الخرطوم ـ «القدس العربي»: في وقت حمّلت فيه لجان المقاومة وعدد من القوى السياسية والمهنية السودانية العسكر تبعات «انزلاق البلاد» إلى الحرب، بعد تصاعد الاشتباكات العنيفة بين الجيش وقوات «الدعم السريع» أكدت مصادر مطلعة لـ«القدس العربي» شروع الوساطة الدولية الرباعية التي تقودها الرياض وواشنطن، في تحركات لإقناع الجانبين بالوقف الفوري للمعارك، والعودة إلى طاولة التفاوض، مبينة أنها لم تحرز أي تقدم حتى الآن، وهو ما كان مصير الوساطة المحلية.
وقال نائب حاكم إقليم دارفور، عضو فريق الوساطة المكون من أحزاب وحركات مسلحة، محمد عيسى عليو» لـ«القدس العربي» إن «الوساطة استطاعت الاتصال بكل من قائدي الجيش البرهان والدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بعد اندلاع القتال، إلا أنها لم تصل إلى أي نتائج حتى الآن، وإن كل جانب يحاول حسم المعركة لصالحة بعد أن بدأت» مؤكدا «استمرار جهودهم لوقف النزاع».
وأضاف: «لا يهمنا من يحكم، ولكن يجب أن يتوقف نزيف الدم» مشيرا إلى أنهم «بذلوا جهودا واسعة لجمع البرهان وحميدتي على طاولة التفاوض قبل انفجار الأوضاع، إلا أنها لم تنجح».
وكشف عن أن الوساطة كانت قبل انطلاق الأحداث بساعات قليلة في اجتماع مع البرهان، ولم يبد أن هناك ترتيبات للحظة الصفر، مرجحا أن يكون هناك طرف ثالث، لم يسمه، جر الأطراف للصراع المسلح على الرغم من إبداء كل جانب مواقف ايجابية لحل الأزمة.
وأضاف: «يبدو أن ذلك الطرف أراد قطع الخط على الحل، إلا أننا سنواصل العمل لحسم النزاع ونأمل في نجاح جهود الوساطة في إعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض».
وقال إن «العودة الى طاولة التفاوض» كانت أيضاً مطلبا للمجلس المركزي لـ«الحرية والتغيير» الذي دعا أيضاً قيادة القوات المسلحة السودانية وقيادة قوات الدعم السريع إلى «تحكيم صوت الحكمة ووقف المواجهات العسكرية فوراً، مشددا على أن «القضايا العالقة لا يمكن حلها بالحرب، وأن الخيار الأفضل للبلاد هو معالجتها سلمياً وعبر الحلول السياسية».
وقال المجلس في بيان إن المعارك التي اندلعت منذ صباح السبت في مختلف أرجاء البلاد بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، تتصاعد وتيرتها بصورة «تهدد وحدة وتماسك وسيادة الوطن».
وأشار إلى أنه «ظل يدق جرس الإنذار حول مخططات النظام السابق لجر البلاد لحرب لا تبقي ولا تذر، بهدف قطع الطريق أمام استرداد مسار الانتقال المدني الديمقراطي» لافتا إلى أن «مخططاتهم أصبحت تتكشف وبوضوح عقب إشعال فتيل المعركة، وأنهم هم الجهة التي قامت بالتعبئة لهذه الحرب والترويج لحصاد نتائجها». كما دعا الشعب للتصدي لمخططات عناصر نظام المؤتمر الوطني ـ الحزب الحاكم السابق ـ وعدم السماح بتمريرها تحت أي غطاء كان، واعتزال خطابات الكراهية والتهييج وتأجيج الحرب.
نائب حاكم إقليم دارفور لـ«القدس العربي» : جهودنا مستمرة لإنهاء النزاع
وكان رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، قد طالب أول أمس السبت، قادة الجيش والدعم السريع، بالوقف الفوري لإطلاق الرصاص وتحكيم صوت العقل، مؤكدا أن «الخسارة ستكون من نصيب الجميع ولن يكون هناك منتصر على جثث شعبه».

وفي 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، نفذ العسكر انقلابا ضد الحكومة الانتقالية برئاسة حمدوك، والتي تشكلت في أعقاب الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير.
كذلك أطلق رئيس المكتب التنفيذي لحزب التجمع الاتحادي، بابكر فيصل، نداء عاجلا لقادة الجيش والدعم السريع، طالبهم خلاله، بإعلان وقف إطلاق النار من الجانبين، محذرا من انزلاق البلاد إلى الحرب الأهلية الشاملة.
وقال إنها «دعوة وطنية صادقة تسعى إلى حفظ دماء السودانيين جميعا» مضيفا: «هل يلبي قادة الجيش والدعم السريع هذا النداء؟».
وأكد أن «مشاكل السودان يمكن حلها جميعا بالحوار دون اللجوء للسلاح» مشددا على أن «إيقاف القتال اليوم أفضل من الغد» مضيفا: «إذا اتخذت القيادة العسكرية القرار الصحيح بوقف إطلاق النار، سيمكن ذلك البلاد من أن تتحول إلى وجهة أخرى، وهي الحوار والتفاوض والحلول السلمية».
إلى ذلك، أدانت الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ التيار الثوري الديمقراطي ـ «ترويع المواطنين وسقوط ضحايا بسبب اندلاع المعارك والاشتباكات بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في عدة مناطق في العاصمة الخرطوم ومروي وبعض المدن الأخرى» مشيرة إلى أن تلك المعارك والاشتباكات «طالت نيرانها المدنيين الأبرياء وبعض المناطق السكنية».
وناشدت المجتمع الإقليمي والدولي بالتحرك السريع من أجل وقف هذه الحرب، ومنع توسعها إلى حرب أهلية شاملة، وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، محذرة من «مغبة تدخل أي جهات أجنبية في هذا النزاع لمصلحة أي طرف، مما يؤدي إلى تأجيج الحرب وتوسيع نطاقها ويهدد أمن ومستقبل بلادنا».
في السياق، طالب حزب البعث العربي الاشتراكي، قوى الثورة السياسية والمدنية بكل فصائلها بأخذ زمام المبادرة، بالتوحد وإدانة الاقتتال الجاري والمطالبة بإيقافه الفوري وعدم التسليم بأي نتائج تسفر عنه، داعيا إلى التعبئة العامة لإعلان الإضراب السياسي والعصيان المدني وأشار إلى أن تفاقم الأوضاع في البلاد التي عمقها الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، «نفخ الروح في بقايا النظام السابق، وإعادة تمكينهم اقتصاديا وماليا ووظيفيا، ودعم نشاطهم السياسي والإعلامي وحماية الفساد، وصولا إلى اللجوء لاستخدام القوة لحسم الصراع السياسي حول السلطة والنفوذ بالمواجهة العسكرية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع».
وندد بـ«استمرار القتال على نطاق القطر، وسقوط ضحايا وإصابات وسط المواطنين في مروي شمال البلاد، والعاصمة الخرطوم، ونيالا، والفاشر، وزالنجي، والأبيض، وغيرها، وفي صفوف المتقاتلين، مع استمرار التصعيد والتصعيد المضاد إعلاميا، وإشاعة جو من الترويع وعدم الطمأنينة وسط الشعب، وتعطيل دولاب الحياة والعمل، في أواخر شهر رمضان».
ولفت إلى أن «حملة السلاح (قوات نظامية وحركات مسلحة) عندما يختلفون يلجأون لاستخدام القوة مما يلحق الضرر بالبلاد والشعب، وأن ذلك يتعارض مع التوجه للتحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة» مبينا أن «قوى الثورة طالبت من أجل ذلك بإبعادهم عن المشهد السياسي في الفترة الانتقالية إلى حين توفيق أوضاعهم، وفق الترتيبات الأمنية، التي تحقق دمج كافة القوات في قوات مسلحة موحدة، بدءا بالحركات المسلحة وتحويلها إلى أحزاب سياسية، ووصولا للجيش الوطني الواحد الحديث، سواء تم إنجازه في الانتقالية أو استكمل بعدها».