لا عزاء.. لطباطبائي وبارزاني وطالباني!
هارون محمدلا عزاء.. لطباطبائي وبارزاني وطالباني!يبدو ان فريقاً من السنة العرب، وخصوصاً الذين يشاركون في ما يسمي بالعملية السياسية، استبشر بتصريحات الرئيس بوش الاخيرة التي اعلن فيها رفض إدارته لتقسيم العراق الي ثلاثة اقاليم (سنية وشيعية وكردية) تتمتع بالحكم الذاتي، لأنها تري في ذلك اتساعاً للفوضي في العراق بحجم اكبر بكثير مما يحصل الان، فيما انكفأت القيادات الكردية علي اعقابها، وتواري عبد العزيز طباطبائي الحكيم عن الانظار، ويقال انه خاتل في سرداب نجفي مظلم.وجاء أول رد فعل وترحيب من الفريق السني، علي لسان (رئيس مجلس النواب) الدكتور محمود المشهداني الذي أبلغ راديو (سوا) بأنه بات يعتقد ان الامريكان بدأوا باستخدام أدمغتهم في التعاطي مع الشأن العراقي بعد ان ظلوا لأكثر من ثلاث سنوات من الاحتلال يستخدمون أحذيتهم، طبعاً لم يتحدث المشهداني عن أسباب هذا التحول الآن، ولماذا حدث في هذه المرحلة بالذات؟ فالرجل كما هو معروف (درويش) في تفكيره ورؤيته، ولا يدخل في التفاصيل رغم انه يفاخر بكونه صوفياً.وصحيح ان الامريكيين بدأوا في تغيير سياساتهم في العراق منذ حزيران (يونيو) الماضي، وشرعوا في التخلي تدريجياً عن استراتيجية (تشيني ـ رامسفيلد) وهي استراتيجية قامت علي مفهوم (الفوضي الخلاقة او البناءة) وترتكز علي الانحياز الامريكي لفئات وتنظيمات معينة ضد اخري، الامر الذي يخلق فوضي سياسية وصدامات اجتماعية ومواجهات طائفية وعرقية، سرعان ما تنتهي ويتعب المتحاربون وتتقدم امريكا كمنقذة وتبدأ ببناء العراق الجديد وفق مقاساتها، ولكن الصحيح ايضا ان هذه الاستراتيجية واجهت الاخفاق منذ تطبيق بول برايمر لصفحاتها الاولي، في نهاية آيار (مايو) 2003، وثبت ان التخطيط علي الورق شيء، والتنفيذ علي الارض شيء آخر، فلم يتحسب صناع القرار في واشنطن الي جملة حقائق سياسية وتأريخية وثقافية واجتماعية راسخة في الوجدان العراقي تتصدي لكل اشكال الاحتلالات الاجنبية وترفض نفوذها ودعواتها وتدخلاتها مهما كانت صورها وصيغها، وهذه الحقائق تراكمت وتعززت جيلاً بعد جيل في التأريخ العراقي المعاصر منذ اربعينيات القرن الماضي، وخصوصاً عقب حركة الجيش العراقي ضد الهيمنة الانكليزية في آيار (مايو) 1941 بقيادة المرحوم رشيد عالي الكيلاني والشهداء العقداء الاربعه (صلاح الدين الصباغ وكامل شبيب ومحمود سلمان وفهمي سعيد)، وبالتالي فان غالبية العراقيين حساسون جداً من الاجنبي ويرتابون منه، الي درجة المبالغة في كثير من الأحيان، وهناك حكاية شهيرة حدثت في منتصف الستينات، عندما صعد شخص اجنبي سيارة (تاكسي) وطلب من سائقها بعربية مكسرة ان يوصله الي معسكر الرشيد، فما كان من السائق الا وانطلق به الي مركز شرطة السعدون وسط بغداد، وأنزله من السيارة بالضرب والدفع وقاده الي المركز طالباً من المسؤولين فيه اعتقاله، وبعد التحقيق تبين ان الاجنبي خبير روسي متعاقد مع الحكومة العراقية ويعمل في المركز المهني لقطع المعادن ومقره في معسكر الرشيد، وتدخلت السفارة السوفيتية في حينها، ورفعت شكوي علي السائق الذي أحيل الي المحكمة والتهمة جاهزة، اعتداء علي اجنبي متعاقد مع الحكومة، وعندما سأل القاضي السائق المتهم، لماذا قمت بهذا العمل وخلقت مشكلة بين الدولتين؟ رد السائق ببساطة متناهية: والله لو طلب مني ايصاله الي ملهي او فندق او دائرة مدنية لأوصلته بدون أجرة وعلي حسابي، ولكن الي معسكر الرشيد فالمسألة صعبة سيدي القاضي!ان المصيبة التي أوقع الامريكان أنفسهم فيها وهم يحضرون لاحتلال العراق، تصديقهم لما نقله اليهم عدد من المخبرين والجواسيس والعملاء، بان العراقيين سيخرجون عن بكرة ابيهم لاستقبال الجنود الامريكيين بالورود والرياحين، دون ان يعوا ان كلام هؤلاء لا يستند الي الواقع وانما مجرد ادعاءات وتلفيقات، والغريب في الأمر ان إدارة بوش تكاد تكون الوحيدة من الإدارات الامريكية المتعاقبة التي لم تأخذ بتقارير وكالتها (السي اي ايه) من نتائج الحرب علي العراق، وهي بالتأكيد أخلص وأحرص علي بلادها من شلة المتعاونين والقباضين واغلبهم من مقطوعي الجذور والأصول والوافدين علي العراق، او المتضررين من تقدم العراق ونهضته. ولم يكن بوش وحده الذي صدق ان الحرب علي العراق نزهة، بل ان وزير دفاعه رامسفيلد دخل في جدل ساخن مع قادة الجيش الامريكي الذين طالبوا بارسال المزيد من القوات لخوض الحرب وراح يتهكم عليهم، كما ظهر في الصحافة الامريكية فيما بعد، ووصل الأمر بنائبه السابق وولفوتز وهو احد مهندسي الحرب يقول في محاضرة له نهاية شباط (فبراير) 2003 في مركز درسات صهيوني التمويل والادارة، درب مجموعة من المتعاقدين مع البنتاغون وعددهم 182 شخصاً عينوا مستشارين في العراق عقب احتلاله، ان (تحرير) العراق من الدكتاتورية سيقابل بترحيب شعبي واسع ولدي الإدارة ـ يقصد الامريكية ـ مؤشرات ميدانية تؤكد ذلك، طبعاً لم يسأله احد من الحاضرين، من اين استقيتم هذه المؤشرات الميدانية؟لقد أدرك الامريكان متأخرين أنهم ورطوا وتورطوا في العراق، ولم ينتبهوا الا بعد ان اوجعتهم المقاومة العراقية والحقت بهم خسائر في الارواح والمعدات لا يعلنون الا عن جزء يسير منها، فهم ينشرون أرقام قتلاهم من قوات المارينز فقط، ويستبعدون اسماء المرتزقة العاملين في شركات الحماية والمقاولين والمجندين من حملة بطاقة الـ(غرين كارد) واعدادهم بالالاف، إضافة الي ما خسروه من أموال بلغت حسب التقديرات الامريكية نفسها اكثر من 300 مليار دولار.واكتشف الامريكان ان القيادات الكردية والتنظيمات الشيعية هي مجرد فقاعات، الاولي تتحكم بمنطقة شمالي العراق بالقوة والإكراه واسلحة البيش ميركه، ومع ذلك تشهد المنطقة الكردية بين فترة واخري تظاهرات شعبية احتجاجا ونقمة علي حزبي بارزاني وطالباني تقابل بقسوة مفرطة، والثانية مرتبطة بايران وتتلقي منها التوجيه والتمويل والتسليح، واكتشفت ايضاً ان النخب الشيعية العربية من أكاديميين ومثقفين وعسكريين ووجهاء وعشائر وحرفيين ونقابيين لا يطيقون النزعات الطائفية التي تروج لها الاحزاب والميلشيات الشيعية، وبالتأكيد فان أمريكا لا يمكن ان تفرط بتركيا الحليفة لها والعضو في حلف (الناتو) من اجل تسمين دبين كرديين، ولا توافق علي استحواذ ايران واحتلال اقليم عربي جديد في الخليج زاخر بالنفط يضاف الي الاقليم العربي الاول المحتل الاحواز (ابو النفط) وجزء من الاستراتيجية الامريكية في احتلال العراق هو النفط. ولا نريد هنا ايراد كلام قالته كوندليزا رايز خلال اجتماعها مع وزراء خارجية ثماني دول عربية في القاهرة قبل اسبوعين بهذا الصدد، حتي تظهرالنتائج.الامريكان أصبحوا الان يتوسلون بشخصيات وحكومات ودول عربية، لاقناع رموز وقيادات السنة العرب في العراق ابداء قليل من (التساهل) مع زلماي خليل زاد والجنرالين ابو زيد ومساعده كيسي، بشأن خطوات يستعدون لاتخاذها قبل نهاية العام الحالي، بل لقد ذهبوا حتي الي الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، الذي لا يهضمونه، ووسطوه بهذا الشأن، وكاتبوا الرئيس السوري بشار الاسد الذي كانوا لا يطيقونه بالمضمون ذاته، اما مناشداتهم لرؤوساء وملوك وأمراء الدول العربية الصديقة والحليفة لهم، فقد اصبحت في الفترة الاخيرة أكثر الحاحا.وعندما قلنا في اكثر من مناسبة ان السنة العرب هم الرقم الصعب في اي معادلة او قضية سياسية، وهم من يحدد مستقبل العراق، ولن تستطيع قوة او دولة مهما بلغت في قسوتها وشراستها ان تلوي اعناقهم او تصادر حقوقهم، فاننا كنا ننطلق من حالة وطنية قائمة وثابتة، والدليل علي ذلك ان القوات الامريكية لم تترك سلاحاً مدمراً الا واستخدمته ضد محافظاتهم ومناطقهم ومدنهم، والنتيجة كانت تصاعد مقاومتهم واتساع فعالياتهم، والتقارير العسكرية الامريكية اضطرت الي الاعتراف بخروج محافظات الانبار وديالي والموصل وصلاح الدين وكركوك واحياء كاملة من العاصمة واجزاء كبيرة من محافظات الحلة والكوت والديوانية عن السيطرة الامريكية.وصار واضحاً للامريكان ايضاً ان جبهة التوافق التي تسلم قياديوها مناصب حكومية ووزارية لا تمثل غير جزء يسير من السنة العرب، فالقوة الحقيقية للسنة العرب تتمثل في التيار العروبي الواسع والعريض بضمنه حزب البعث واغلبية قيادات وضباط الجيش العراقي والقوات المسلحة والتصنيع والكفاءات الإدارية، إضافة الي ما يمتلكه السنة العرب من قدرات القيادة والادارة والخبرات والتجارب والمال والنفوذ والعلاقات العربية والإسلامية، هذه هي الحقيقة التي غابت او غيبت عن بوش، لذلك عندما يعلن رفضه لتقسيم العراق الي أقاليم وفيدراليات فهو يتخذ هذا الموقف ليس حباً بالعراق أو حرصاً علي وحدته وسيادته، وإنما لأنه يعرف تماما ان السنة العرب لن يقبلوا بأي اقليم او فيدرالية، حتي لو اعطي لهم ثلاثة أرباع العراق كما قال الشيخ حارث الضاري، لأنهم وطنيون عراقيون وقوميون عروبيون، وهم ليسوا مثل عبدالعزيز طباطبائي الحكيم الذي يبيع الوطن من اجل اقليم، ويبيع العراق من اجل جيب عميل، وهم أيضاً عصريون ومتمدنون وحضاريون لا يرتبطون بمرجعيات طائفية ومذهبية يعيش رجالها في الجحور وأقبية الظلام، ويصدرون الفتاوي المتخلفة، ودعوات اللطم وضرب الصدور والرؤوس وجباية الاتاوات باسم الخمس والزكاة.الأمريكان سينسحبون عاجلاً ام آجلاً، هذه مسألة لا نقاش فيها، وعندها سنري ان كان بمقدورعبدالعزيز طباطبائي وابراهيم جعفري واحمد الجلبي وموفق ربيعي وهادي العامري وجلال الصغير ومسعود بارزاني وجلال طالباني ووفيق السامرائي وسعدون الدليمي ومثال الالوسي ومن لف لفهم، ومن هوعلي شاكلتهم، ان يبيتوا ليلة واحدة في بغداد، عندما تلغي المنطقة الخضراء، وتختفي الهمفي والهمرات، وتغيب طائرات الاباتشي والبلاك هوك، ليله واحدة فقط!9