د.
شهلا العجيلي
قد يجد الناقد الروائيّ نفسه، في هذه المرحلة من تاريخ النقد، في حالة استقصاء، أو مراقبة، أو تأمّل، بعيداً عن الأحكام، لاسيّما بعد سقوط منظومة الإدهاش التي اعتمدت طويلاً على سطوة التابو، وعلى اختراقات النموج الفنّي، حتّى استنفدت طاقاتها، فصارت مألوفة من قبل كلّ من المبدع والمتلقّي. لكن، لا بدّ من أن نجد في كلّ مرحلة زمنيّة، ذات ظروف ثقافيّة اجتماعيّة دامغة، خيوطاً مشتركة، تشكّل همّ المبدعين الذين ينتمون إلى البنية الثقافيّة ذاتها، وتشكّل طموحاتهم، ومناخهم، وذلك مهما كانت فروقاتهم المكانيّة أو الجيليّة، وهذا ما يمكن تسميته بمزاج المرحلة.
لن ينصبّ الكلام هنا على نصوص الثورات، أو نصوص ما يُسمّى بالربيع العربيّ، فهي نصوص ما تزال غائبة، وما حضر منها ما نضج بعد، لذا لن تمكّننا الرؤية العلميّة من الكلام عليها في هذه المرحلة، لكنّها لابدّ آتية، إذ لكلّ حدث سياسيّ تجلّيات روائيّة. تعبّر نصوص النصف الثاني من العقد الأوّل لهذه الألفيّة عن المزاج العامّ لمرحلة ما قبل الحراك العربيّ الأخير، وقد اتسم هذا المزاج بفوضى فنيّة، لانعدام وجود منظومة ثقافيّة واضحة، وتعني الأخيرة منظومة قيميّة، كالتي كانت عند كلّ من الكلاسيكية، والرومانسيّة، والواقعيّة… ويمكن القول إنّ هذه الفوضى بقدر ما أنتجت نصوصاً تنمّ على افتقار إلى الموهبة الحقيقيّة، أو إلى العلم بماهيّة الفنّ الروائيّ، ، فقد منحت المتمكّنين من الروائيين، والذين كانوا يتوقون إلى النجاة من معايير النقد الصارمة، أفقاً من الحريّة في التعامل مع موضوعاتهم وأدواتهم على حدّ سواء.
تجدر الإشارة إلى أنّ نصوص المرحلة التي نتكلّم عليها، تكشف عن رغبة عارمة لدى الروائيين في الحفاظ على فنّ الرواية، والإصرار على استمراره، بوصفه بناء ثقافيّاً قائماً، أرسى أصوله في البنية الاجتماعيّة الثقافيّة العربيّة، وذلك أيّاً كانت موجودات هذا البناء، وأيّاً كان شكله، ما دام الشرط الروائيّ قد توافر، سواء أكان ذلك الشرط بحثاً عن قيم أصيلة في عالم متدهور، أم حوار أصوات، أم تجلّياً ما بعد استعماريّ. إذ تبدو أولويّة الروائيّ هي أن يكون نصّه حالة دراميّة تخصّ الحنين إلى ما هو مفارق للراهن، وبهذ أنزاح بمقولة (واسيني الأعرج) في (البيت الأندلسيّ)، والتي استعرتها عنواناً للمقال: ‘لا شيء في البيت يهمّ السارق’، لأقول: لاشيء من موجودات البيت يثير اهتمام الروائيّ، بقدر فكرة البيت ذاتها، إذ لم تعد موجودات البيت نفيسة، فقد امتدّت أيادي الروائيّين، على تفاوت مستوياتهم الفنيّة، إلى كلّ ما يمكن أن يشكّل قضيّة، وتنوّعت الموضوعات، وانتهكت المتعاليات النصيّة، ولم تعد مصدر جاذبيّة، فتراجع كلّ من اليوميّ، والحدث، والراهن، التي كانت نجوم المرحلة السابقة، لصالح المكان المتخيّل. ولا شكّ في أنّ نجوميّة المكان المتخيّل هي حالة إعلان ولاء لزمان خاصّ مؤطّر بذلك المكان، واحتجاج على الراهن المؤطّر بأمكنتنا التي نعيش فيها، من الدولة إلى الغرفة.
يبني (واسيني الأعرج) بيتاً أندلسيّاً في العدوة المغربيّة، على غرار بيت أندلسيّ في غرناطة، هُجّر منه أصحابه المورسكيّون زمن محاكم التفتيش، ويعيش في البيت الأندلسيّ، غاليليو (سيدي أحمد بن خليل) مع حبيبته لالة سلطانة. بذلك يهرب واسيني الأعرج من أبراج الجزائر، وليدة مافيا العقار، التي تهدم البيوت الأثريّة، وتنشئ مكانها الأبراج، مثلها في ذلك مثل من يتاجر بالمخطوطات الأثريّة، وبغيرها من أشكال التراث. ليس ذلك الطرح سوى فتح لملفّ من ملفّات الفساد، الذي قد نجده في أيّ نصّ آخر ينتمي إلى غير مرحلة، ممّا لم يعد يشكّل حالة تابوهيّة، لكنّ خصوصيّة المكان الذي استأثر باسم العمل (البيت الأندلسيّ) منح عناصر النصّ كلّها تأثيراً مغايراً لما يمكن أن تحدثه بعيداً عن ذلك المكان. تهرب (سلوى بكر) في (أدماتيوس الألماسيّ) إلى الإسكندريّة القديمة زمن الأفول، أي زمن الصراع بين الوثنيّة والمسيحيّة، الذي اتسم بعداء الدين للفلسفة، والذي يواقع القرن الثالث الميلاديّ، حيث عاش الأستاذ المعلّم (أوريجانوس بن ليليونيدس) الذي حلّت روحه بعد قرون ثلاثة في شخص الراوي (يوحنّا النحوي أو الجراماطيقيّ). عُرف أوريجانوس بالإصرار على ‘وصل فلسفة العقل بكلّ من دين الروح وعلم الجسد، حرصاً على أن يظلّ الكلّ في واحد، لأنّ الربّ اللوجوس هو الواحد البدء، وقد خلق الإنسان على شاكلته.’. ص8. يستأثر الصراع الدينيّ باهتمام هذا النصّ، سواء أكان ذلك الصراع بين الأنساق المختلفة (وثني/ مسيحي) أم ضمن النسق ذاته (مسيحيّ/ مسيحيّ)، وذلك نتيجة التنافس داخل المؤسسة الكهنوتيّة، ومع ذلك سيلاحظ المتلقّي أنّ المكان هو العنصر الأكثر نجوميّة، إنّها (الإسكندريّة) بثقلها التاريخيّ والجماليّ، وبتفصيلاتها العمرانيّة من المسارح إلى المدرّجات، فالساحات، وبيوت العبادة، والأحياء، والمنازل، ويحضر ذلك كلّه ضمن مخطّط عمرانيّ مدروس ومدهش. يترك (سعيد نوح) في (أحزان الشمّاس) ضجيج المركز في مصر، إلى صمت الهامش، في (دير الأنبا صموئيل) في أسيوط. ونلاحظ أنّه تحرّك بذلك من المركز الثقافيّ الدينيّ، إلى الهامش الثقافي المسيحيّ، الذي لا ينتمي إليه أصلاً، ليحكي عن الصراعات النسقيّة بين رجال الدين أيضاً، والتي تقوم على الحقد للوصول إلى السلطة داخل المؤسسة الكهنوتيّة. وتبرز تلك الصراعات مصاحبة لحضور الدير، الذي شكّل حاضنة النصّ، بتاريخه وبتفاصيله، وبالإضافات العمرانيّة التي تنافس رؤساؤه على وضعها.
يغادر (محمد صلاح العزب) صخب القاهرة أيضاً إلى (سيدي برّاني)، حيث (براح) ممتدّ إلى أطراف الصحراء التي تنتهي بكلّ من البحر والحدود الليبيّة. يفارق هذا المكان المعتادَ، ذلك أنّ رواية المكان عموماً تحتاج مكاناً قادراً على صنع، أو استيعاب ديناميكيّة الحدث، لكنّ (سيدي برّاني) مكان فقير، لذا فقد أطّر حدثاً بسيطاً، صنع حالة من الصفاء تتيح التأمّل الذي يحتاجه كلّ من (العجيب) و (الغريب) و (الفانتازيّ) التي يقوم عليها النصّ.
لم تُجهد النصوص السابقة ذاتها بالاحتفاء بطريقة السرد، فلم يطلها غبار المعارك الفنيّة، كما صار المكان فيها ملاذاً من المعارك الإديولوجيّة أو النسقيّة، التي استعملت مناظير متعدّدة للفساد، ومناظير جديدة للدين بخاصّة، ولعلّ أصحاب هذه النصوص قد انطبقت عليهم رؤية صاحب (البيت الأندلسيّ)، الذي أختم بقوله كما بدأت: ‘كنت أحارب وراء قائد كبير اسمه دون خوان النمساويّ، كنتُ أظنّه قادراً على تغيير كلّ الموازين، لكنّي أدركتُ بعد انهياراتنا، أنّ الكثير من حروبنا لم تكن ضروريّة’. ص263