لا عهد للشعوب بالتدخل الدولي

حجم الخط
0

حتى حيال الأزمات والأحداث الجارفة، لا ينبغي الارتباك في توظيف العبارات الموصفة، فما للعبارة في تعبيرها على الواقع يوازي ما للواقع حين يصرف نفسه في عبارة تشيعه وتنقل خبره.

ما يحدث في ليبيا بعد ‘ثورة المُختار’، تدخل دولي لا أجنبي كما تنطق وسائل الإعلام العربية والدولية، ثورة تغيير حقيقية لا أزمة من صنف أي من الأزمات، التي يظل معناها واسعا يضيع في إطارها كل معنى، والقيمون على تلك الثورة مقاتلون من أجل الحرية بالرأي والنار، وليسوا متمردين كما يُوصَّفون، وكل ذلك في اعتقاد منا أن زحزحة العبارة وتصويبها، تصويبا لحقيقة ما يجري ومحاولة لتركيز جهد الفهم لما هو حاصل في ليبيا المائرة ‘من شدة الاضطراب’. فدولية التدخل وإسقاط صيغة ‘الاجنبي’ عن الحراك، التي تُلحق بها دائما نظرية المؤامرة التي اعتاشت من سطحيتها نُظم، ومنها استقت أخرى شرعيتها، من دون ذكر اشتراك دول عربية في استصدار قراره في قمة باريس، برز من أول رد على ما عاشته رغبة التغيير الليبية من محاولات بالحديد والنار لإجهاضها، اقتداء وابتداء باجماع شعوب عربية سابقة ولاحقة في التغيير، عبرت عن تضامنها وانحيازها للشعب ولإرادة الحياة لديه، مرورا، من دون أن يكون لذلك انتهاء، بكل الشعوب الأوروبية والآسيوية والأمريكية على السواء. اتحدت إرادة التغيير وطَوتْ قهر الجغرافيا وبعد كل ضروب المسافات المادية والفكرية والثقافية، وكيف لا وكل وسائل الاتصال الإعلامية الجديدة سُخرت بوعي وقوة لحشر هذا الدعم الدولي، الذي أحدث بالفعل، وعلى وقعه، رَجَّةً في المجتمع الدولي الذي يبدو لاول مرة تقوده الشعوب بأمرها، وعلى رأسها العربية، إلى مواقع القرار لاستصدار القرار المناسب تحقيقا للنصرة والدعم الأنسبين.

ميثاق الأمم المتحدة، الذي لا نُخفي شرعية أقلام حمراء ينبغي أن تخط تناقضاته وتعيد ترميم بنيويته الفكرية والمؤسساتية، ينص في الفقرة السابعة من المادة الثانية في إعلان المبادئ، أن لا مسوغ لاي تدخل في شؤون تعد من صميم السلطان الداخلي للدول أعضاء الأمم المتحدة. نظام العقيد الليبي لا يُخفي، رغم فلكلورية انتقاداته، انخراطه السياسي في المنظمة، له ما للاعضاء وما عليهم، وقد استدرك ذلك في خطابه الأخير الذي ضرب بشرعية القرار الدولي مُستَقْسِما بمبادئ الأمم المتحدة وبصميم هذا المبدأ الأممي، لكن من دون أن يُنظر في ناظم المبدأ، في استثناء أن الشأن الداخلي حين يصير مُخِلا بالامن والسلم الإقليميين والدوليين، يفقد إطاره الشرعي على وقع خطوط تعني للأمم جمعاء الشيء الكثير.

لكن هل كان للشعوب العربية عهد بالتدخل الدولي؟ ألم تكن النظم العربية المُستبدة سَببا في كل التدخلات وشعوبها من يدفع ثمنها تضحيات؟ ألم يكن تصلب العقيد حيال إرادة التغيير، وجرائمه التي اقترفها في حق شعبه، أفقدته الشرعية الداخلية قبل الخارجية، فكان تدخل الداخل أسبق من الخارج؟

إن التغيير في ليبيا سبق التدخل الدولي، والاخير لاحق وتابع في مسار الاحداث، عكس التدخلات التاريخية التي كانت تَحمِل التغيير من الخارج، ومحل الشعوب سلبيا حيالها، ومسؤولية تقديم المساعدة للشعوب الواقعة في خطر، قبل أن يكون واجبا قانونيا، رسالة أخلاقية وقيمية لا ينبغي هدر قيمتها بأي حال، فالتجارب نوعِيَّة، والحدث كذلك، ونوعية الحدث الليبي بالتأكيد يختلف جوهريا عن تجربة العراق أيام حرب الخليج الثانية والثالثة، حين كان العدوان والحصار باسم التدخل الانساني، لكن ما بقي راسخا في كل التجارب فوق نوعية الأحداث، أمران شكَّلا حقيقة تاريخية إلى غاية لحظتنا: أن التدخل الدولي، تستدعيه أنظمة فاشلة مُتحكِّمة في شعوبها، ونسق إقليمي عربي فاشل في سد ثغرة الشؤون الداخلية بجهوزيته الأمنية.

يراد من وراء الترويج لمؤامرة العدوان الخارجي، والاحتلال الصليبي، والقضاء على الأمة العربية، في خطاب النظام الليبي، شق الصف العربي حول شرعية ‘ثورة المختار في ليبيا’، وما استتبعته من واجب لتقديم المساعدة. واللحظة عربيا لا تستدعي الفرقة بقدر ما تطلب موقفا داعما لاي أنواع المساعدة يمكن أن يقدم للشعب الليبي المُحاصَر داخليا، مادام ثُوار ثورة 17 فبراير في الميدان، ومادامت مُطالبات الشعب السيادية باسقاط النظام، وتلك الوحدة التي يراد لها أن تستمر، هي من احدثث فارق التغيير في الوطن العربي، وبها بعد الإسقاط يُبنى النظام.

يونس الغايسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية