د. ابراهيم ابراش
ظاهرة تكررت في اكثر من بلد وفي ازمان ممتدة واصبحت بمثابة القانون السياسي /الاجتماعي، نعم انه قانون غير مدون ولكن العرف او الممارسة المتكررة المُسلم بها ولو ضمنيا تصبح اقوي من القانون المدون، وربما اصبح مطلوبا من علماء الاجتماع السياسي شحذ اقلامهم لصياغة نظريات مُفسرة لهذه الظاهرة. الظاهرة هي تحول حركات ثورية وجهادية تاسست لمواجهة عدو خارجي بالسلاح ورفعت شعارات واهداف كبيرة قد تكون صحيحة نظريا ولكنها غير عقلانية ومستحيلة عمليا لعدم تناسبها مع امكانيات هذه الحركات ومع المحددات الدولية والاقليمية المحيطة… ، تحول هذه الحركات لعصابات مسلحة او لأدوات لحرب اهلية، وفي كثير من الحالات تتحالف بعض هذه القوي المتنافسة في نفس البلد مع العدو القومي الذي وُجدت لمواجهته، او يغذي العدو الحرب الاهلية بطريقة مستترة.
من نيكاراغوا في امريكا اللاتينية الي لاوس وتايلند في اسيا، الي اكثر من حالة في افريقيا، واخيرا في افغانستان والجزائر والعراق ولبنان وفلسطين، تحول الكفاح المسلح او الجهاد من نضال للدفاع عن الوطن او عن قيم ايديولوجية عليا او في سبيل الله، الي صراع من اجل السلطة، ولتصبح حال البلد – سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وامنيا ـ مع وجود هذه الجماعات اكثر سوءا مما كانت عليه قبل ان يتنطعوا لقيادة الامة، بل يتحسر المواطنون علي الايام الخوالي قبل ان يبتلوا بهذه الحركات. لو بحثنا في اسباب ايلولة الامور لارتكاسة وطنية فالسبب لا يكمن في شرعية الاهداف المرفوعة فمطالب الاستقلال والحرية ومقاومة الاحتلال هي مطالب مشروعة. السبب يكمن في غياب استراتيجية وطنية وقيادة وحدة وطنية تحت رايتها يكون فعل المقاومة، دائما موازين القوي العسكرية تميل لصالح الاحتلال، لان الاستعمار هو دوما احتلال دولة قوية لدولة ضعيفة، وحتي يستطيع الشعب الخاضع للاحتلال فرض ارادته علي العدو عليه توحيد كل جهوده وحشد كل امكانياته، وفوق كل ذلك كسب دعم وتأييد العالم الخارجي، المقاومة الفصائلية او المجزأة لا تستطيع الانتصار علي العدو، والمقاومة المجزاة والمتناحرة مع بعضها البعض لا تستطيع حشد تاييد شعبي ورسمي محلي ودولي. غياب استراتيجية وقيادة وطنية هو ما يسمح للعدو باختراق الجماعات المسلحة ويسمح للاطراف الخارجية باختراق هذه الجماعات وتوظيفها لخدمة اجندتها الخارجية واستقطابها للعمل ضمن مشاريع سياسية غير وطنية، ولان الانغلاق الفكري، ان لم يكن الجهل السياسي، لا يسمح لهذه الجماعات ان تعترف باخطائها وبعبثية العمل المسلح في ظروف غير مواتية ولانها اصبحت اسيرة الارتزاق الثوري والجهادي واسيرة السلاح المنتشر بيد عناصرها وما انتج من ثقافة، ايضا اسيرة الجهات الممولة، فانها تبحث عن عدو جديد يبرر استمرار وجودها كجماعات مسلحة، ويكون العدو في هذه الحالة داخليا اي الفصائل المسلحة المنافسة او النظام السياسي الذي تشتغل داخله. لا مجال هنا لمقاربة هذه الظاهرة عالميا بشكل مفصل، بل نريد التركيز علي حالة عيانية نعيشها في فلسطين، وهي اقتتال الجماعات المسلحة -وخصوصا حركة حماس وحركة فتح – والتي كان من المفترض ان تكون حركات مقاومة للعدو، وانزلاق هذه الجماعات لوضع الحرب الاهلية وهي حالة لم يعد مجال لانكارها وخصوصا بعد الانقلاب العسكري لحركة حماس في قطاع غزة. لا شك ان حركة حماس ارتكبت جرما ليس فقط بحق النظام السياسي بل بحق اهلنا في غزة عندما سهلت المامورية للعدو لحصار وتجويع الشعب واعطت المبرر للدول المانحة والدول العربية لوقف مساعداتها، فيما حركة حماس لا تملك الامكانيات لتسيير امور الناس هناك ولا تملك افقا سياسيا يقنع الجمهور بحل قريب، الا ان كل ذلك لا يبرر لمجموعات فلسطينية القيام بعمليات مسلحة ضد عناصر ومقرات حركة حماس والقوة التنفيذية، وخصوصا ان من يقف وراء هذه المجموعات المسلحة لم يستطيعوا وهم في السلطة الحيلولة دون سقوط غزة بيد حركة حماس واوقفوا قبل ذلك استراتيجية المقاومة في مواجهة اسرائيل، ولان هذه العمليات ستزيد من معاناة الناس دون ان تقصر من عمر حكم حركة حماس لان بقاء او عدم بقاء حكم حركة حماس رهين بحسابات تتعدي النطاق الوطني. في نفس الوقت لا يجوز لحركة حماس التي ما وُجِدت الا لقتال العدو كما تزعم، ان توجه بنادقها الي صدور المواطنين العُزل في القطاع وتقتحم المنازل وتعتقل وتعذب كل من يخالفها الراي، والاخطر من ذلك لا يجوز لحركة حماس ان تستجدي الهدنة مع العدو فيما هي تشرع سلاحها بوجه ابناء الوطن، العنف غير المبرر لحركة حماس ضد المواطنين في القطاع يولد احقادا ورغبة بالثأر ويعمق الفجوة بين الحركة والشعب مما يجعل اي مصالحة بين السياسيين عديمة الجدوي.
العمليات المسلحة التي نسمع عنها والتي تمارسها مجموعات تدعي انها تابعة للاجهزة الامنية او لحركة فتح، يجب ان تُدان بشدة ومن اعلي المستويات، من الرئيس ابو مازن ومن الحكومة الشرعية في رام الله ومن كل غيور علي المصلحة الوطنية، لان هذه العمليات ستستدعي ردود فعل من حركة حماس في الضفة الغربية مما سيعيق من عمل الحكومة ويظهرها كحكومة فاشلة في حفظ الامن ولا ندري ان كان من اهداف الذين يقفوا وراء العمليات المسلحة في غزة اسقاط الحكومة في الضفة، ايضا ما دامت حركة حماس قررت البحث عن هدنة طويلة المدي مع اسرائيل فعليها ان تتحول في قطاع غزة من حركة مقاومة الي حركة سياسية تؤمن بالتعددية وبالعمل السلمي، وفي الضفة الغربية، عليها التخلي عن سلاحها لان السلطة هناك تطبق ما تسعي حركة حماس لتطبيقه وهي التهدئة والبحث عن حلول سلمية، استمرار تخزين وحمل السلاح في الضفة الغربية مع التوجه لهدنة مع اسرائيل يعني انه سلاح موجه ضد السلطة والحكومة الفلسطينية او بصيغة اخري انه سلاح يهدف للسيطرة علي السلطة.
الحرب الاهلية ككرة الثلج تبدأ صغيرة ثم تتعاظم بالتدريج ضمن تغذية ذاتية للعنف بفعل التحريض المتبادل والرغبة بالثأر، وتغذية خارجية من العدو المستفيد من ارتداد سلاح المقاومة داخليا لسلاح جماعات متصارعة علي السلطة، والعدو لن يألو جهدا في سكب الزيت علي النار، وما يشهده لبنان من تفجيرات مجهولة المصدر رسميا يجب ان يُستفاد منه فلسطينيا، فالجيش الاسرائيلي ليس فقط علي الابواب بل داخل البيت، وجيش العملاء منتشر في كل مكان، والفقر والعوز والاحباط تربة صالحة لتوليد من هم مستعدون لتنفيذ اوامر العدو بأقل ثمن وخصوصا ان السلاح والمتفجرات ارخص من الخبز في المناطق الفلسطينية. ان كل عمل مسلح تقوم به جماعة فلسطينية ضد جماعة اخري هو فعل ارهابي ومجرم ولا علاقة له بالمقاومة. ہ كاتب من فلسطين8