إعتلى سفير روسيا في بولندة المنصة للحديث في الخيمة الكبيرة التي نصبت في معسكر بركناو. وذكر مؤكدا أن قوات الجيش الاحمر الروسي هي التي حررت اوشفيتس بركناو. وكان قائد القوة التي حررت المعسكر رائدا يهوديا. ولم يكن ذلك نزهة وفتح أبواب كما تبين من كلام السفير الروسي. فقد أشرف الضابط اليهودي الروسي على معركة دارت لاحتلال المعسكر من الالمان وقتل في المعركة نحو من 250 جنديا روسيا. وهذا من الاشياء التي لم تجهد وسائل الاعلام في اسرائيل ومنها الفيس بوك نفسها في تأدية تقارير عنها من زيارة وفد اعضاء الكنيست لاوشفيتش بركناو في نهاية كانون الثاني هذه السنة في يوم ذكرى المحرقة الدولية. اعتيد اليوم ايضا أن يُزعم أن السلاح التشيكي بدعم سوفييتي هو الذي أنقذ الوضع في حرب الاستقلال. ويمكن أن نصف بذلك العلاقات بين اسرائيل وروسيا مدة القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين بأنها متجهمة ومرة احيانا لكنها حلوة وتكون احيانا شديدة الحلاوة. وانظر الى قصائد نتان يونتان الروسية. كان يوجد في داخل المركز المعادي للسامية الذي كان يحكم سياسة الاتحاد السوفييتي نحو الاستيطان العبري في ارض اسرائيل ونحو دولة اسرائيل بعد ذلك، كانت توجد نواة موالية للصهيونية في الادارة السوفييتية ولا سيما وزارة الخارجية وبخاصة أندريه غروميكو. وكان يوجد دائما في داخل المؤسسة الصهيونية ناس اتصال تحملوا المخاطرة وحافظوا على علاقة قريبة بالعناصر الموالية للصهيونية في الاتحاد السوفييتي وكان أحدهم ناحوم غولدمان الذي حافظ على قناة اتصال بـ غروميكو منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي الى مطلع سبعينياته. إن الغضب في البيت الابيض الذي غطته وسائل الاعلام بتوسع، على ‘موقف اسرائيل المحايد’ من المواجهة الروسية الامريكية حول الغزو الروسي للقرم وزعزعة اوكرانيا، يعيد النقاش في توجه اسرائيل الصحيح بين الكتلتين. إن رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الخارجية ليبرمان يسلكان في هذه الجولة خطا يخالف الخط الذي سلكه دافيد بن غوريون في مطلع خمسينيات القرن الماضي. حتى لو لم تكن هذه هي بالضبط سياسة الحياد الذي أوصى بها بعد حرب الاستقلال اشخاص مثل كوبا رفتن، وموشيه سنيه، ونتان يلين مور، واسحق شمير واوري افنيري، فانها مع ذلك نوع من البراغماتية يمكن أن نسميه حيادا فعالا حراكيا. ويحسن ألا توالي اسرائيل جانبا في المواجهة الاوكرانية لا لأن فلادمير بوتين هو نبأ خيّر. فقد بقي بوتين نبأ سيئا لكن المصالح الامنية الواضحة تملي على اسرائيل سلوكا خلاصته: من الخسارة الافساد. لاسرائيل علاقات طيبة نسبيا بروسيا، وفي اسرائيل مجموعة كبيرة من المهاجرين من روسيا، وفي روسيا مجموعة يهودية وليست المواجهة الروسية الامريكية شيئا يفيد اسرائيل اذا استقر رأيها على أن تلقي بكامل ثقلها في الجانب الامريكي. في حديث مع شخص روسي قبل ثلاثة اسابيع في مؤتمر تناول العلاقات بين اوروبا واسرائيل قيل لي بصراحة تقريبا إن روسيا تفهمت جيدا موقف نتنياهو وليبرمان وهي راضية عنه. لكن سلوك اسرائيل المستقل في الشأن الاوكراني ليس تجديدا. ففي السنوات الثلاث الاخيرة كلها وهي سنوات الربيع العربي، التزمت اسرائيل بسياسة تخالف سياسة الولايات المتحدة. فسياسة نتنياهو نحو مصر وسوريا وحزب الله ونحو تركيا وايران وحماس في غزة تغاير سياسة ادارة اوباما بل هي نقيضها. وأيهما عملت بحكمة أكبر هل اسرائيل أم الولايات المتحدة؟ إن الجواب بعد ثلاث سنوات لا لبس فيه، فقد اثبتت اسرائيل سلوكا حكيما مع استعمال القوة حينما اقتضى الامر ومع انشاء قنوات اتصال طيبة بمصر والسعودية. أما الولايات المتحدة في مقابلها فهي في انهيار اقليمي. وهذا ايضا سبب آخر يدعو الى الحفاظ على موقف اسرائيل الحيادي في المواجهة الروسية الامريكية. إن الولايات المتحدة التي تخلت عن الشرق الاوسط وأفضت الى هيمنة روسية وايرانية أصبحت تُرى بعد السنة الاخيرة دعامة هشة إن لم نقل محطمة. لا تستطيع اسرائيل أن تستثمر في صندوق امريكا اسرائيل فقط، بل هي ملزمة أن تكون أكثر اعتدادا بروسيا. ففي السنوات التي استقر رأي اسرائيل فيها على توجه موال للغرب، دفعت عن ذلك ثمنا باهظا، بل يمكن أن نعيد النظر في السياسة التي أقرها بن غوريون بعد حرب الاستقلال وبعد 1950 على الخصوص حينما نشبت الحرب الكورية، ألم تكن خاطئة آخر الامر. فلم يكن يجب على اسرائيل أن تسجد لستالين ولأسرة كيم إيل سونغ الكورية الشمالية للحفاظ على حياد في المواجهة العسكرية بين الكتلتين التي نشبت في 1950. لكن بن غوريون استقر رأيه على اظهار أن اسرائيل في الجانب الامريكي، الغربي. وكانت اسرائيل هي التي قدمت في كانون الثاني في 1951 اقتراح القرار في الامم المتحدة لبدء محادثات وقف اطلاق النار في كوريا. وفي 1953 استقر رأي سفير اسرائيل في الامم المتحدة (وفي الولايات المتحدة) آبا ايبان على تطويع 200 ألف جندي اسرائيلي للحرب. وعلى إثر اعلانه كتبت تلك المقالة في ‘كول هعام’ (صوت الشعب) لحزب ماكي التي أفضت الى اغلاقها المؤقت. ونقول بالمناسبة إن من يقرأ اليوم تلك المقالة التي تتحدث عن الحفاظ على استقلال دولة اسرائيل القومي وعن ابقاء النقب في يد اسرائيل، يصعب عليه أن يصدق أن الأبناء الايديولوجيين لكتبة تلك المقالة يسعون الى نقض مناطقي وقانوني وسياسي واجتماعي لاسرائيل. فهي مقالة وطنية تقع على نحو ما بين حزب العمل والليكود بحسب المفاهيم الحالية. لكن بن غوريون رأى أن المقالة التي تنتقد حكومته كانت سببا لاغلاق الصحيفة الشيوعية. ذكر عاموس منور، رئيس ‘الشباك’ في خمسينيات القرن الماضي ومطلع ستينياته، ذكر دائما الحلف مع الامريكيين باعتباره واحدا من أسس نظرية الامن الاسرائيلية كما أقرها بن غوريون. ووصف في مقابلة صحفية مع المؤرخ نير مان المشكلة التي واجهها بن غوريون: ‘طمح بن غوريون الى انشاء علاقات وتفاهمات سياسية مع الولايات المتحدة باعتبارها هدفا استراتيجيا. وصادمت رغبته في أن يبرهن للولايات المتحدة على توجهه الموالي لامريكا، صادمت تحفظ الادارة في واشنطن من اسرائيل’. وقال إن اسرائيل كانت تُرى في واشنطن لونا زهريا يميل الى الاحمر. وسمعت أنا ايضا من منور عن التصور الذي يرى أن الحلف الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة يجب أن يبقى لبنة أساسية في النظرية الامنية. فهل أحسن ذلك لاسرائيل على مدى السنين؟ من المفيد أن نفحص مرة بأي قدر كانت جولات الحرب التي انشأت جمود الصراع الاسرائيلي العربي، نتيجة لالتزام اسرائيلي مبالغ فيه للامريكيين.