خطت مصر أمس خطوة واسعة اخرى راجعة الى الماضي: فقد أخرج جهاز القضاء المصري حركة الاخوان المسلمين خارج القانون. يصعب أن نصدق أن الجيش وهو أقوى جسم في الدولة كان يراقب القرار متنحيا فقط. فينبغي أن نفرض أنه كان للفريق السيسي تدخل في قرار الحكم. وتنبعث من القرار رائحة قوية هي رائحة الرغبة في العودة الى النظام القديم. وليس له في المقابل رائحة ديمقراطية. إن الليبراليين يصفقون. وصحيح الى اليوم أن اختيارهم هو بين ديمقراطية بلا مصر ومصر بلا ديمقراطية. أما الاخوان المسلمون في المقابل فلم يقولوا كلمتهم الاخيرة. على حسب قرار الحكم لا حق للاخوان المسلمين في الوجود القانوني. ولا يعني هذا أنه لا حق لهم في الوجود في الشارع، فالمحكمة لا تستطيع أن تمحو عمل سنين في الأحياء. وسيشعر الاخوان المسلمون الآن بالظلم وخيبة الأمل أكثر، وهي مشاعر ستقوي ارادتهم فقط في تقوية عملهم الاجتماعي في الشوارع. ولهذا السبب بالضبط استقر رأي المحكمة ايضا على اخراج جمعية الاخوان المسلمين خارج القانون. فهم لا يريدون فقط منعهم من المشاركة في اللعبة السياسية، بل يريدون ألا يكونوا عاملا مهما في الشارع. وكيف؟ إن جمعية الاخوان المسلمين التي أُنشئت في فترة رئاسة محمد مرسي كانت وسيلة للحصول على المال. والاخوان غاضبون ويلتزمون بأن يبقوا قوة سياسية في الشارع. ويمكن أن نصدقهم في أنهم سيحققون وعدهم. فقد فعلوا ذلك في الماضي وقد عرفوا اياما صعبة في العمل السري، لكن المشكلة الوحيدة هي كيف يعودون الى العمل السري بعد أن كانوا في الحكم. ينبغي أن نفرض أن تكون المرحلة التالية اخراج حزب الحرية والعدالة ذي اللونين الازرق والاصفر، الذي سيطر على الشارع المصري في معركتي الانتخابات لمجلس الشعب والرئاسة، وقد فاز ذلك الحزب الذي أُنشيء للاخوان المسلمين حتى الآن في كل معركة انتخابية ممكنة منذ كان سقوط مبارك في 2011. وينبغي أن نفرض أن الحلف على الانقلاب العسكري الذي انشأه الموالون للاخوان في غد الثالث من حزيران/يونيو سيُخرج خارج القانون. ويمكن أن نتوقع ايضا أن يهتم الجيش بأن يهضم جهاز القضاء أملاك حركة الاخوان، كما حدث بصورة جزئية في 17 أيلول/سبتمبر. لا شك في أن الجيش استقر رأيه على أن يعالج الاخوان المسلمين علاجا جذريا. إن الواقع في مصر يجب أن يكون مُخيبا جدا لشباب التحرير، شباب الثورة الذين خرجوا الى الشوارع وبذلوا مهجاتهم احيانا. وهم الآن بعد ثلاث سنوات تقريبا يتبين لهم أنه ليس لمصر طريق ثالث. كان الاخوان هم الذين فازوا في البدء وقلبوا الطاولة وأصبح الجيش الآن أكثر اشتغالا بتصفية الحسابات من اشتغاله ببناء سلطة مدنية. وفي اثناء ذلك تعمل مصر على انشاء دستور جديد يفترض أن يكون مُعدا حتى نهاية تشرين الثاني/نوفمبر. وسيُدعى الشعب المصري مرة اخرى الى صناديق الاقتراع كي يوافق عليه هذه المرة باستفتاء شعبي. ويفترض أن يمهد الدستور الجديد بعد اخراج الاخوان المسلمين خارج القانون طريق مصر الى مستقبل قديم. أصبح من الصعب شيئا ما أن نتحدث عن ديمقراطية في مصر الى أن يصبح الطريق الثالث احتمالا حقيقيا.