صحف عبريةفي 14 كانون الثاني (يناير) 2011 حدث في تونس زلزال. فقد سبب شاب اسمه محمد بوعزيزي، أحرق نفسه، نشوب أحداث شغب أفضت الى هرب الرئيس زين العابدين بن علي والى اسقاط نظام حكمه. الآن ما زال من الصعب ان نحدد بيقين ما الذي يحدث بالضبط في تونس وهل ينتهي تبديل السلطة بطرق سلمية أو بعنف. من الواضح أمر واحد وهو انه يتوقع في الفترة القريبة عدم استقرار سياسي وصراعات بين القوى الاسلامية والقوى العلمانية في الدولة في حين يؤدي الجيش عمل حارس الأمة.
يبدو رغم الاسئلة المفتوحة انه يمكن في هذه المرحلة استنتاج عدد من الاستنتاجات الأولية. سمّى عبد الرحمن راشد، مدير محطة تلفاز ‘العربية’ والمحرر السابق لصحيفة ‘الشرق الاوسط’، أحداث الشغب في تونس ‘الثورة العربية الاولى’. وذلك لان التغييرات التي حدثت في نظم الحكم العربية في القرن العشرين كانت كلها انقلابات عسكرية سُميت ‘ثورات’، لكنها لم تكن بالفعل سوى تغيير تجميلي داخل النخب. يدل تعريف راشد اذا على ان الأحداث في تونس لا تدل على ثورة على الحكم فقط بل على ثورة في تصور المواطن العربي لمكانه في المجتمع ولمسؤولية السلطة عنه.
يصعب أن نُقدر مبلغ تأثير هذه الأحداث في العالم العربي. جزم سلمان مصالحة في صحيفة ‘هآرتس’ على نحو قاطع انه ‘يمكن الاطمئنان. لان ما حدث في تونس لن يكرر نفسه في الدول العربية الاخرى’. هذا استنتاج متعجل ولا يلائم ما يعتقده عدد من المثقفين في الدول العربية. فهؤلاء يرون الأحداث ‘مرضا مُعديا’. قد يكون هذا هوى في القلب. وقد لا تؤثر الأحداث في تونس في الدول العربية في الأمد المباشر: فقد سارعت كثيرات منها الى توزيع إفضالات اقتصادية وأخذت بوسائل أمنية معززة لمنع امكانية ‘تسرب’ الأحداث اليها.
لكن، في الأمد الاوسط والبعيد، يمكن ان يكون للأحداث في تونس تأثير في عدة اتجاهات: اولا، في ادراك رؤساء النظام والمواطنين ان الحكم الاستبدادي لن يصمد الى الأبد مع عدم الشرعية. تم اسقاط نظام صدام حسين لكن هذا حدث بمساعدة الامريكيين ـ لكن هنا، تخلص المواطنون بانفسهم لأول مرة من نظام بغيض. يجب ان تثير هذه الحقيقة قلقا لدى نظم الحكم العربية التي لا يتمتع كثير منها بشرعية وهي تشبه من جهة خصائصها سلطة بن علي.
وثانيا، من الواضح انه لا يمكن تجاهل عمل وسائل الاعلام ـ التلفاز والانترنت والفيس بوك ـ أو قمعها. تعلم المواطنون، انه مع عدم وجود اجهزة صادقة للدولة لتغيير برامج السلطة فان وسائل الاعلام تزودهم بطرق مجابهة نظام القمع. وثالثا، ان الامتناع عن حل مشكلات اقتصادية واجتماعية قد يكون مدعاة الى ثورة. نبعت الأحداث في تونس بقدر كبير من ضائقة اقتصادية اجتماعية كبيرة. ولمنع تكرار هذه الظاهرة ستضطر نظم الحكم العربية الى النظر في هذه المشكلات بجدية أكبر.
ورابعا، توجد أهمية عليا للصراع بين القوى الاسلامية والقوى العلمانية: سيكون انتصار كل طرف ذا شأن في ميزان القوى الاقليمي؛ فاذا نجحت الثورة في الحفاظ على صبغتها العلمانية ـ فسيكون من الممكن الحديث لا عن نموذج ثورة اسلامي فقط (ايران وحماس) بل عن نموذج علماني ايضا. لا شك في أن جميع حُكام المنطقة يتابعون في خوف (أو أمل) نتائج هذا الصراع.
لهذه الاسباب كلها، تستطيع الثورة في تونس ـ كما قال أحد المثقفين العرب ـ ‘أن تكون مصدر إلهام ودافعاً، وأن تكون خريطة طريق جديدة تفضي الى اعادة الحقوق السليبة والكرامة الموطوءة’. إن حقيقة ان تونس تقع في حاشية العالم العربي لا تقلل من أهمية الأحداث. كانت هذه الدولة في الماضي علامة على بدء مسار تاريخي؛ فقد كان رئيسها الاسطوري الحبيب بورقيبة، الذي اقترح في 1965 فكرة ثورية هي الاعتراف بدولة اسرائيل في حدود التقسيم 1947. تلقى بورقيبة جام احتقار العالم العربي، لكن من الواضح اليوم انه دلّ على بدء الاعتراف العربي باسرائيل.
لهذا لا مكان للتوجه الذي يلغي أو يستخف بالأحداث في تونس؛ فهي علامة اخرى على ان العالم العربي ليس مفصولا عن الساحة الدولية.’ محاضر في قسم دراسات الاسلام والشرق الاوسط في الجامعة العبرية في القدسهآرتس 26/1/2011