لا تسرع يا بابا نحن بانتظار

حجم الخط
0

لا تسرع يا بابا نحن بانتظار

لا تسرع يا بابا نحن بانتظارباعتباري أحد المنتمين (بيولوجيا) للثقافة العربية، وأحد المكرهين علي تعلم لغة (غوتة) أجد من الواجب حضور جنازة (كلمة البابا) رغم ما تفرضه من تجهم وجدية وارتداء بذلة وربطة ونظارة سوداء، أو امتلاك طاقة (نووية) للمجاملة والتوّرية، فكلمة البابا تستحق أكثر مما تتصوّرون.. لذا وقبل الإنزلاق إلي ما لا تحمد عقباه.. أسجل إحترامي لكافة الأديان (المنقولة وغير المنقولة)، التي أستطيع تشبيهها ببنوك متخيّلة، تدّخر فيها الجماعات الإنسانية، رأسمالها الرمزي، وتودع فيها سندات ملكية (الحقيقة) ومنظومة القيّم، وأسهم اللغة والتراث… بنوك تقرض زبائنها، إحساسا بالوجود الجمعي والتاريخي، يعبر عنه سرعة اضطراب الجماعة وغضبها وتلاحمها، ساعة المحنة، رغم أن أفرادها في العادة، يمارسون فيما بينهم، علاقات السلطة والقوة والإستئثار وحتي الطغيان… بكلمات أخري.. ان أي سجال ديني ومذهبي لا يمكن إعتباره نقاشا ميتافيزيقيا فلسفيا، حول الحقيقة بقدر كونه تهديدا لوجود الآخر، وسطوا مسلحا علي بنكه. وإذا عدت إلي محاضرة البابا في جامعة ريغينبورغ، في 12 من ايلول (سبتمبر) بعنوان الدين والعنف والتي حوّلها جو الشرق الأوسط الساخن من لسعة نحل، إلي لدغة عقرب شديد السميّة.. أقول لو عدت إليها، واستقرأت ردود الفعل الأوروبية، سأجد أن كلمته لم تجد صدي طيبا ولا استحسانا، فاللاهوتي السويسري الذائع الصيت هانز كونغ (صاحب المؤلفات الغزيرة في علم الأديان، وأحد الوجوه العالمية البارزة في حوار الأديان والحضارات وصف الكلمة بأنها تفتقد إلي المهارة واللياقة! أما البروفسور عادل تيودور خوري، مؤلف الكتاب الذي اقتبس منه البابا حوارية الإمبراطور البيزنطي (إيمانويل الثاني) والعلامة الفارسي، فقد برر له إقتباسه، الذي لا يعبر بالضرورة عن رأيه، وإن كان يتمني لو أن الحبر الأعظم أضاف بعض الكلمات لمنع الإلتباس!! لاهوتي آخر قال: إن تضارب العقل والإيمان ليس إمتيازا إسلاميا بل يشمل المسيحية أيضا!! لكن الرأي السائد أن البابا نسيّ وهو في قاعة المحاضرة، أنه بنديكت السادس عشر (رأس الكنيسة، ورئيس دولة الفاتيكان) واستطيب دوره القديم باعتباره رايتسنجر، أستاذ اللاهوت!! لكن ومهما قيل، فان كلمته حول علاقة (العقل والأيمان) تمثل صدمة لعصر الحداثة الذي أقفل منذ قرون هذه السجالات القروسطية العقيمة، فالأيمان والإعتقاد لا يمكن قياسهما بأدوات الإدراك العقلي، لأنهما مناط تجربة روحية محضة… فكما أن التجسد الإلهي في المسيح، عصيّ علي العقل كذلك هو حال التجسد الإلهي في النص القرآني.. لكننا قد نخطئ أيما خطيئة، إذا اعتقدنا أن البابا هو نفسه أوربان الثاني الذي أمر بالحروب الصليبية عام 1096 وأنه بخطبته هذه يستعد لإرتداء درعه وخوذته، وتجييش جيوشه، فالكنيسة قد تعرضت مذاك لعاصفة الحداثة، فأصبحت كسيحة ومقعدة ومعتكفة خلف أسوار الأديرة (رغم حضورها المعنوي والبروتوكولي) وهذا ما عبر عنه الجدل في الدستور الأوروبي، الذي استبعد من نصوصه اعتبار المسيحية ملهما للتراث والحضارة الأوروبية!! المشكلة تبدو لي في النهج الإسلامي المتشنج، الذي وجب عليه (لسوء حظه) أن يكون محاميا عن آخر الديانات التي استمدت شرعيتها من الجذر الإبراهيمي، والتي اعترفت بالآخرين دون أن تحظي بالإعتراف المقنع!.. فلا وعي المسيحية لا يزال يختزن تراث صراع طويل ومرير، ولا يزال ينظر إلي الإسلام باعتباره هرطقة لا توصل إلي طريق الخلاص الأبدي (ناهيك عن الفتوحات التي سلبت المسيحية بيت المقدس، مهوي أفئدة المسيحيين) أما الردود العربية والإسلامية، فهي نسخ مكررة لحالات التأوه والتألم الموسمية (منذ رواية سلمان رشدي) وجوه غاضبة يتطاير من عيونها الشرر.. مناسبة تنتعش فيها أسهم الخطباء وحراس المقدس الذين يتلقفون الحدث وكأنه هبة سماوية..نادر قريط ـ النمسا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية