لا تخافي.. هذا حمّص!
سهيل كيوانلا تخافي.. هذا حمّص!عن يديعوت أحرونوت عن السفارة الاسرائيلية في موسكو أن الهجرة من اسرائيل الي روسيا بلغت هذا العام ستة أضعاف ما كانت عليه من قبل، أما السبب الأساسي وبلا شك فهو الألبوم الجديد الذي أطلقه السيد أبو هادي في الصيف الأخير تحت عنوان حيفا وما بعد حيفا !بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وصل الي فلسطين حوالي مليون ومئتي ألف مستوطن جديد الي البلاد ، سيتضح لاحقاً أن آلافاً منهم يستجيبون لاسماء مثل أحمدوف ورسول وحتي محمدوف، وتشرئب أعناقهم وتُستنفر آذانهم بحثا عن مصدر صدي الأذان القادم من قرية عربية قريبة، ومنهم مئات آلاف المسيحيين يشكلون اليوم أكبر رعية مسيحية في فلسطين كما أخبرني الكاهن (رائد رضوان ـ أورانيوس) من شفاعمرو الناشط في أوساطهم خدمة للكنيسة الأورثوذكسية ومحبة للسيد المسيح!مع بدء تلك الموجة الكبري توجه رئيس الدولة في حينه البروفيسور (حاييم هيرتسوغ) والذي ولم تقدّم ضده أي شكوي تحرش جنسي، في خطاب متلفز الي من أسماهم (عرب أرض اسرائيل) طمأنهم من خلاله بأن استيعاب القادمين الجدد لن يكون علي حسابهم! وأنه لا بد وأن يشرب العلّيق في عروة الورد.أول المتضررات كن بائعات الهوي ذوات الأصول الشرقية اذ أفلسن تماما أمام الموجة الشقراء العاتية ولم يسعفهن صبغ شعورهن بالأشقر والأحمر فقد قيل في الأثر أن التقليد لا ينافس الأصل! وضُربت أسعار اللحوم بشكل غير مسبوق في السباق المحموم علي تقديم خدمات المساج وتوابعه، وانتشرت أسعار الفتيات اللاتي عرفن بـ(المرافقات) في الصحف بدءا من نصف ساعة بدون حمام وحتي النهار كاملا مع حمام وجاكوزي ثم المساج وسلب النقود وبطاقة الاعتماد والضرب المبرح حتي السيارة أو محطة الباص! طبعا كان العرب قد اكتشفوا من تجاربهم السابقة أن المستوطن لا يجلب معه أرضاً في حقيبته فتوجسوا خيفة وانتظروا بلا حول ولا طول ازاء الانهيارات الكبري، بينما حدثت بعض النفوس المشبعة بالأدرينالين أصحابها ما دام أن الهجرة هيك هيك صارت، فلماذا نطلع من المولد بلا حمص ! والحمص في هذه الحالة هو اللحم الأشقر ولكن بدون طحينة! وكان لي صديق عمل في تلك الحقبة في مصنع لانتاج الأثاث المنزلي من البلاستيك، أوكل له المسؤول مهمة استيعاب الفتيات الجديدات في العمل وكلهن كما يقول (واحدة أشلخ من أختها) وكان عليه ان يوضح لهن أموراً ملتبسة، وكما توقعتم تواعد مع احداهن فأغرقها خلال ساعات بحنان لم تحظ به منذ كانت ملفوفة بالبامبرز! وكانت جميلة بصورة لا يبلغها الا خيال مسطول بزهرة حشيشة الكيف المهربة من الجنوب اللبناني قبل هزيمة الجنرال لحد ورهطه ! وألفيا نفسيهما في سيارته ولم تكن تعرف من الكلام سوي (شالوم) وبضع كلمات محورها الطعام والنوم! ثم دخلا مطعماً وحضر الحمّص ومثل زميلات لها من قبل أبدت دهشتها ولم تعرف اذا ما كان هذا بالفعل طعاما أم أنه صابون!وما زال يحضّ نفسه علي اطعامها وطمأنتها مؤكداً لا تخافي هذا حمّص حتي أقنعها فتمكنت من ابتلاع بعض (الهوموس) وبلطف من الله لم تصب بأذي، كانت المهمة أصعب بالنسبة لمشروع الفلافل التي لفظتها (فهاهل وهلاهل وفهف للو) وغيرها! وانتقل أخونا فاستوعبها في مجال النعناع والزعتر الفارسي وعشبة الشاي والبلوط والفرفحينة! أما بالنسبة للزنجبيل فقد كان هو نفسه بحاجة الي استيعاب! واكتشف مندهشا أنها رسّامة ووالدتها (أرسم) منها بينما لم يكن والدها سوي عازف بيانو ومهندس ماكينات، وكل هذا لم يزحزحه قيد أنملة عن هدفه المشروع الذي بات هاجسه حتي أنه كان يدعو ربّه أن يمتّعه بها مرة وبعدها ستكون توبته نصوحاً! هكذا فطن فجأة أن هوايته هي الرسم وليس فن سرقة (الجوكر) في لعب (الشدّة) فطلب أن تبدأ بتعليمه فنها واتفقا علي تسعيرة للدرس وهي لا تكاد تصدق أن أمورها تسير بمثل هذه البساطة! بعد أيام انتخي فدعاها الي رحلة زارا خلالها بعض المواقع التاريخية والسياحية ليعرّفها علي بلادها الجديدة ، بدأت الرحلة في عكا القديمة المتآكلة لتنتهي في كفر برعم القرية المهجّرة حيث ما زالت هناك كنيسة صالحة للاستعمال، وبكل بساطة عندما دخلت الكنيسة صلّبت وقالت له بابا (كريستيان) ولكن ماما يهودية ! وطبعا هذا يفسر سر حقها في البلاد أكثر من جده جدّه ومن والده الذي انقلب عليه التراكتور أثناء حراثة احدي المعاصي ! وتواصلت الرحلة الي طبريا حتي ظن أن اللحظة قد أزفت فضمّها اليه وشمّها ثم هم بانزال سرواله فقالت هذا نعرفه ولا حاجة لشرحه وفهم ضرورة أن يضبّ حاله! وأدرك أنه لا محالة خارج من المولد بدون حمص!الرسامة ما لبثت أن اختفت ويبدو أنها استوعبت في عمل يلائم موهبتها، أما في مصنع البلاستيك فقد تضاءل عدد العمال العرب يوما بعد يوم ليشغل أمكنتهم روس وصقالبة الي أن أقيمت حفلة شاي وكعكة من أصول سلافية احتفاء بفصل صديقنا الرائع من المصنع! لا أعرف اذا كانت تلك الفتاة قد استقرت أم عادت الي موطنها خصوصا بعد ألبوم حيفا وما بعد حيفا ! الذي أطلقه الفنان أبو هادي! ولكن الهجرة المعاكسة ليست الي روسيا فقط بل هناك مئات آلاف ممن عافوا هذه البلاد ( بفجلة) وتركوها لحجارتها وصراصيرها، ولمن فاته القاموس الاسرائيلي فالصراصير المسممة هو تشبيه أبدعه الجنرال المقبور في (تل عدشيم – العدس) رفائيل ايتان بعد يوم الأرض الأول في وصفه عرب هذه البلاد، وهو وصف أرقي فنياً من تسميتهم مجرد رقم عرب 48، بالطبع أحدهم صديقي المُصرّ بأنه صار يعرف كيف يرسم جحشاً محرناً! كاتب من فلسطين 0