‘لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة’، هي الرواية الأخيرة للسوري خالد خليفة.
استغرقت كتابتُها حسبما نفهم من التاريخ المثبَت في نهايتها ستَّ سنوات امتدّتْ من 2007 إلى 2013 (سنة صدورها في طبعتها الأولى عن دار الآداب) بين دمشق وإيوا (الولايات المتحدة الأمريكية) وهونغ كونغ، أي أنّ فترة نشوئها واكتمالها أكبر من عمر الأزمة السورية بأزيد من أربع سنوات.
تستعرض في خمسة فصول حياةَ ومصائرَ أفراد عائلة حلبية فقيرة تعيسة تعيشُ الفقرَ والخوفَ (الذي تصنعه بهدف إخافة الآخرين) والهلعَ أمام كلّ شيء. انقطعت صِلاتها بمحيطها العائلي الأقرب أعماما وأخوالا ما عدا خالٍ واحد ‘مِثلي/شاذ’ موسيقي عاثر الحظّ، يصحبها على امتداد حياتها، يتبادل وإياها العطفَ والرعايةَ بعْد نَبْذه من عائلته أو ممّن بقي حيّا من أفرادها. كما انقطعت بها السُّبُل عن محيطها الاجتماعي العامّ. تحيطنا الروايةُ عِلما ببعض تفاصيل الحياة في سورية (بل في مدينة حلب مسرح الأحداث) وتطوراتها وتحولات الأمزجة والطّبائع والسلوكيات وحتى الأمكنة والمواقع ومعالمِها منذ بداية ستينيات القرن الماضي وما قبلها بقليل، أي منذ ما قبل وصول حزب البعث إلى السّلطة هناك حتى منتصف العِقد الأول من القرن الحالي/الـ21 وما بعده بقليل. فكانت ثرية من هذا الجانب بالدقائق والتفاصيل التي تلقي بالقارئ (في بعض المقاطع) في أجواء سحرية غرائبية سرعان ما تتلاشى لأسباب ستتَّضِح على امتداد الفقرات الموالية.
تتكوّنُ العائلةُ من أم (مدرِّسة) مريضة ، متعالية، منغلقة في الماضي. لم تستطع التخلُّص من بقايا بورجوازية قديمة نَعِمتْ بها عند أهلها قبل زواجها (غلطة عمرها) من والد الراوي، زهير، القروي العامل البسيط في شركة السكك الحديدية، أمام تحفّظَ عائلتها المولَعة بالتقاليد العثمانية ورفض عائلته لتركه خطيبتَه الأولى ابنة عمِّه. استقرت معه فترة في بلدته ميدان اكبس حيث يعمل في محطّة شبه مهجورة ضائعة على الحدود السورية التركية، قبل أن يهجرُها ويسافر مع مُنقِّبة آثار أمريكية عجوز رأى فيها فرصةَ خلاص من واقعه، تاركا لها أربعةَ أولاد: ابنة بِكر كسيحة كانت محلّ سخطه وغضبه (كما كانت محلّ شعور بالعار لوالدتها) تموت بعد سنوات قليلة. وولدين الراوي أكبرهما، تتوسّطهما أختٌ ثانيةٌ هي سوسن. تعود بأطفالها إلى مدينتها، حلب، وتقضي بها بقية حياتها ناقمة على الحاضر ومتحسِّرة على ماضٍ تحاول دائما تصفية حساباتها معه.. دائمة التشكّي من نقص الأوكسجين. أورثها كلُّ هذا التعالي والنِّقمةُ والتحسُّرُ، عُقدا ورّثتها بدورها لأبنائها (الراوي وأختِه وأخيه) فـ’أبعدتهم عن بيئتهم الطبيعية’ ولم يستطيعوا جميعا (كما لم تستطِعْ هي) التخلُّصَ من الفقر والبؤس والاندماج في الحياة وأخذها كما هي ومسايرة ظروفها واختلافاتها في بحثهم عن مجْد ضائع أوهمتْهم به، فلم يتسنّ لهم تامينُ حدٍّ أدنى من الكرامة. تشابهتْ مصائرُهم في إطارها العام: الإخفاق والخيبة والضعف والخوف والذُّعر وغياب الأمل وانعدام التفكير والحلم والرغبة فأصبحوا معطوبين ماديا ومعنويا نفسيا، إلاّ أنّ هذه الحياة اختلفت في بعض التفاصيل لاختلاف تفاصيل مسارات الإخوة. كانت حياةَ هامشٍ موازية للواقع بل للحياة نفسها، وليست موازية للحزب كما يُصرِّح بذلك الراوي في أكثر من مناسبة على امتداد روايته..
تبدأ فصولُ الرواية الخمسةُ كلُّها فيما عدا الفصل الرابع- بحَدَث موْتِ الأم لينطلِق منه الراوي بعد ذلك إلى تفكيك الذّاكرة والحفر في ماضي العائلة بسرد تفاصيل خيبتها وفشلها فرْدا فرْدا إضافة إلى التعرُّض لشخصيات أخرى جملة أو تفصيلا تقاطعت مصائرُها كليا أو جزئيا مع مصير هذه الشخصية أو تلك: الأم وأفراد عائلتها، زوجها الهاجِر الحاضِر الغائب على امتداد الرواية، صديقاتها، عُشّاق الأخت سوسن (الضابط والحِزبي السابق منذر وجان مدرّس اللغة الفرنسية العائد سنوات عديدة قبل ذلك من غربته في جنيف للعناية بوالدته المُسِنّة المريضة) وصديقاتها. الخال المِثلي الشاذّ نِزار وعشّاقه ممّن كانت له علاقات معهم. الخال الثاني عبد المنعم والخالة ابتهال. الجار الحِزبي فواز الذي يصبح فيما بعد عضوا في مجلس الشعب، والحِزبي الآخر جابر صديق طفولة الراوي. علاقات رشيد القليلة في حلب ومغامراته في بغداد، الخ. كان هذا سببا للانكسارات الزمنية والحركة الكثيفة التي لاحظناها بين الأزمنة، أزمنة الواقع المروي وأزمنة السّرد في حاضره. إضافة إلى تواتُر أحداثٍ وجزئيات أحداث. لم تنتهِ الروايةُ بحدث موت الأمّ بل استمرّت إلى ما بعده مستعرضة النهايات الأخرى: هِجرةُ سوسن ثانية بعد حملها الإرادي سفاحا من عشيقها السابق جان ثم رغبتها في الاحتفاظ بالجنين والبحث عن أب له، فيرتّب لها خالُها نزار الأمرَ مع صديق له عاد من باريس لفترة (بل عشيق له، شاذٍّ هو أيضا ، تتبرّأ منه عائلته مُزوِّرة شهادة وفاته نظير دفْعِ أموال طائلة فيصبح ميشال كرازييه بعد أن كان ميشال الحايك) وتُغادر البلدَ معه بلا ندم، غير مكترثة بأهلها كما غادر أبوها من قبل. رشيد العازف الذي لم يستطع التأقلم مع هذه المهنة رغم موهبته فيها. مرّ بفترات تيه فكري وقلق روحي وجودي انتهى به إلى الانضمام إلى إحدى الجماعات الدينية (قبيل ‘غزوة نيويورك’ بقليل-العبارة بين مزدوجين للمؤلِّف) والهِجرة فيما بعد إلى العراق لمواجهة الأمريكيين عند غزوهم له فيقع أسيرا في معركة المطار الشهيرة. يمكث في السِّجن خاضِعا للتحقيق زمنا حتى اهتدائه إلى حيلة أنقذته من الإعدام بإنكار شخصيته الحقيقية وانتحال شخصية موسيقي عرفه في حلب مؤكِّدا ذلك بعزفه الجيِّد للجنود الأمريكيين في بعض مناسباتهم (ص 225) فيُطلق سراحُه ويؤمِّن عودتَه إلى بلده ومدينته بعد وفاة والدته. ثم اكتئابه وفشله كليا في التأقلم مع الظروف الجديدة لينتهي به الأمرُ إلى الانتحار شنقا في غرفته بعد سهرة مع أخيه (الراوي) وخاله. وهو المشهد الذي تنتهي به الرواية. أما الخال نزار فيهرب من حلب إلى كسَب حيث يشيِّد بيتا يقضي فيه ما تبقى من حياته بين الجبال بينما يستسلم الراوي لقدره ويكتفي بما هو عليه (ص 233)، فتكون الهجرة المادية (رحيلا إلى خارج البلد أو إلى مدينة أخرى أو حتّى إلى العالَم الآخر:الموت) هي الحلّ (أو الخلاص) لكلّ الشخصيات تقريبا بعدما كانت هجرتُهم المعنوية من الواقع موجِّها لحياتهم.
سُردتْ علينا الروايةُ بضمير المتكلِّم. طغت على السّرد أحادية الصّوت فأدّى ذلك إلى أحادية الرؤية وضيقِ أُفُقها، فالراوي هنا وعلى الرّغم من روايته الأحداث من الدّاخل كونُه أحد أفراد العالَم المروي وشخصياتهِ الأساسية، عالِم بكلِّ التفاصيل والدّقائق. فهو المُلاحظ والمُحلِّل والمُفسِّر والمؤوِّل. يروي كلَّ شيءٍ وحده ويُفسِّر كلَّ شيء وحده فلا ينقل أقوالَ الشخصيات فقط بل أفكارها أيضا. يدخل إلى بواطِنها وسرائرها ويخرج منها كيفما شاء، كلُّ ذلك في غياب تامّ للرأي المخالِف وكأنّنا في تقرير صحفي في جريدة حزبية (مثل تقارير المخبرين التي تواتر ذكرُها في النصّ) ولسنا في نصٍّ أدبي وجنسٍ مُستعصٍ ضمن نوع من الأنواع الأدبية السائدة في عصرنا. أحادية لم تُخفِّفْ منها ما سبقت الإشارةُ إليه من انكسارات زمنية وتواتُر الأحداث أو جزئياتها.
لا نلوم الكاتب على موقفه الإيديولوجي فهذا من حقِّه، لأنّ الأدب بمختلف أنواعه حامل لرسالة وموصِل لفكرة باعتباره مُساءلةً للواقع وللتاريخ. بل نلومه على عدم توفيقه في موقفه الجمالي الفني وتضحيته بالأدبية-literarity على مذبح الإيديولوجيا (بمعناها السياسي الضيِّق). فزيادة على ما اشرْنا إليه في الفقرة السابقة، هناك الإقحام الفجُّ للحزب ومُمثِّليه، في كلِّ المستويات (من الرئيس إلى المُخبِر البسيط) في حياة الشخصيات (وفي السّرد معا) بمناسبة وبغيرها، وجعْلِه مسؤولا عن خيباتها وعجزها (وهي العاجزة الفاشلة أصلا)، والفاعل الرئيسي ومُوجِّهَ الأحداث، في مبالغة ضخّمتها المباشرةُ والتقريريةُ، ما أدّى إلى تنافُر المقاطع الحاملة لذلك مع سَيْر السّرد وتسلسُل الأحداث، فكانت نشازا في نسيجه. الأدبية هي ما يصنع تفرُّدَ العمل الأدبي وفنِّيَتَه وهي تكمن في كيفيات التعبير عن المضمون، في دِقّة الصِّناعة التي تصهر المضمونَ والشكلَ بعضَهما في بعض، فتُعطي للمبدِع والمُبدَع معا جدارتهُما، ذلك أنّ المضامين أو المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي…على رأي الجاحظ.
تتراتبُ أسبابُ فشلِ العائلة (وكثير من الشخصيات الأخرى الوارد ذكرُها في النصِّ) وعجزِها مُتفرِّغة بعضُها عن بعض. هناك بدءا، العامل/الدّافع الطَّبقي (إضافةً إلى الطّائفي عند البعض) المتمثِّل عند الأم مثلا في تعاليها وتكبُّرها وحسِّها البورجوازي (كما لو أنّها وُلِدتْ على درج أوبرا فيينا، كما علَّق مرّة ابنُها رشيد ساخرا) على الرغم من كونها ابنة موظَّف في شركة السِّكك الحديدية ونفورها من محيطها بعد زواجها (من زوجها أولا باحتقارها لعائلته وله فيما بعد وهو سببٌ من أسباب تعاسته وهجره لها) ثمّ من جاراتها الكرديات بميدان اكبس ومن جيرانها بحيِّها العشوائي في حلب (من عساكر مخابرات فقراء وفلاّحين أكراد وعمال نسيج مياومين) ومن مجموع الناس تقريبا، ولّد هذا عاملا آخر هو أحد أوجه العامل الإيديولوجي وقوامه النّفور من سياسة الحِزب وفلسفته وهو ما ولَّد لديها العُقد النفسية المختلفة -التي ورَّثتها بدورها لأبنائها كما سبقت الإشارة- فكان ذلك مدعاة لما رأيناه من ‘إحساس بأنّ حياتَها مجموعة أخطاء’ ومن انكسار روحي وانهزام نفسي. أمّا أن يكون الحِزبُ نفسُه وممارساتُه في هذه الرواية على الأقل- هو السببُ المباشِر في ذلك كما حاول الراوي إيهامنا فهو أمرٌ مُجانب للصواب، سيّما وأنّنا لم نقرأْ على امتدادها أنّ فردا من أفراد العائلة (أو من الشخصيات الأخرى، فيما عدا بعض الحزبيين من هذه الشخصيات لتجاوزات ارتكبوها) اعتُقِل أو سُجِن أو فصِل من عمله على الرغم من أنّ الأم نفسها لم تستجبْ لطلب تعبِئة وثائق الانضمام وهي المدرِّسة المُوظَّفة عند الدولة التي يُسيِّرها هذا الحزب ويسيطِر على مفاصلها، بل على العكْس من ذلك كانت سوسن ترى في الحزب وسيلة للارتقاء وتحقيق المجْد فانخرطت فيما تعيبُه عليه عائلتها بلا تردُّد.. واستطرادا، نرى أنّ السّبب الحقيقي هو سِلبية الشخصيات الناتجة في معظمها عمّا سبقَ ذكرُه بتفاوُتٍ فيما بينها في ذلك بطبيعة الحال. ممّا لا يستقيمُ معه البتة أن تكون هذه الشخصياتُ نموذجا مطلقا للفرد السوري في نصف القرن الأخير، أو على الأقلّ نموذجا يدينُ الحزبَ والنِّظام كما أرادها المؤلِّف.
النفور الطبقي متبادَل فيما بين بورجوازيي المجتمع ومسحوقيه من عمّال وفلاحين وباقي الفقراء (كما هو مُتبادَل فيما بين أطيافه الأخرى) ولعلّه هو الذي يدفع أبناء هؤلاء وأولئك في العهد الجديد إلى الانخراط في الجيش وفي الحِزب الحاكم والارتقاء في سُلّم المسؤوليات وتحقيق أحلامهم بالانتقام الذي هو بالنسبة للقرويين أبناء الفلاحين مثلا شراء أراضٍ في قراهم واستعباد أبناء الإقطاعيين الذين أذلّوا آباءهم قبل انقلابات العسكر (ص 136). ثمّ في حركات المعارضة وفصائلها المسلّحة فيما بعد للأطياف الناقِمة ولِمن لم تتحقٌّقْ أحلامُه فيكتمل الخرابُ ليصبح ماديا أيضا بعد أن كان نفسيا فقط (وهو حال أقطار ما يُسمّى بالربيع العربي). تنافر أنساق القِيم بل تعارُضُها وتعدُّدها داخل المجتمع لتعدُّد أطيافه (دينيا اقتصاديا اجتماعيا طبقيا وسياسيا، وحتّى ثقافيا) وعدم قدرة بعض هذه الأنساق على التأقلُم والانسجام يولِّد فشلا ذاتيا للنسق وحامليه الذين يجدون في احد الأنساق الأخرى أو فيها مجتمعة شمّاعة يعلِّقونه عليها، في انتظار دورة تاريخية أخرى تنتقم فيها طبقة من أخرى أو طيف من آخر باسم هذه الشرعية أو تلك، وهكذا هو حال الشَّرق (بالمفهوم الحضاري) عكس الغرب الذي حقَّقت أنساقُه القيمية انسجاما تجاوز الأُطُرَ القطرية إلى معظم أطيافِه الثقافية والجغرافية (الاتحاد الأوروبي).
نُشير أخيرا إلى أنّ عنوان الرواية مستوحى من مشهدين على الأقلّ فيها، الأول (ص 137) عند الحديث عن بحْثِ سوسن عن سكِّين المطبخ الكبيرة للانتقام من شلّة زعران، والثاني (ص 207) عند سرْد واقعة حَرْقِ رجل لزوجته وأبنائه الأربعة ثم انتحارِه بسكّين المطبخ صارخا في من كان يراقبُ المشهد: ألا توجدُ سكاكين في مطابخ هذه المدينة؟ البحث عن السكّين في الحالة الأولى والتساؤل عن غيابها في الثانية دعوة جلية وضِمنية أيضا لاتخاذها سلاحا للقتل، قتْل الآخرين أو قتل الذات/الانتحار، أي دعوة لإيقاظ ما اشرنا إليه في الفقرة السابقة من دورات اقتتال أطياف المجتمع وانتقام بعضها من بعضها الآخر باعتقاد بعضها بأنّ الخلاص لا يكونُ إلا في العودة إلى الطيْف/الطّائفة وما يترتَّب عن تلك العودة، في عبثية لا تنتِج سوى الخرابِ والأطلال التي يحلو للبعض الوقوف عليها صارخين باستمتاع مثلما لاحظنا في مناسبة سابقة: أرأيتم؟ ألم نُخبركم؟ ألم نُحذِركم؟ إلى آخر المعزوفة التي تصلنا أصداء تقاسيمها (وأصداء نتائجها أيضا) اليوم.
والخلاصة: جنتْ مباشرةُ الإيديولوجيا وتقريريتُها على الأدبية في رواية ‘لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة’ فسطَّحتها وأحالتْها إلى ما يُشبه المنشور السياسي الدِّعائي الحزبي الذي لا يختلف عن منشورات الحِزب الذي رافعت ضدّه على امتداد 255 صفحة من القطع المتوسِّط فكانت دليلَ اتهام للآخر بدل أن تكون نقدا ذاتيا واتهاما للذات في مرحلة أولى. هكذا نحن: الآخر هو المسؤول دائما عن خيباتنا وانكساراتنا وانحرافاتنا عن الطريق القويم.
[email protected]
د. إبراهيم صحراوي