لا عروبة المطلوب: التشظي الطائفي

حجم الخط
0

لا عروبة المطلوب: التشظي الطائفي

د. عماد فوزي شُعيبيلا عروبة المطلوب: التشظي الطائفي تصرّ زائرتي الأمريكية علي أن أحدد لها طائفتي التي أنتمي اليها. وزائرتي ليست مجرد صحافية انها احدي الباحثات الاستراتيجيات الأمريكيات. تعلوني الدهشة وأرفض بشدة أن أجيب عن سؤالها، وأحزم أمري بأن هذا السؤال استفزازي وأرفضه كقومي عربي علماني. تكرر محاولاتها بشدة، وأنا ثابت في المكان.لا يرضيها أن أردد لها بأنني أمثل كل الطوائف والملل والنِحل والمجموعات الاثنية في بلدي، وتبدي عجباً أن مكتبتي تحفل بالقرآن والكتاب المقدس ودراسات عن الطوائف ومذاهبها، يحيط بهما رتل من اللوحات الاسلامية وصورة السيدة العذراء. تسألني بلهفة فسّر لي كيف يستقيم أنك مفكر قومي عربي وعلماني ويحفل مكتبك بكل هذا، هل أنت شيعي حتي تدافع عن المقاومة بهذا الحماس! أجيبها بأننا لا نتنكر للأديان، فنحن مؤمنون بصورة أو بأخري، لكن كل الأديان والمذاهب وما تنتجه المجموعات الاثنية في بلادنا هي تراثنا العريق، هي النمط العريق Archetype لوجداننا وقيمنا الجماعية، لا أستطيع أن أكون منتمياً بدون ذلك كله … أما المقاومة فهي الضمير الخفي للقيمة الأخلاقية التي تقف وراء الحقوق. لا ينفع الكثير من جهودنا الفكرية لافهامها أن حسن نصر الله يمثلنا جميعاً لأنه (قضية حقوق)، وكذلك خالد مشعل ورمضان شلّح، وتعجب لقناعتي بأن الأخير علماني مثلي (بمعني ما) وكلّ منا بطريقته، تصرخ : علماني !، بدون عُصاب حرفي: أزيد وحسن نصر الله أيضاً، بافتراض أن جزءاً من العلمانية يتصل بقبول وطن للجميع، لا يفرض فيه أحد قناعاته علي الآخر، ويمارسها باحترام وتقدير متبادلين، ولا يسعي أحد لفرض قناعاته في التشريع والحياة اليومية لكنه يذهب الي حد بناء منظومة مجتمعية أخلاقية، وكلٌّ وفقاً لتصورة دون الغاء ثقافة الآخر.. تتمتم: هذا مربك!. أشدد أن عليها أن تفهم أن المقاومة الاسلامية في عمقها عروبية وعقلانية لأن الصراع في الاتجاه الصحيح يكسب أية مجموعة مذهبية حس العقلانية وقبول الآخر.ترحل ولا يزال السؤال الأول يتردد صداه في مكتبي وسرعان ما يذوي ويتخامد، أفرح لأنني عند هذا الاختبار لم أفقد منظومتي، لكن الأمر ليس شخصياً، ووراء الأكمة ما وراءها.هل أنهم فعلا لا يفهموننا، أم أنهم مضطلعون بمشروع لتحويلنا من دول، كنا نسعي عبرها وبتجاوزها لتحقيق الدولة ـ الأمة، الي طوائف؟الجواب ليس مهماً لأن النتيجة واحدة! فاذا كانوا كمحافظين جدد يتبنون الديمقراطية (كما كان بعض الماركسيين يتبنون تعميم التحول الي ديكتاتورية البروليتاريا بغض النظر عما اذا كان ثمة طبقة عاملة أم لا)، لا يراعون أن الديمقراطية ارث ترافق مع الثورة الصناعية وصعود مبدأ المصلحة وتحقق التسامح ونشوء العلمانية وقيامة الدولة ـ الأمة… وأن نتيجة عدم التدقيق في ذلك، هي تماما كنتيجة من يقصد ويخطط لا فرق وهي: تكريس الطائفية علي حساب الدولة والوطن والأمة.لماذا من الديمقراطية أن يكون للطوائف الحق في التعبير عن نفسها سياسياً ويغدو باسم القضاء علي الطغيان، أن ليس من حق القوميين العرب أن يعبروا عن نفسهم سياسياً؟هذا طغيان أخطر.السؤال عن طائفتي من زائرتي، بافتراض حسن النوايا، قد يعكس محاولة لتعيين أحداثياتي المعرفية بنسبها لانتماء بالولادة لم أخــــتره، لكنه يرسم خطاً أحمر يشعرنا أن المطلوب، في نهاية الأمر، هو تشظينا… وأن ما يحدث في العراق ويُكرّس في لبنان يُراد له أن يكون البديل عن سايكس ـ بيكو الذي حول الأمة الي أقاليم (دول) واليوم المطلوب تحويلنا الي طوائف.المذاهب كتفسيرات للنصوص شيء، والطوائف شيء، وتعبيراتها السياسية (أي الطائفية) شيء آخر. الأولي فكرية تستحق الاحترام والقبول باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التنوع الفكري وقبول الآخر، والثانية انتماءات كينونية هي واقع الحال والتنوع، أما التعبيرات السياسية، بمواجهة التعبير القومي، فهي غير المقبولة لأنها تتشظي بالوطن الي انتماءات تلغي بعضها البعض. نعم، المطلوب اصلاح العقل القومي من درائنه العديدة، ولا بد من احترام حقوق الأقليات، ولكن ذلك لا يكون بالنكوص الي ما قبل (الدولة بمعني الانتماء المصلحي الأفقي) بعيداً من الانتماءات العمودية: الدينية الطائفية العشائرية الحاراتية … ولا يجوز اليوم أن نتحدث عن تيار قومي جامع للأمة، فنحن نتفق مع عزمي بشارة علي أنه غير ممكن لأنه لن يعدو كونه منتدي، فليكــــن لكل دولة منا (قوميتها) بمعني طريقتها القومية في معالجة قضاياها، علي أن يكون المشروع النهائي هو الانتماء الي تشكيل قومي جامع بطــــريقة أو بأخري والأهم عبر مفهوم المصلحة وليس الشـــعارات الوجدانية التي أفرغتها التجربة من محتواها، وبات الدفاع عن القـــومية بسبب ذلك أمراً عسيراً نتيجة لكل المفارقة بين الممارسة والشعارات.أخطأت الممارسات… نعم، ويجب أن تصحح وتحدّث وتزود بمضامين تعددية وديموقراطية، ولكن هذا لا يلغي حقيقة أن الانتماءات الحديثة والمعاصرة لم تُبنَ علي أساس الدين والطوائف والعشائر (بخلاف اسرائيل!!!) فالدولة الحديثة في الغرب كانت ولا زالت قد بنيت علي أساس الدولة ـ الأمة، أي علي قاعدة العلمانية والتسامح والمصالح (الثورة البرجوازية) وارث طويل من الحروب القومية وصولا الي الحربين العالميتين، وصنع الديموقراطية. واذا اردنا دولة حديثة لا يكون ذلك بالانقلاب علي جميع ما سبق، لمصلحة الانقسام والتشظي المجتمعي.لماذا المطلوب أن نتشظي ولا نبني دولا حديثة؟ العلمانية لا تعني معاداة الأديان، فنحن جميعاً نصوم ونصلي في المســــاجد، ونحتفل بعيد الميلاد والفصح وندخل وأبناؤنا الكنائس، نكبّر ونوحِّد ونُصلّب. ونـــزور أهلينا من كل الطوائف، ونعزز كل ما يمت لارثنا المشــــترك ولا نمانع أن نكون أشابين لبعضنا البعض في زيجات أصدقائنا… لكننا نرفض أن نجيب عن مذاهبــــنا وطوائفنا وسنكون تحت لواء بلد واحد ننتخب فيه الأصلح، ونرنو فيه الي أهلنا في الدول العربية الأخري لتجمعنا مصلحة واحدة بغد أفضل.لتكن ما تكون الدوافع أما الكانتونات والتشظي فمرفوضان، وعلينا أن نقاومهم في العراق ولبنان ولن نسمح بزحفهم الي سورية …وهذا هو تحدي هذه المرحلة وتلك المقبلة. ہ رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية