لا طلاق مع الفلسطينيين

حجم الخط
0

قبل بضعة أيام دشنت التحويلة الجديدة التي بنيت في مفترق ادام. هذا مفترق مركزي وسط الضفة وهو يسمح من الآن فصاعداً بسفر سلس، مثلاً، بين مستوطنة بيت إيل والقدس دون أن يعلق المرء في أزمات سير يخلقها الخارجون من رام الله. لا أدري كم من القراء كانوا على علم بالاحتفال بالحدث الذي جرى بحضور رئيس الوزراء ووزير المواصلات، ولكني رأيت في هذا جواباً قاطعاً على الحملة الهاذية، برأيي، لأولئك الذين يدعون إلى «الطلاق من الفلسطينيين».
هذا لن يحصل، بالطبع، إلا إذا طلب العرب ترك منازلهم، مثلما فعل الكثيرون منهم إبان حرب تحريرنا. على الأراضي التي تركت في حينه بنت إسرائيل مئات البلدات والأحياء والمدن والكيبوتسات. ومن يطلب اليوم إعادة الدولاب إلى الوراء مصاب بالأوهام. لا في الجليل ولا في النقب، ولا في حيفا ولا في صفد أو تل أبيب، هذا لا يمكن أن يحصل؛ ولكن في الضفة الغربية أيضاً هذا لن يكون. ليس بسبب التحويلة، المنقذة من أزمات السير، في مفترق ادام، والتي أرى فيها وساماً وقدوة للتصميم اليهودي على البقاء إلى الأبد في المكان الذي ولدت فيه قومية دولة إليهود قبل ألفي سنة، ولا بسبب مئات الآلاف الذين انتقلوا للسكن في هذه المناطق وفي القدس الموسعة، بل لأن هذا هو المكان الوحيد على وجه الأرض الذي يمكن لنا أن نسميه «وطناً».
لقد سبق أن رأينا ما يحصل لليهود حين لا يكون لهم مهرب. وعليه، فعندما ظهرت اليافطات الأولى إلى جانب الإعلانات الضخمة على صفحات كاملة في الصحف، تساءلت ـ ليس عن مصدر المال الكثير الذي سكب هنا ـ بل على نية مبادري الشعار المغسول هذا الذي سبق أن رأينا مثله في الماضي؛ كل مرة بلباس آخر. فهل يريدون حقاً انسحاباً آخر في صيغة الهروب المعيب، والمفزوع، لايهود باراك من الحزام الأمني، الخطوة التي أدت برأيي إلى اندلاع الانتفاضة الثانية، بمئات ضحاياها، لأن عرفات أراد أن يحقق ما حققه نصر الله دون اتفاق؟ أم يريدون فك ارتباط وطرداً إضافياً لليهود من منازلهم مثلما حصل في غوش قطيف وشمال السامرة؟
أجوبة واضحة ومتماسكة، لم ينجح الضباط الذين يقفون خلف هذا الجنون الجديد في أن يقدموها. سمعت أحدهم، على الأقل، تجرى معه مقابلة وقد بدا، برأيي، ليس واضحاً تماماً. فهو لم يتحدث عن مخطط ملموس، ومع ذلك كان بودي أن أعرض على هذا الرجل الطيب إأن يستمع إلى العرب؛ فبين أولئك الذين يسكنون في نابلس أو في جنين وأولئك الذين يسكنون في حيفا أو في الرملة، وفي اللد وفي يافا، لا يوجد أحد منهم يتحدث عن العودة إلى الأماكن التي هجرت بعد أن رفض العرب أن يقبلوا مشروع التقسيم أو يتخلى عن الحلم الكبير لإقامة دولة عربية من البحر وحتى النهر. فلهذا الغرض انطلقوا إلى الحرب في 1948، لا ليحرروا أراضي احتلت منهم، بل كي يقطعوا رأس الدولة التي أقيمت في الحدود التي خصصت لها في قرار الأمم المتحدة.
مهما يكن من أمر، ما كنت أعول على إرادة عربية لأي حل وسط. فالعرب لم يرغبوا في أي مرة بالمساومة مع الحركة الصهيونية. كثيرون منهم على الإطلاق لم يولدوا في هذه المنطقة. فقد وصلوا إلى هنا كمهاجري عمل؛ لا كي يقيموا هنا دولة بل كي يضيقوا على اليهود، ولضربهم، ولقتل الكثيرين منهم قدر الإمكان. ولتلطيف الوقع على آذان كل السذج ممن يعودون ليطالبوا بالتوصل إلى حل وسط، يخيل أن من الأهمية بمكان أن نذكر لهم ما حصل ليهود الخليل في 1929. 67 يهودياً ذبحوا بوحشية مريضة. 20 ألف يهودي كانوا يسكنون هناك هربوا ـ وهكذا انتهت الجالية التي سكنت المكان مئات السنين.هذا لن يحصل مرة أخرى. ليس في بلاد إسرائيل.

حاييم مسغاف
معاريف 16/12/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية