عبد الحميد عبودالفلسطينيون أهل رحيل قسري، أنا المثقل بباريس، بطمأنينتي، أرحل بخياري لأعيش بمعادلة قلقة، كنت دائما أشعر ان أرض ميعادِي هي تلك التي لست فيها، وأن المكان الذي أنا فيه هو المكان الخطأ، أرحل فأجد غبطتي في الطريق أكثر من المقصد الذي ليس الا حجة للرحيل، الطريق مدينتنا الأحب، ومن الأفضل ألا يصل، كالباحث عن الكنز عليه ألا يجده، ان تغامر وحدك في السفر يعني أن تبدأ كل شيء من جديد، فتصنع أصدقاء جدداً وأعداءاً جدداً وتشرع بتعلم الحياة من فوق الصفر بقليل. لا بد من شموس استوائية ومن سفن قراصنة، لا بد من نابولي، وكان يمكنني زيارتها بكبسة زر على محرك غوغل ولكني لا أطيق كما لا أريد الاقتناع بما تيسر، أفضل الواقعي على الافتراضي.
حملت عصا الترحال وحزمت حقيبة السفر، وحملت دفترا وأقلاما وعينيّ، لم أحمل آلة تصوير رقمية، الصورة تعوم العين وتجعلها مستلهكة وغير نفاذة، الكلمة أبلغ من الصورة وهي تلزم القارئ والكاتب معا بالتفكير. أن أقول لكم هذه صورة البحر كما رأيتموه مئات المرات في حياتكم فلا جديد، صورة محدودة بنفسها وأبعادها، أما حين أرسم البحر بكلمات فأنا أشرككم معي في تخيل مفتوح على كل الاحتمالات. قضيت الخمسة وعشرين ساعة التي استغرقها المشوار وأنا أحلم بعيون يقظة، ثم لقيتني فيها. واقع أقل واقعية، فيني فيدي فيشي، ها هي المدينة وهذا هو شعبها وها هي النظرية التي تسيرها. نابولي، عاصمة الجنوب الايطالي والجنوب دائما متخلف عن الشمال في كل بقاع الأرض ( باستثناء الكوريتين)، لم تخيب الفكرة السائدة عن المدن الَطَرفية، مدينة تربك المعادلات المعروفة، تدهش وتقرف بمقادير متساوية. فضاء إكزوتيكي حتى بالنسبة لعربي، توليفة عجيبة من كل المدن ولا تشبه إلا نفسها، مشوَّشَة ومُشَوِّشة وصعبة المراس، تفاجئ حيناً، تمتع أحياناً، وتحير كثيرا، لا تسوقك إليها منهجيا بل تتركك تكتشفها عشوائيا. أخذت أتسكع في جولات ميدانية تنتهي كلها بالبحر الذي يحوطها من جهتين. ثمة عمارات من حديد وزجاج تنتمي للمستقبل، قلاع يتكدس فيها التاريخ. ثمة نوارس وفضاء لهذه النوارس، البحر الذي يفصل ويجمع بين القارتين، المتوسط ماري نوسترا، بحرهم، بحيرتهم الرومانية. نابولي ما غيرها، استوطنها الإغريق وتمازجوا مع اهلها واحتلها الاسبانيون حكموها، سماها العثمانيون مدينة الكتان، تاريخها هو جغرافيتها، هندستها الطبيعة، قدرها الجغرافي الصارم أوقعها بين بركان فيزوف والبحر، عند قصبة الجزمة الايطالية، وبين الشرق والغرب. الشوارع لا تختلف كثيرا عن شوارعنا، زبالة وزمامير وازدحام وعجقة سير، وعند كل شرفة غسيل منشور، وعند مدخل كل عمارة نصب لقديس مضاء بشموع بلاستيكية ( الورع الكاتوليكي خصوصية نابوليتانية خاصة جداً)، الكنائس فخمة فالطليان كما هو معروف عنهم يصنعون أفضل ما عندهم لآلهتهم. عند النواصي لوحات تذكارية تخلد ذكرى من سقطوا برصاص مافيا الكومورا النافذة. أهل المدينة يعيشون بثقة وطمأنينة من يملكون الوقت، في بحر الأسبوع يعملون، ليلة السبت يسكرون، ونهار الأحد يصلون في الكنيسة. حياتهم تمضي بلا مساءلة ولا انشغالات وجودية، علاقتهم بالله جيدة وعلاقتهم بالمافيا جيدة جدا، علاقتهم بالأجنبي ممتازة، فهنا يتجسد التنوع اللانهائي للعالم، باكستانيون وأفارقة وعرب وصينيون وأحباش وبولونيون، روس وغجر ورومان من مخلفات الفقر الشيوعي، وثمة أعداد كبيرة من نساء اوكرانيات يعملن كخادمات في البيوت، ويمكن التعرف عليهن بسهولة يدخلن جماعة لمطاعم ‘ ماكدونالدز’ ولا يستهلكن حتى فنجان قهوة بل يتركن قشور الليمون على الطاولة. المدينة نشطة وديناميكية صاخبة ولها مزايا إضافية، فهي تحتوي على طبقة من المحتالين البلطجية يصطادون الغرباء والسذج بلعبة الثلاث كشتبانات، وهي اجمالا أكثر قذارة من مدن الشمال وأقل عنصرية. لم ألحظ شعارات ضد الأجانب على الجدران بل لاحظت نعوات فالموت هنا شأن اجتماعي يتجاوز عائلة الميت ليخص الجوار الذين يسيرون جماعة وراء النعش، ويحتفلون بصخب في حال خروح أحد المافيوزات من سجنه وذلك باطلاق المفرقعات النارية، واذا سجل فريقهم هدفا يطلقون زمامير السيارات ( المدينة لها ذاكرة فهنا كان يلعب مارادونا) الطقس معتدل، حين يهطل المطر لا يتوقف، وحين تشمس فإن الشمس تغري بغفوة على رصيف المقهى، والدكاكين الصغيرة كالبازار الشرقي تبيع كل شيء من الدخان الرخيص الى البيتزا الساخنة والكابوتشينو الى علب المعلبات التي انتهى تاريخها، الى المعكرونة وأقفاص الحساسين، والحساسين، يمكن سماع زعيق الباعة وهم يدللون على بضائعهم. نابولي مقسومة طبقيا، أغنياء يسكنون جهة البحر وفقراء قرب المحطة، أهلها النابوليتانو اجمالا مرحون اجتماعيون ومزاجهم متمرد رافض للقوانين ( كل ما هو ممنوع في شمال ايطاليا مسموح في نابولي وجنوبها)، يدخنون بكل مكان ويزبلون، وأحيانا يركبون الحافلة بلا تذكرة، وحين يسوقون الدراجة النارية لا يعتمرون الخوذ الواقية، فأيقونة العذراء على واجهة الدراجة النارية تحرسهم من حوادث السير، الاحتيال عندهم غريزة بيولوجية ورثوها من أيام الفقر حيث القاعدة تقول ‘ أنت وشطارتك’، وهناك تسعيرة لأولاد البلد وأخرى للسياح، فقد توقفت أمام بسطة بائع بيتزا مكتوب عليها ‘ الثمن أورو واحد’ ولكنه لما عرف اني غريب طلب مني اثنين، حين سألته عن السبب حلف لي يمينا مغلظة بحق كل القديسين ان التسعيرة موضوعة بالخطأ. الغناء عندهم فيه شيء من الطرب والموال، لهجتهم مموسقة وممطوطة يمكنك ان تتفاهم معهم بالحدس والتخمين بالإشارات والإيماء، وهم عادةً ما يفهمون بسرعة اذا كان الامر يتعلق بالمال، ومع نسائهم يمكن التفاهم بلغة العيون العالمية، بطبيعة الحال لا يستقيم الكلام عن نابولي دون الكلام عن عربها، فكيفما توجهت تسمع كلاما بالعربية بلهجاتها المغربية والتونسية والجزائرية، حيثما نظرت ترى مهاجرين حراقة طازجين هربوا لتوهم من جحيم الغولاغ العربي ليقعوا في وهم الإلدورادو الغربي، يحلمون بمعجزة أوراق إقامة او بالزواج من عجوز طليانية تتحنن عليه بجنسيتها، يتحايلون على الواقع في سوق يقال له سوق القمل، حيث يمارسون الحرتقة والتكسب والبزنسة الرخيصة، يرتدون سترا منفوخة وعليها علم ايطاليا ليبدوا أقل عروبة، ( عبثاً، فالعربي يبقى عربيا مهما فعل، وعروبته مرسومة لا في مظهره بل في جوهره). في ساحة غاريبالدي تعرفت على مقيم تونسي يناضل من أجل حقوق المهاجرين، فنان موسيقى اسمه مرزوق مؤدب وخلوق، فوقف معي وقفة بطولية وساعدني على شراء حاسوب محمول صرت أكتب عليه، وفي ساحة بيليني شممت رائحة فلافل اقتربت فوجدت مطعما صاحبه فلسطيني اسمه عمر فأطعمتُ وسُقيتُ مجانا، ( انصح كل الطفرانين بزيارته فصاحبه كريم ونشمي)، غير بعيد عن المحطة تعرفت على النادي التونسي، هناك شاهدت حراقة من تونس والمغرب والجزائر، شباباً غير متحمس للحياة، بطلت فعاليته قبل ان تبدأ، غلابة غلبتهم الغربة فاستسلموا امام ضراوتها وهرموا قبل أوانهم، لا شغل لهم إلا رشف القهوة والتدخين وقتل الوقت بمشاهدة مباريات الكرة على التلفزة، في المساء يقصدون المحطة لينالوا حصتهم من سندويشات وصدقات كاريتاس، معظمهم يرقدون في تخشيبات مرتجلة قرب المرفأ وفي مآوي المشردين، والكثير منهم ينام في السجون، فنسبة العرب في نابولي قد تكون خمسة بالمئة اما نسبتهم في سجون نابولي فتساوي ثلاثين بالمئة. يقول نابوكوف ‘ السعادة الوحيدة في هذا العالم هي أن تلاحظ، تتجسس، تشاهد، أن تكون مجرد عين كبيرة’. لكن مهما لاحظت فمن المستحيل ان تتعرف في أيامٍ معدودات على بشر المدينة، وكلامي عنهم يبقى سطحيا، وأعترف أنني لا أعرف عنهم أكثرَ مما تعرفونه انتم، أما بالنسبة لحجر المدينة فعشرة أيام كانت كافية، وبعدها تحتم علينا أن نفترق، غسلت ثيابي في نهار مشمس ونشرتها على حبال الغسيل ومضيت وهلة أشرب كابوتشينو وحين رجعت لم أجدها. ‘ أنت في نابولي’!! اشتريت ثيابا صينية رخيصة من سوق العرب، ركبت قطار السيركومفيزوفيانو الذي يلف حول جبل فيزوف هناك. شاهدت منظرا أنساني نابولي ومتاعبها بركانا خامدا وربيعا يشبه ربيع بلادنا، أشجار حمضيات وأشجارا أخرى غريبة لها خمسة جذوع متوازية، بعد ساعة وصلت الى بومبي، مدينة متحف ضخم مفتوح على السماء، ولحسن حظي كان الدخول مجانيا فاليوم صادف الذكرى المئة والخمسين للوحدة الايطالية. لبثتُ وسط الأعمدة الرومانية أراقبها وأخالها تراقبني، أحسست اني أدخل التاريخ، وأن ثلاثة آلاف عام تنظر إلي.
الرحيل سفر في أمكنة قصية، وبومبي سفرٌ في أزمنة قصية. والرحالة مسافر في متاهة زمكانية.
الى لقاء قريب في مقالة اخرى لرحلة قادمة الى بالرمو وصقلية. * رحالة وروائي