لا توجد صلة قوية بين الكارثة واقامة الدولة لأن اقامة اسرائيل كانت مصلحة امريكية وسوفييتية في الأساس
لا توجد صلة قوية بين الكارثة واقامة الدولة لأن اقامة اسرائيل كانت مصلحة امريكية وسوفييتية في الأساس أحد الشعارات الراسخة في اماكننا يُخلد علي علم القومية، بتذهيب الازرق والابيض: توجد صلة بين الكارثة وبين بعث دولة اسرائيل، وبصياغة أكثر حدة: لولا أن الكارثة كانت لما قامت دولة اسرائيل.لا يطلب كاتب هذه السطور رفض هذه الاقوال رفضا باتا، بل أن يتم تقييمها في التناسب الصحيح وفي الضوء المناسب.إن مؤيدي التوجه المذكور آنفا يريدون إثبات مزعمهم علي أساس المزاعم الآتية: أولا، غيّر مهاجرون كثيرون من لاجئي الكارثة الميزان السكاني في الدولة؛ وثانيا، نشأ ضغط نفسي علي دول، هي الولايات المتحدة وبريطانيا في الأساس، اللتان استطاعتا أن تقصفا معسكرات الابادة لكنهما تحفظتا أو احجمتا عن ذلك، وبحثتا عن ملاذ اخلاقي، فوجدتاه بتأييد اقامة دولة اسرائيل، وثالثا، نشأ ضغط اخلاقي بعامة للعالم، الذي ادرك مبلغ احتياج الشعب الي الدولة؛ ورابعا، انكشف الجمهور الصهيوني في منطقة الانتداب البريطاني فجأة للناجين من الكارثة، وهو شيء زاد من قوة ضغطه لاقامة الدولة.المزعم الاول، السكاني، خاطيء من الجانب الكمي، وعلي أية حال، لا توجد له صلة موضوعية وبراغماتية باقامة الدولة. أما سائر المزاعم فهي عاطفية، وتأثرية، تعرض مشاعر ، مشوهة لتفسير عمليات تاريخية باردة، تقوم علي تقديرات مصلحية، من قبل القوي العظمي. علي أية حال، هذا مُريح وملائم لهواة النستالجيا والأساطير.حتي ان اجراءات تاريخية اخري، مثل تصريح بلفور، التي تبدو أنها نبعت في ظاهر الأمر من مركبات عاطفية، مثل صلة البريطانيين بالكتاب المقدس أو إسهام وايزمن في الحرب العالمية، يبدو أنها نبعت، من تقديرات مصلحية بريطانية باردة، مثل طرد الفرنسيين عن المنطقة.وهنا يتضح، مفاجئا لنا ، أن اعلان الامم المتحدة عن اقامة الدولة في المستقبل 29/11/1947 كان نتاجاً مصلحيا امريكيا وسوفييتيا، علي شفا نشوب الحرب الباردة بينهما، وعدم المعارضة البريطانية المقهورة (كما جُرّ طوني بلير تماما وراء السيد الامريكي اليوم)، وليس بينه وبين الكارثة صلة سببية.واذا كنا علي أية حال نبحث عن شيء من صلة بالكــــارثة، فانه يمكن أن نجدها في ضغط لاجئي الكارثة، المقــــتلعين، الذين أثقلوا علي دول اوروبا، في أمل ايجاد حل لضائقتهم. لم توافق الولايات المتحدة علي فتح أبوابها لهم، وضيقت علي حكومة الانتداب، التي أرادت أن تتخلص من هذه الضائقة بنقل مسألة مستقبل ارض اسرائيل الي لجنة تحقيق تابعة للامم المتحدة، وهنا بدأ المسار الذي أفضي الي التصويت المصيري، المصلحي، في الامم المتحدة.إن الصلة بين الكارثة والبعث واهية، وجاءت لتخدم أهدافا قومية، وقبلية، وهي ايضا نوع من جلد الذات علي الخطيئة ـ خطيئة إسكات أصداء الكارثة في اسرائيل الانتدابية بل غياب أخذ وضعهم في الحسبان، حينما ما أن نزلوا عن ظهور السفن حتي أُرسلوا الي الجبهة، الي الموت.يحيعام شوريكدكتور، مؤرخ وباحث في معهد بيت بيرل(معاريف) 25/4/2006