينونة: «عديم الأصل ليس هو عديم الهوية، الثابت هو عديم الاشتقاق. يمتلك الغريب قدرة على الاشتغال إبداعا ووجودا، يشتغل بها على العالم، ويسمح للغير بالاشتغال عليه، هو قابل للاشتقاق إذن. غير محصن من تنوع الأصل والهوية، يكمن في الوسط من كل المفاهيم. تتصل كتابة الغريب بالحدث، وليس بالمكان الذي هو بالنسبة إليها تمويه استعمال وتبطين غاية. المكان وسيلة رائعة وضخمة من وسائل الإشهار، ينجذب العالم نحوها، خصوصا الإشهار السمعي والبصري. تدرك كتابة الغريب هذه الميزة وتستعملها، لإظهار باطنيتها المغبونة. فتمنح كتابة الغريب مساحة اشتقاق دائرية. مساحة، لا تحجّم الأيديولوجيا الاستعارة فيها، وهي ضد التأويل، غير قابلة للاشتقاق إلا ضمن مسارها الأفقي، متبنية على هذا النحو فكرة التطرف، فالأصل مرجعية تتشبث بالنقاط، بينما كتابة الغريب مواجهات تنشد الزمن، رغم أن المكان لصيق بالغربة ظاهريا، فإن كتابة الغريب لا مكانية، عندئذ يصير المكان إشهارا استدلاليا على الهجرة. كتابة الغريب مثل المرآة تستعمل كل الوسائل كي تبقى وتدوم كاشفة طاقتها الخفية» (المرجع السابق).
ما من شك أن النصوص الإبداعية التي ينشرها الكتاب والمفكرون والعلماء والشعراء والفنانون، تجعل القارئ يقترب أكثر من عوالم المؤلف وكيفية صوغ أفكاره، وربما حتى الدخول إلى ما يسمى بمطبخه، حيث يعد المادة الأولية التي يخرجها على شكل كتب، والتعرف بشكل دقيق على بعض التفاصيل التي تكون ثاوية وراء إنتاجاته. كما تجعل القارئ يصحح بعض الأشياء، التي تترسب في ذهنه حول شخصية الكاتب عند قراءته لبعض أعماله. ومن ثمة يمكن أن ندرج نصوص علي البزاز الإبداعية ضمن دائرة الكتابة العلاجية، بيد أنها نصوص تمجد المغامرة في الحياة، لكن أسلوب علي البزاز الذي يغلب عليه الطابع الشعري ويحكمه التأمل الفلسفي جعل من هذه النصوص كائنات تحلم بعوالم جميلة وتتفاعل مع الأحداث بطريقة مختلفة:
«سيكولوجيا الراوي هي نفسية الكاتب ذاتها، لكنها تمارس الكثير من التمثيل والجماعية. بمعنى: الكاتب ممسرحا، فيها المرونة المفقودة في شخصية الكاتب التي تميل إلى التبجح بوظيفته. الراوي مرن بمرونة التاريخ الذي يروي عنه، وهو يستعمل المرونة من أجل لي الحدث وتحريف الأصل. لا يوجد راو نزيه بالمفهوم المعياري، وإلا، فما فائدة الروي أصلا؟ القص صفة محض إرادية مثل الكاتب، وهي منبع صفات متغيرة.

إن الخطاب الأدبي الصرف، مثل الخطاب الفلسفي الصرف، لا وجود له، ولا توجد إلا خطابات ممتزجة تتداخل فيها ألعاب لغوية مستقلة في أنظمة مراجعتها وفي مبادئها.

الراوي سياسي أكثر من الكاتب، وقابل للتسييس بشكل دائم. مستقطب الحيلة عن وعي ممارسا كل بنياتها الدرامية. وهو إبداعيا ونفسيا متقبّل نظام البين – بين، أي بين الكاتب الأصل المروي عنه، وعالمه الشخصي نفسه، إذ ينظر إليه بوصفه خارجا دخيلا على الإبداع، وفي أحسن حال، مسد ثغرات، بما يسمى حلقة وصل. وهذا الوصف إيجابي، فأعظم تصورات التاريخ جاءت نتيجة تطور الفواصل إلى صيرورات، وتطور البنيات تمَّ منذ نشوء الخليقة. على شكل تطور الفواصل، كالبرمائيات بين البر والماء»(المرجع السابق).
الفلسفة الأدبية هي فلسفة الأدباء العفوية بالمعنى الذي نتكلم فيه عن فلسفة العلماء العفوية، وهذه الفكرة تبرز حضور البعد الابستمولوجي في تحديد بيير ماشري لهذه الإشكالية، عندما استعار من لويس ألتوسير فكرة فلسفة العلماء العفوية. الفلسفة الأدبية هي الفكر الذي ينتجه الأدب، وليس الفكر الذي ينتج الأدب وإلى حد ما بدون علمه. وبالتالي فإن هذا الفكر ليس جسمًا غريبًا عن الأدب ينبغي استخراجه من الأشكال الأدبية. الأدب ينتج فكرًا كما تنتج الكبد المرارة، الفلسفة الأدبية هي فكر من دون مفاهيم مجردة ومن دون المرور عبر مذاهب فكرية، أو نظرية تدمج البحث عن الحقيقة بعملية برهانية:
«القوة نهائية، وكل نهائي يتراجع ولا يحق له سوى ذلك. بينما يسعى النقص يوميا إلى التمام، إلى التعويض. أليس التعويض هو الحاجة لوجود الأدب؟ بمعنى النقص عند غياب الأدب من وجوده الناقص، وخصوبة الصحراء من القحط. يعاني المبدع يوميا هذا النقص وتلك الحاجة، حاجة النبات إلى الماء النقص. وهي ما يدفع النقص إلى رغبة في التمام، والرمل إلى البلل والنص إلى الوجود، فتتساوى الحديقة والصحراء في معادلة الماء الناقص. فيصير النقص حارسا يمنع الجدب المعرفي، والتمام محروسا مكتفيا بلذة النوم. يشجع القليل النقص ويدفعه نحو الكثير في صفة القليل الكثير. وعليه، يكتسب النقص طبقات كثيرة فاعِلة لها قابلية التناسخ والتفاقم. فتتفاعل الحراسة مع القليل من النقص منتجة حماية حيوية إبداعية لها صفات التربة» (المرجع السابق).
هكذا نخلص مع علي البزاز إلى ضرورة الدفاع عن النزعة الفكرية للأدب لأنه يمتلك قيمة فكرية أصيلة، وهذا ما يسمح لنا بالتكلم كما سبق، وإن أعلن بيير ماشيري عن «فلسفة أدبية». إن الخطاب الأدبي الصرف، مثل الخطاب الفلسفي الصرف، لا وجود له، ولا توجد إلا خطابات ممتزجة تتداخل فيها ألعاب لغوية مستقلة في أنظمة مراجعتها وفي مبادئها. كما أنه من المستحيل تحديد نسبة الشعري والروائي والمنطقي تحديدًا نهائيًا. إن الفلسفي حاضر في النصوص الإبداعية على مستويات متعددة، لذلك من الضروري تفكيك تلك النصوص بعناية وفق الوسائل التي تتطلبها والوظائف التي تشغلها.

٭ أستاذ وباحث من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية