لا ضير من المماطلة في عملية السلام هذه المرة

حجم الخط
0

خطاب اوباما أمام لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (ايباك) عبر بشكل واضح عن رؤية أمريكا للأوضاع الجديدة في الشرق الأوسط أكثر بكثير من خطاب اوباما يوم الخميس الذي كان موجها للشرق الأوسط، حيث عبر اوباما عن حرصه الشديد على السير في عملية السلام واستغلال الوقت للوصول إلى اتفاق نهائي لهذه العملية التي استمرت عقودا.

استشراف المستقبل من قبل إدارة اوباما قد يكون فيه الكثير من الصحة، فالشباب العربي الذي قرر أن يغير واقعه لن يكون راضيا عن حكومات مستقبلية تكون موافقة على طول الخط مع كل ما تأمر بها أمريكا، فقد كانت الحكومات العربية السابقة هي صاحبة الفضل الأول في إظهار إسرائيل بأنها القوة العسكرية والاقتصادية التي لا تقهر، وإظهار التأثير الدبلوماسي والاستخباراتي الإسرائيلي هو الأقوى في العالم للحد الذي أصبحت فيه إسرائيل أمام العقل العربي وكأنها القوة التي تدير العالم كله، وأن أي محاولة للوقوف أمام هذه القوة محكوم عليها بالفشل مسبقا، ولذلك فان السلام هو الخيار الوحيد المتبقي أمام العرب للوصول لحل قضيتهم الفلسطينية.

في السابق كان الجانب الإسرائيلي هو الذي يماطل في عقد أي اتفاقية سلام مع الجانب الفلسطيني، وكان في كل تحرك بهذا الاتجاه يكسب نقاطا جديدة وتنازلات جديدة من الفلسطينيين، باعتبار أن العالم العربي كان يعيش حالة إحباط مستمر خصوصا بعد الهزائم العربية المتكررة في حروبها (المزعومة) مع إسرائيل، ولم يبق أمامها إلا أن تدخل مع هذا الكيان في مفاوضات سلام يضمن للجانبين حقوقهم في دولتين، إحداهما نووية والأخرى الفلسطينية منزوعة السلاح، والمضحك في الأمر أن كل دولة كانت تبرر موقفــــها بضعف الموقف العربي العام وبأنها هي الوحيدة التي تعبر عن الموقف الوطني وبان الباقــــين منبطحون لأمريكا ولإسرائيل وبأنها لا تستطيع بمفردها مقاومة المد الاستسلامي، وبذلك رأينا لهاثا عربيا مقززا تجاه إسرائيل مما أدى إلى تقوية الموقف الإسرائيلي إقليميا ودوليا مقابل ضعف مستمر للموقف العربي.

لقد حاول اوباما في كلمته تبني الموقف الإسرائيلي بخصوص ان وجود حماس في الحكومة الفلسطينية يعرقل الوصول لعملية سلام حقيقية باعتبارها لم تقر لحد الآن بالوجود الإسرائيلي ولم تعترف بها، وهذه محاولة استباقية من أمريكا وإسرائيل لإشغال عملية السلام بأمور ثانوية ليست في صميم العملية التفاوضية نفسها، على الرغم من أن علاقة فتح مع حماس شأن داخلي فلسطيني، وقد أكد أبو مازن مرارا أن فتح هي المسؤولة عن سير المفاوضات مع إسرائيل وليست حماس، وأي اتفاق بين الحكومة الفلسطينية وبين إسرائيل سوف تكون حماس ملزمة به بطبيعة الحال.

في تصوري ان الموقف الفلسطيني مقارنة بالوضع الإسرائيلي هو الأقوى الآن، وان تمكن المفاوض الفلسطيني من كسب الوقت والمماطلة في المفاوضات فسوف نشهد تنازلات إسرائيلية كبيرة للمفاوض الفلسطيني، بما فيها نقاط ترفضها إسرائيل الآن.

إن إسرائيل تعي تماما أن الحصول على اتفاقية سلام توقع عليها السلطة الفلسطينية الآن أفضل لها من الدخول في مشاكل مستمرة إن لم نقل حروبا دامية مع الحكومات العربية المستقبلية، التي سوف تستند لتأييد شعبي يجعل من التفوق العسكري الإسرائيلي أمرا غير ذي جدوى، وحرب إسرائيل الأخيرة في لبنان تشكل لحد الآن هاجسا يؤرق جنرالات إسرائيل وساستها وهي بالتأكيد لا تريد تكرار التجربة هذه مستقبلا. ومن ناحية أخرى فقد سرت في الشعوب العربية حمى الثورات الشعبية التي آتت أكلها في دولهم. وليس بعيدا انه هذه الحمى تستمر عند هذا الشعب في التعامل مع القضية الفلسطينية، فعلى سبيل المثال يمكننا أن نتنبأ بالخيارات التي سوف تكون أمام إسرائيل في ما لو استمرت التحركات الشعبية التي شهدناها في ذكرى النكبة قبل أيام، كيف ستتصرف إسرائيل حينها وهل سيكون لتفوقها العسكري أي تأثير أمام جماهير تزحف بشكل سلمي على طول حدود إسرائيل مع مصر والأردن ولبنان وسورية؟ هل ستتمكن حينها إسرائيل من وقف هذا الزحف الجماهيري؟ لقد قلنا في مقالات سابقة أن اتفاق حماس وفتح سوف يعطي نقاطا ايجابية كثيرة للموقف الفلسطيني، حتى ان أدى إلى عرقلة عملية السلام لفترة معينة، وتستطيع الحكومة الفلسطينية أن تتلاعب بوجود حماس في الحكومة تماما كما تحاول إسرائيل وأمريكا الاستفادة منه، ولكن بالاتجاه المعاكس على مبدأ وداوها بالتي كانت هي الداء. لن يكون لإسرائيل وأمريكا مجال إلا بالقبول باتفاقية سلام (مستعجلة) أيا كانت النتائج ومهما كان الوقت السانح أمامها، فلن يكون أكثر من أشهر قليلة قبل أن تستقر الأوضاع العربية، وعلى المفاوض الفلسطيني ألا يكون متلهفا على التفاوض هذه المرة، كما كانت عليه الحال في المرات السابقة، ولاضير من تأخير أي اتفاق نهائي لحين وضوح الرؤية بالنسبة للوضع العربي وحينها سوف يحصل الفلسطينيون على تنازلات مؤلمة من الجانب الإسرائيلي لم تكن في الحسبان.

انس محمود الشيخ مظهركردستان العراق ـ دهوك[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية