لا عــزاء للمنافقين السائرين في النفـاق نياما

حجم الخط
0

مالك التريكي يبدو أن مهنة المنافق لم تعد سهلة هذه الأيام. فقد صارت صفحات الفيسبوك تزخر بما لا يحصى من الوثائق التي تدين المنافقين إدانة دامغة. الفكرة بسيطة لكنها ثورية حقا: مجرد مونتاج على الفيديو بين مقطعين من شريطين مختلفين. الأول قبل اندلاع الثورة. والثاني بعد انتصارها. البطل في المقطعين شخص واحد. شخص معروف أو شبه معروف. يقول في المقطع الأول إن نظام فخامة الرئيس نظام مثالي، وإن فخامة الرئيس لا ينام الليل من شدة التفكير في مصالح المواطنين وإن البلدان الأخرى تحسدنا على ما نحن فيه من النعيم المقيم. أما في المقطع الثاني فإن الشخص ذاته يقول: أود قبل كل شىء أن أترحم على أرواح الشهداء الأبرار وأن أوجه تحية إجلال وإكبار إلى شباب الثورة المباركة وشعبنا الذي لم أشك يوما في أنه شعب عظيم… لقد انجلى الليل وانزاحت الغمة بسقوط النظام البائد وفرار الدكتاتور.

لو كانت القضية تقتصر على النفاق قبل الثورة (إذ إن مدح أي صاحب سلطة، سواء في دولة أم في مؤسسة، هو شر النفاق) مع الحرص على التزام الصمت بعدها، لهان الخطب. لكن هؤلاء المنافقين لا يزالون يعتقدون، على ما يبدو، أن النفاق سلاح ناجع في جميع الحالات. ولذلك فإنهم متمادون حتى اليوم في نفاق يظنونه عابرا للأزمنة والأنظمة والثورات. يداهنون الوضع اللاحق بمثلما داهنوا النظام السابق. ويتبارون اليوم في شتم حكام ومتنفذين كانوا يسبحون بحمدهم بالأمس. تكاثر هؤلاء المنافقون من ذوي السرعة القياسية في ركوب موجة الثورة فتكاثرت مقاطع الفيديو التي تفضحهم على الفيسبوك. في أحد هذه المقاطع يقول مسؤول في مؤسسة إعلامية تونسية (قبل الثورة) إنه عرض القضية على وزير الإعلام… ثم إن القضية حسمت لصالحنا ‘لأن لنا في هذه البلاد بطبيعة الحال أبا هو الرئيس بن علي. هو أبو التونسيين جميعا. وهو لا يرضى بالظلم…’. هذا الشخص ذاته يقول في المقطع الثاني (بعد الثورة) إننا لم نكن نستطيع التنفس في عهد بن علي (أي في عهد أبينا) وإن التضييقات والمضايقات كانت من كل نوع ولون… وإن الثورة المباركة قد أنهت عهد الظلام… ولهذا فإن الذي ركب شريط الفيديو قد وضعه على الفيسبوك تحت عنوان ‘بن علي ينسى أحد أبنائه في تونس!!!’… صحيح أن ركوب الموجة و’قلب الجاكيتة’ هما من الممارسات الشائعة في الثورات والتحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى. فقد بين عدد من الدراسات التاريخية في فرنسا، على سبيل المثال، أن كثيرا من الفرنسيين الذين تعاونوا مع الاحتلال النازي لبلادهم أثناء الحرب العالمية الثانية قد انقلبوا بسرعة إلى وطنيين مؤيدين للمقاومة حالما تأكدوا من اتجاه الأحداث. بل إن معظمهم لم يكن مؤيدا للمقاومة إلا بأثر رجعي، أي إلا بعد أن قضي الأمر وانتصر الحلفاء. ويشير الباحثون إلى أن الشعب الفرنسي قد نسي هذه الحقيقة أو تناساها في حالة تواطؤ واسع على فقد الذاكرة. ولعل شيوع سلوك ‘قلب الجاكيتة’ هو ما جعل مجلة الإكونومست تقارن بين الصحافة المصرية في بدايات هذا القرن وبين الصحافة الفرنسية في بدايات القرن التاسع عشر. حيث ذكرت الإكونومست أن جريدة الأهرام نشرت غداة بداية الثورة المصرية، أي يوم 26 كانون الثاني (يناير)، عناوين مادحة لنظام مبارك على الصفحة الأولى، لكنها نشرت غداة سقوطه، أي يوم 12 شباط (فبراير)، مانشيتا تعلن فيه ابتهاجها بتهاوي النظام وتحيتها إلى شباب الثورة. وتساءلت الإكونومست إن كان ذلك من قبيل الانتهازية أم أنه تعبير عن الفرح بانكسار قيود الرقابة، ثم أجابت بأن شيئا من هذا لا ينفي بعضا من ذاك. إلا أنها مهدت لذلك كله بالتذكير بأن إحدى الجرائد الفرنسية كتبت عام 1815 أن ‘آكل لحوم البشر قد فر من مخبئه’ وأن ‘بونابرت يزحف بسرعة لكنه لن يدخل باريس أبدا’. لكن ذلك لم يمنعها أن تكتب بعد 13 يوما فقط أن ‘جلالة الإمبراطور دخل أمس إلى تويلري يتبعه رعاياه الأوفياء المخلصون’. لو كانت القضية تقتصر على النفاق قبل الثورة… لو أن جوقة المداحين الكذابين في العهد البائد تتحلى الآن ببعض من حياء فتصمت قليلا… لو كان الأمر كذلك لهان الخطب، وهو ليس بهين. إلا أن العزاء الوحيد أن أشعة ليزر الفيسبوك لهم بالمرصاد، بحيث أن استمرارهم في النفاق الذي يتوهمون أنه عابر للأزمنة والقارات والثورات قد جعل منهم مجرد عابرين في نفاق عابر! الفيسبوك بالمرصاد: ولا عزاء للمنافقين… السائرين في النفاق نياما.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية