في ذكري فاتح آيّار لن يقتصر مقالنا علي العامل فحسب، بل سنتطرّق للحديث عن مجمل الطّبقة الكادحة والمسحوقة علي امتداد أمّتنا العربيّة. وسبب ذلك أنّ التّحليل الموضوعيّ لواقع أمّتنا يبرز وجود أغلبيّة من هذا الشّعب لا همّ لها سوي الإستمرار في هذه الحياة وفقا لقواعد الغريزة الحيوانيّة التّي تكتفي بالغذاء الجيّد والتّناسل وإيجاد المأوي. فقلّما يصادف المرء مواطنا عربيّا يتحدّث عن طموحات ذات بعد حضاريّ تولي الهمّ القوميّ بعده الذّي يستحقّ. وأغلبيةّ شعبنا ـ و هذه حقيقة ـ تعتقد أنّ التّفكير في مصلحة الأمّة شأن لا يخصّه لأنّه ترف فكريّ لا حقّ لمثله بالتّمتّع به، وكأنّ هذه الأمّة كائن منفصل عنه لا علاقة له به. و هذا من دلائل نجاح الطّبقات النّفعيّة في جعل العربيّ مجرّد وسيلة انتاج يخدم أهدافها التّي تتطابق مع تلك المرسومة من قبل قوي الإستغلال العالميّة الإمبرياليّة. وليس من قبيل التّقليل من شأن شهداء ومجاهدي أمتنا الذين صارعوا الإستعمار زمن الإحتلال القول بأنّ المستعمر أعطانا إستقلالا بيد وسلب منّا إنسانيّتنا بيد أخري. فعباقرة الإمبرياليّة تفطّنوا منذ زمن إلي أنّ السّيطرة بالحديد والنّار لم تعد تساير العصر، فكان أن ابتكروا وسيلة أخري تضمن لهم استغلال أمّتنا دون خسائر تذكر ودون إحراج، تتمثّل في خلق طبقة من صلب هذه الأمّة تمكّنهم من السّيطرة علي خيراتها وتعيقهم من عناء مواجهة الشّعب والتّصادم معه. هذه الطّبقة إحتكرت ـ نيابة عن الإمبرياليّة ـ مهمّة التّخطيط للأمّة وحرمت أبناءها من المشاركة في رسم ملامح مستقبلها، فكان أن جعلتهم مجرّد آليّات تنفيذ لما يخدم مصالحها غير المشروعة قوميّا. ولعلّ أهمّ وسيلة مكّنت الطبقة النفّعيّة من السيطرة علي مقدّرات الأمّة والأغلبيّة من أبنائها تتمثّل في تجذير حالة من الإنقسام القوميّ عن طريق خلق كيانات قطريّة تعزل العرب بعضهم عن بعض فيسهل عليها بذلك تكبيل الأمّة والتّصرّف في مقدّراتها خدمة لمصالح المستعمر وصونا لمكانتها في آن معا. و انطلاقا ممّا سبق نؤكّد علي أنّ انعتاق الطّبقة المسحوقة ماديّا ومعنويّا هو السّبيل الوحيد المؤدّي إلي الإستقلال الحقيقيّ. فمن العبث الحديث عن مستقبل مشرّف للشّعب العربيّ في غياب الوحدة القوميّة وفي المقابل لا مجال لوحدة قوميّة دون انعتاق الطّبقة الكادحة من سيطرة الطّبقة النّفعيّة لنخلص للتّأكيد بأنّه لا إرتقاء للحرّية والإستقلال في غياب وحدة قوميّة تضمنها سيطرة الطّبقة الكادحة علي مقدّرات الأمّة. ولعلّه من المهمّ تحديد مفهوم الطّبقة الكادحة وفقا للمعايير العربيّة. فعلي خلاف ما اعتادت عليه أغلب الأمم في العالم، تجاوز هذا المفهوم في أمّتنا إطار مجموعة العمال البسطاء الذّين يعانون الفقر والحاجة وبالكاد يجدون قوت يومهم. ذلك أنّ العقل الإمبرياليّ تنبّه بذكاء إلي أنّ الجوع قد ينبّه العقول ويفتح العيون ويفجّر الثّورات. فقام بإطعام شعبنا بما يخدّره ويوقعه تحت وطأة الإدمان، وذلك بإغراقه في الحياة الإستهلاكيّة التّي تمتدّ شرايينها لتنهل ممّا تروّجه الطّبقة النّفعيّة من منتوجات تساعد علي غزو أسواق الأمّة من قبل قوي الإمبرياليّة العالميّة. ولذلك نؤكّد علي أنّ الطّبقة الكادحة في أمّتنا العربيّة تتكوّن من فريقين قد يختلفان شكلا لكنّهما يتّحدان مضمونا. أمّا الفريق الأوّل فهو مجموعة الفقراء ماديّا والذّين بالكاد يجدون ما يسدّ رمقهم. وهؤلاء تختلف نسب إنتشارهم علي امتداد الأمّة ولكنّهم في جميع الأحوال يمثّلون قطاعا هامّا، وما يميّزهم عن الفريق الثّاني هو أنّهم يدركون حجم المصيبة التّي يعيشونها. أمّا الفريق الثّاني فهم أولئك الذّين لا همّ لهم سوي العمل علي توفير المستهلكات التّي أصبح توفيرها إدمانا. وهؤلاء فيهم الطّبيب والمهندس والمحامي والقاضي: إنّهم العبيد الجدد للطبقة النّفعيّة ومن ورائها الإستعمار. هي لعبة أتقنها المستعمر واستطاع بواسطتها تجنيد قطاع هامّ من أبناء الأمّة العربيّة ليكون رغما عنه في خدمة أهدافه. هذه الفئة التّي كان من المفروض أن تلعب دور المخلّص من براثن السّيطرة النّفعيّة وذلك بأن تخلق نخبة من الإنتليجنسيا تبتكر الحلول للإنعتاق والرّقي بالأمّة والشّعب، تجد نفسها تدور في حلقة مفرغة مساحتها لا تتجاوز حدود توفير شكليّات لحياة إعتقدوا أنّها عصريّة مرتبطة جذريّا بما يروّجه أعداء الأمّة. هذا الفريق يعتقد خاطئا أنّه تجاوز مرحلة التّخلّف ولكنّه لا يدرك أنّه في صميم مرحلة الإستعباد. إنّه كإبن الفلاّح الكادح الذّي تمكّن من تحصيل مستوي علميّ محترم فمكّنه الباشا ـ تفاديا لشرّه ـ من العيش معه في قصره ولكن… كمشرف علي الخدم. المحامي وليد سلامةرسالة علي البريد الالكتروني6