لا تصافح ولو منحوك الذهب… الإعلام فريسة الذباب الالكتروني… ماذا يقول المراسل الصحافي من بلد مستبد!

حجم الخط
2

معظم الأخبار والفيديوهات التي نقلت رفض وزير الداخلية الألماني مصافحة المستشارة ميركل، على خلفية تجنّب الإصابة بفيروس كورونا، جاء تحت عنوان “فيديو محرج لميركل”، وحدها “دويتشه فيله” تجنّبت الحديث عن “إحراج”، ثم ذكّرت بـ “أن الحكومة الألمانية دعت إلى التعقّل واليقظة على خلفية انتشار الفيروس”.

هل يجرؤ مسؤول في بلدك على عدم مصافحة الرئيس؟

حاشا أن تكون المحطة الألمانية قد وقعت في مطب البروباغندا، فمن يشاهد الفيديو لن يشعر بأن رفض المصافحة قد تسبّب بأي إحراج للمستشارة، كان ممتعاً بالفعل أن تشاهد عظمة وسحر الديمقراطية والحرية في هذه البلاد، إذ يستطيع أحد ما أن يرفض مصافحة الرئيس من دون أن يقرأ الشعب في صباح اليوم التالي خبر انتحاره بثلاث رصاصات، أو أن تقطع أوصاله، أو يزجّ في غياهب السجون.. ولذلك اختار فيديو المحطة الألمانية أن يختم بسؤال: “هل يجرؤ مسؤول في بلدك على عدم مصافحة الرئيس؟”.

 

ولدت المصافحة كي يقول الناس إن أيدينا خالية من السلاح، ويا لها من نهاية مأساوية لهذه الرمزية القديمة، إذ بات نداء الجميع، في زمن الكورونا: “لا تصافح، ولو منحوك الذهب”!

 

هكذا حوّلت “دويتشه فيله”، الناطقة بالعربية، “الخبر المحرج” إلى طريقة في مكافحة كورونا، وعدم التردد أو الخجل من الكفّ عن المصافحة، ثم إلى سؤال سياسي كبير يمسّ كل الناطقين بالعربية، المنكوبين بحكام لا يعرفون الرحمة.

لا تصافح

يحكى أن المصافحة عبر التاريخ ولدت كي يقول الناس، بعضهم إلى البعض الآخر، إن أيدينا خالية من السلاح، ولقد باتت مع الأيام رمزاً للسلام، بل إن المصافحة في العربية الدارجة تعني حرفياً السلام، وأن تصافح امرَءاً يعني أن “تسلّم عليه”.
يا لها من نهاية مأساوية لهذه الرمزية القديمة، العابرة للزمن وللثقافات، إذ بات نداء الجميع، في زمن الكورونا: “لا تصافح، ولو منحوك الذهب”!

ذباب الكتروني

بات مألوفاً أن يبحث الناس عن الرسائل الخفية الكامنة بين سطور أي مقابلة من وزن رئاسي، لم يعد هذا العمل حكراً على المحللين السياسيين والنفسيين وحدهم، الجميع بات يهتم بمفردات الصورة وإن كانت تبعث بكلام آخر إضافي لا يتسع له الكلام الرسمي. لا يصدق هذا الرأي على أحد قدر ما يصدق على مقابلات الرئيس الروسي بوتين، المشغول بصورته كقيصر، وينتظر منه المشاهدون سلفاً تصرفاً يعبّر عن غروره الاستثنائي.
بهذا المنظار راح مشاهدون كثر يترقبون مقابلة بوتين الأخيرة مع الرئيس التركي أردوغان، وقد وجدوا بالفعل ما يلوكونه، وتلوكه من بعدهم صحف ومواقع الكترونية بارزة. أشارت الأخبار إلى ما قيل إنه تمثال “يعود لـ”كاترين الثانية” التي تعتبر إحدى أشهر أباطرة الروس، والتي ألحقت العديد من الهزائم بالدولة العثمانية” ظهرَ فوق الوفد التركي الواقف جانباً خلال اللقاء الرئاسيّ في الكرملين. وبالفعل، إن راقبت المشهد وفق النظرة التي يرمي إليها خبر التمثال ستحزن حقاً لحال الوفد التركي، وتأسف للحال المذلّ!
لكن الأمر لم يكن على هذا النحو، ولم يكن يلزم إلا جولة سريعة في صور مقابلات بوتين مع زعماء آخرين لاكتشاف أن التمثال، من بين أشياء أخرى، ثابت من ثوابت المكتب الرئاسي.

دقائق فقط تلزم المؤسسات الإعلامية للتأكد من الخبر قبل إغراق الناس وإشغالهم بأشياء مزيفة

 

الصحف ومواقع الكترونية بارزة لم تكلف نفسها عناء تدقيق قد لا يشغلها أكثر من بضع دقائق فقط، من أبرزها “سي أن أن” الذي وضع عبارة تقول: “وهو ما لا يمكن لموقع “سي أن أن” بالعربية التأكد من صحته بشكل مستقل”. ما يُفهم أن الموقع لا يستطيع التأكد لمن يعود التمثال، وكان الأجدى التأكد إن كان التمثال طارئاً مخصصاً للوفد التركي في المكان أم لا.
وكالة أنباء “الأناضول” التركية اضطرت أمام سيل الأخبار الهادر عن التمثال أن توضح بأن تلك التغريدات المغرضة أطلقها ذباب الكتروني معظمه سعودي وبعضه مصري، وقدمت أمثلة للقاءات أخرى سابقة تحت التمثال نفسه لأنجيلا ميركل والملك الأردني عبدالله الثاني ومحمود عباس وبنيامين نتنياهو.
دقائق فقط كانت تلزم المؤسسات الإعلامية للتأكد قبل إغراق الناس وإشغالهم بأشياء مزيفة، لكن واضح أن كثراً ناموا مطمئنين لما جاء به “الذباب”، حتى أنهم لم يكلفوا أنفسهم تالياً عناء التوضيح.

المراسل في البلد المستبد

قبيل اللقاء الأخير بين الرئيس الروسي بوتين والتركي أردوغان ظلّ مراسل “فرانس24” في موسكو يتحدث، وفي العديد من نشرات الأخبار، عن “حاجة تركيا الى موسكو”، وأوحى مراراً بأن تركيا في ورطة لن يخرجها منها إلا موسكو، مرجحاً أن ذلك بسبب ما جرى في البرلمان (كانت الأخبار تتداول فيديو مشاجرة وصراخ في البرلمان التركي)، وفي الشارع التركي (رغم أنها واحدة من المرات القليلة التي يحتشد فيها الشارع خلف حكومته بهذا الشكل)، إلى جانب المجريات على الأرض، مع العلم أن تركيا كانت تكتسح الأرض من دون مجابهة كبيرة تذكر.

سؤال لقنوات وصحف “العالم الحر”، ها قد اختبرتم لعقود طِوال حال المراسلين في البلدان المستبدة، تعرفون جيداً أنكم حتى لستم أحراراً تماماً في اختيارهم، ألم يحن الوقت لآليات جديدة في التعاطي مع تقارير وأخبار ومراسلي تلك البلدان؟

 

لسنا بصدد نقاش سياسي مع المراسل، إنما نستغرب هذا التطابق مع موقف البلد الذي يراسل منه، وفي ما إن كان حتمياً أن يتطابق المراسل إلى النهاية مع موقف البلد، والأهم ما فائدة المراسل في هذه الحالة إن كنا سنجد في تقاريره تكراراً ببغائياً للكلام الحكومي الرسميّ. (سيكون الأمر أسوأ إذا كان سوء العلاقات التركية الفرنسية دفع المحطة للتواطؤ والصمت على مراسلهم).
هو سؤال لقنوات وصحف “العالم الحر”، ها قد اختبرتم لعقود طِوال حال المراسلين في البلدان المستبدة، تعرفون جيداً أنكم حتى لستم أحراراً تماماً في اختيارهم، ألم يحن الوقت لآليات جديدة في التعاطي مع تقارير وأخبار ومراسلي تلك البلدان؟

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية