لا ترفع رأسك نحو الشمس

حجم الخط
0

اذكر يوما حين كنت صغيرا انهم اعلنوا حدوث كسوف للشمس في احد ايام الصيف، واعلنوا عن ذلك في نشرة الأخبار الليلية، حين اغرقونا بفقرة علمية عن الأضرار التي يشكلها الكسوف على العين.. وختموا تقريرهم بجملة واضحة ‘لا ترفعوا رؤوسكم نحو الشمس حتى لا تصابوا بالعمى’. وبالفعل في اليوم التالي منعـــنا والدي الذي يثــــق كثيرا في نشرة أخبارنا الموقرة من الخروج من البيت، أو حتى الاطــــلال نحو الشمس من النافذة قائـــــلا بلهجة حازمة ‘لا ترفعــــوا رؤوسكم نحو الشمس حتى لا تصابوا بالعمى’.. وحـــين كــــبرت قليلا وقرأت كثـــــيرا.. تأكدت أن هذا المسمى كســـوفا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون عدوا كما تم تصويره لنا… تذكرت هذه الحكاية وأنا أشاهد املاك العائلة الحاكمة في تونس وخارجها، وأطالع التقارير المتواترة حول ثرواتهم في كل أنحاء العالم.. فكرت قليلا.. كان النظام السابق يمطرنا بالدراسات والتقارير والملفات التي تدور حول محور واحد ‘تونس بلد فقير طبيعيا’، لذلك كان على المواطن الكريم أن ينتظر الكثير من النظام.. لسبب بسيط واحد هو أننا ‘بلد فقير طبيعيا’، وعلينا ان نرضى بفقرنا ما دامت تونس وطننا الكبير ‘بلدا فقيرا طبيعيا’، تماما كما قيل لنا من قبل ‘لا ترفعوا رؤوسكم نحو الشمس كي لا تصابوا بالعمى’، حتى صار المواطن الكريم يبرر للدولة تقصيرها، فالبطالة والفقر وارتفاع الأسعار والأمية وتراجع الاقتصاد وضعف التنمية والرشوة والمحسوبية والسرقة والفساد والمخدرات… كلها لم تكن نتيجة تقصير النظام، لا سمح الله، بل هي نتيجة للعنة أصابت وطننا يسميها النظام ‘تونس بلد فقير طبيعيا’ وحين سقط النظام وشاهدت ما يملكه السلطان وآله، وحين قرأت أكثر أيقنت أنهم حين قالوا لنا ‘أن تونس بلد فقير’ كان لغاية التغطية على سرقاتهم.. فثروات النفط والنتاج الفلاحي يكفي العشرة ملايين من الشعب الكريم، لكن هذه الثروات تذهب في غير محلها، طلبوا منا أن نقتنع بأننا فقراء فاقتنعنا وصاروا هم أغنياء… تماما كما طلبوا منا ألا نرفع رؤوسنا نحو الشمس كي لا نصاب بالعمى… لكن الحقيقة كانت لا ترفعوا رؤوسكم نحو الشمس كي لا تروا حقيقة أننا نسرقكم.

علي المفتاحي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية