لا تزال في أعماقنا بقية من نور: جيمس توريل يطارد بالضوء أشباح الجمال الهارب
فاروق يوسفلا تزال في أعماقنا بقية من نور: جيمس توريل يطارد بالضوء أشباح الجمال الهاربغ1ف بالنسبة للامريكي جيمس توريل (الذي احتفي به مركز جورج بومبيدو بباريس مؤخرا) تعني الاقامة داخل الضوء اسلوب عيش، يستطيع المرء من خلاله الاسترسال في ابتكار بيئة مجاورة. بيئة تستعير مادتها من وهم شعورنا البصري بالضوء. إنها بيئة افتراضية غير أنها تسعي الي تعزيز صلتنا بظواهر طبيعية نعيشها من غير أن نتأمل بعمق تأثيراتها التي تستقر في نفوسنا، غروب الشمس علي سبيل المثال. كل العمليات التقنية المعقدة التي يقوم بها توريل مستعينا بخياله انما تنتهي الي محاولة التذكير بما تؤدي اليه معايشة الضوء في حالاته المختلفة من انسجام مع الطبيعة، بل وامتزاج شعري بوعودها الجمالية المطمئنة. في غرف مظلمة تقيم أعماله دائما غير أنه غالبا ما يحرص علي أن تكون تلك الغرف مفتوحة علي الفضاء، غرف بلا سقف. ذلك لأن بحثه في الضوء انما هو في الوقت نفسه بحث في جدوي الفراغ. هناك دائما فراغ ضروري يحيط بنا من غير أن تكون لنا القدرة علي استقراء نشاطه التخيلي. أعمال توريل تكتسب جزءا عظيما من قيمتها الجمالية من ذلك الفراغ المهيب الذي يحيط بها، بل ان لغته البصرية تقيم في تلك المسافة المتوترة التي تجعل الضوء ممكنا في فراغ ممتد الي ما لانهاية. فراغ تصنعه العتمة. وسط ذلك الفراغ يجد المتلقي نفسه في مواجهة النور الذي يتسلل من خلال عينيه الي روحه مباشرة. يواجه المتلقي كتلة ثقيلة من الضوء، هي التجسيد المثالي لفكرة الشكل لدي توريل. هذا الفنان الذي شغف في بداياته الفنية بمبدأ الفن التقليلي الي جانب كارل اندريا واليزاوورث كلي ودونالد جود وفرانك ستيلا وروبرت مانغولد، اهتدي الي الضوء ليكون مادته الأقل التي تختزن لغة تعبيرية ودلالية أكبر. غ2فولد جيمس توريل في لوس أنجليس عام 1943 (يعيش الان متنقلا بين اريزونا وايرلندا). درس في شبابه الرياضيات وعلم النفس معا. وفي وقت متأخر من زمن تعلمه اكتشف غواية الفن، فصار يقيم علاقات غامضة بين ما تعلمه من علوم وبين رغبة عارمة في التحليق في كون شاسع من الاشارات الجمالية. حينها ادرك أن الضوء هو القاسم المشترك الاعظم بين كل الاتجاهات التي تشظت فيها رغبته في التعلم. يقول: أعتقد أن ما توصلت اليه من نتائج انما يأتي مباشرة من النظر المتأمل الي النار . معايشة أعمال توريل انما تنقل المرء الي قلب تلك التجربة، وهي تجربة حارقة لما فيها من علامات استفهام تظل حائرة ومعلقة وعائمة. لا نملك ازاء تلك العلامات سوي أن نستغرق في التفكير بمصيرنا المحلق مثل غيمة ملونة. يبهرنا الضوء التي يستولي علينا فجأة فلا نجد مفرا من المضي معه في تخيل حيواتنا مستسلمة لنداء برية تقيم في أعماقنا. ذلك لاننا في الحقيقة ننشد دائما الذهاب الي ضوء يقف في نهاية الطريق. تستنهض رؤي توريل التي تتشكل من خلال الضوء في اعماقنا خبرة التجرد من المادي كما لو أنه خطيئة، لنذهب عراة، ابرياء ومسالمين الي نقائنا. يشيد توريل صروحا من الضوء المنعم بفقره المادي، مكعبات وأهراما هي أشبه بالمعابد التراجيدية القديمة، لا تقول لكنها تفعل، لا تشير لكن تأثيرها يذهب مباشرة الي حساسية المتلقي الجمالية. يدرك المرء من خلالها معني أن يكون واقفا في حضرة النور. غير مرة عشت بسبب توريل نفسه خبرة الشعور في أن أكون فريسة نور يأتي من جهة مجهولة، لكنها الجهة التي تشي بقدر هائل من القداسة. فليس من اليسير تحديد الجهة التي يأتي منها ذلك الضوء الذي يصنع كل هذه المعجزات البصرية. وهي معجزات تذكرنا بذلك الخشوع الصامت الذي نواجه به قوي الطبيعة حين تتألق وهي تتودد الي مصادر الهامها. غ3ف يصنفه النقاد ضمن الاتجاه التركيبي، وهذا التصنيف هو بمثابة اعتراف بان توريل قد نجح في تحويل ايهاماته البصرية الي أشياء حسية ملموسة. أشياء يمكن أن نثق بكثافتها وثقلها وتميزها المادي عن سواها. وهذا يعني أن توريل نجح أيضا في أن يستخرج من عالم افتراضي مادة جديدة يمكن استعمالها لانتاج أعمال فنية، تكون بمثابة وسيط للوصول الي الجمال. ولان العالم الجمالي الذي يقترحه توريل هو رهين قدرتنا علي انتاج الضوء فانه يعيدنا الي مصـــادر النور الكامنة في أعماقنا. لنتســاءل: ماذا يحدث لو انطفأت كل هذه الأضواء الصناعية التي تحيط بنا في كل مكان تطـــــأه أقدامنا؟ هل سيحل ذلك العمــــي التام الذي نتوقعه (كما في رواية خوزيه ساراماغو الشهيرة) أم أن هناك مواقع لا يزال بامكـــانها أن تنقذ بصيرتنا من هلاكها؟ توريل يؤكد علي أهمية ادخار بعض مما نستهلكه من الضوء من أجل أيام قد تكون أكثر عتمة مما نتصور. تصدمنا أعمال توريل بالضوء الذي تصنع بمادته أشكالها غير أنها في الوقت نفسه تعيدنا إلي أنفسنا، هناك حيث الينابيع الخفية التي تغذي شهواتنا إلي اقتناص كل نور عابر بغض النظر عن مصدره. تبدو أعمال توريل مثل سواه من التقليليين محايدة في عاطفتها التعبيرية، كما لو أنها لا ترغب في مشاركتنا في مشاعرنا، أو أنها تستثنينا من انفعالها الصارم، وهو شعور تنقضه الفطرة، ذلك لأن توريل يهبنا ولعا عزيزا ونادرا: أن نلتقط الضوء في أكثر اللحظات عتمة وتوترا عاطفيا. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0